الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

تَعَلَّمْتَ !!

تَعَلَّمْتَ !!


لا تُحبطنّكَ الفُرقةُ والتشرذم والهزائم المتتالية؛ فإن أمريكا- إن كانت تكبر في صدرك- لم تكن سوى ولاياتٍ متفرقةٍ؛ تكونت شيئاً فشيئاً من شذاذ آفاقٍ ومغامرين وتجار ولصوص وقَتَلَة ومضَّطَهدين في بلادهم الأصلية؛ كإسبانيا وإنجلترا وهولندا والبرتغال وفرنسا، ولم يجتمع الشعب الأمريكي- إن صح أن تُسمى هذه الأوشاب شعباً- في جمهورية واحدة على الهيئة التي تراها الآن إلا بعد أكثر من مائتي سنة من الفرقة والتشرذم وتداخل الولاءات الاستعمارية، والهزائم المتتالية، والثورات، والحروب الأهلية!!
ألمانيا والألمان- الذين تراهم الآن ورأيتهم أيام هتلر- كانوا منذ مائتي سنة تقريباً أضحوكة الغرب كله..
أكثر من ثلاثمائة دويلة مع أكثر من ألف وخمسمائة كيانٍ بين متوسطٍ وصغيرٍ ومتناهٍ في الصِغَر، اعتادوا- كالعرب الآن- الهزائمَ والانكساراتِ حتى وصفهم تولستوي على لسان أحد شخصيات روايته (الحرب والسلام) قائلاً:" إنهم لا يجيدون شيئاً سوى التناحر فيما بينهم، وهم دائماً يُهزمون، محظوظٌ من يحاربهم، محظوظٌ نابليون الذي لم يحارب حتى الآن سوى الألمان؛ ومَن الذي لم يهزم الألمان؟!"..
وحين ظهر (بسمارك) رافعاً شعاره الشهير:" المشاكل المهمة لا تُحل بالخطب؛ بل بالحديد والدم"؛ فرض الوحدة قسراً- عسكرياً وسياسياً-، وسار بالألمان من نصر إلى نصر، حتى أسقط باريس، ولم يكتفِ بهزيمة جيوش فرنسا النابوليونية التي أذلت بلاده سابقاً فقط؛ بل أعلن تأسيس الامبراطورية الألمانية من قصر فرساي الفرنسي نفسه بعد استيلائه عليه..
ولكي تتصور غرائبية الأمر واستحالتَه قبل بسمارك؛ تخيل أن أقول لك الآن: سيأتي اليوم الذي نعلن فيه تأسيس الخلافة الإسلامية من البيت الأبيض نفسه بعد فتحه!! هذا أشبه بذاك رغم كل شتاتنا الذي نعيشه الآن، والذي يشبه شتات الألمان قبل بسمارك.. فقد كانت لحظة (فرساي) هذه هي اللحظة الختامية لمحاولات توحدٍ ألمانية فاشلة استمرت أكثر من مائة وخمسين سنة!!
***
الجيش الأمريكي الذي ترى قواعده الآن في كل مكان؛ كان- إبان الثورة الأمريكية- مجرد ميليشيات مدنيةٍ مشتتةٍ لم تصل في مجموعها إلى عشرين ألف جندي، ولم تملك سلاحاً حقيقياً أو مؤناً أو عتاداً أو ملابس كافية، وخاضت- في ثمان سنوات- أكثر من مائة وخمسين معركة؛ هُزمت في معظمها، وانسحبت- مع قائدها جورج واشنطن- من كل أرضٍ فتحتها؛ حتى عَمَّ اليأسُ كثيراً من الضباط والجنود، وانقلب كثيرٌ منهم على جورج واشنطن في مؤامرتين متتاليتين قمعهما بشدةٍ وعنف.
***
ما دمتَ مصمماً على الاستمرار؛ فلا خسارة في الهزيمةِ وإنْ هُزمت؛ كلُّ هزيمةٍ عاجلةٍ نصرٌ آجل إنْ تَعَلَّمْتَ منها!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق