الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

 هل مصر حرة في علاقاتها مع تركيا؟

ياسين أقطاي

مستشار الرئيس التركي

جمعت بين دول شرق المتوسط اتفاقيات وتحالفات مثيرة للاهتمام لأعوام طويلة تقاسمت من خلالها أهدافا مريبة، ويبدو أن تركيا هي الدولة المستهدفة في سواحل البحر الأبيض المتوسط من خلال هذه الاتفاقيات، فبعض الدول التي سعت لأن تكون جزءا من هذه التحالفات، مثل فرنسا، أصبحت بالفعل طرفا في هذه الاتفاقيات، وأضحت لها اليد العليا في كل ما يخص شؤون شرق المتوسط، في حين أن لا أحد يأخذ بعين الاعتبار موقف تركيا مما يحدث ناهيك عن أنه لا أحد يكترث لما تريده. كما تهدف جميع هذه الاتفاقيات بشكل أساسي إلى تضييق الخناق على تركيا إلى أن تصبح عاجزة حتى عن اصطياد الأسماك في مجالها البحري.

 

من المعروف أن تركيا من بين الدول التي تملك أطول ساحل على البحر الأبيض المتوسط؛ لكن مع ذلك يتم تجاهلها عندما يتعلق الأمر بما يحدث في سواحل المتوسط، وقد استمر ذلك حتى توصلت تركيا إلى اتفاق مع ليبيا، وكشفت عن مبادرة ترسيم الحدود مع اليونان، الأمر الذي أثار الاعتراضات والاحتجاجات.

فرنسا، على سبيل المثال، التي لا تملك أي حق في شرق المتوسط تمكنت من خلال اتفاقيات قديمة من الخروج بمكاسب أكثر من مصر، ومن خلال توقيعها على اتفاقية مع اليونان، حكمت مصر -بالنيابة عن شعبها- على نفسها بالموت.

واجهت تركيا هذه الاعتراضات بشكل موضوعي من خلال البراهين والأدلة الدامغة، وبذلك تكون قد قوضت فكرة الأحقية بالتقادم لتُحبط مساعي هذه الدول. خلال هذه المرحلة، خاطبت تركيا كل دولة على حدة، ووضّحت الأسس القانونية لكل مسألة. فالقضايا الخلافية بين تركيا واليونان تختلف عن تلك التي تجمع تركيا وإسرائيل، وينطبق الأمر ذاته على المسائل العالقة بين تركيا والغرب، أو بين تركيا ومصر. وقد تمكنت تركيا من توضيح ذلك لكل طرف بلغة يفهمها ورسم حدود كل قضية وطبيعتها.

 

يندرج الخلاف مع مصر ضمن المسائل العالقة التي تتعامل معها تركيا، أما موقف نظام السيسي المتحدث باسم مصر بخصوص ما يحدث في البحر الأبيض المتوسط لا يخلو من الغرابة. ومن خلال هذه الاتفاقيات، تسعى كل دولة لخدمة أكبر قدر من مصالحها باستثناء مصر، التي تشارك من خلال التنازل عن جزء كبير من حقوقها لصالح أطراف أخرى.

 


فرنسا، على سبيل المثال، التي لا تملك أي حق في شرق المتوسط تمكنت من خلال اتفاقيات قديمة من الخروج بمكاسب أكثر من مصر، ومن خلال توقيعها على اتفاقية مع اليونان، حكمت مصر -بالنيابة عن شعبها- على نفسها بالموت.

 

بالنظر إلى السبب الذي يقف وراء إيقاع مصر لنفسها في هذا المأزق، من الواضح أن الوقوف ضد تركيا كان مغريا، وفيما يتعلق بهذه النقطة بالتحديد، بعث الزعيم التركي رجب طيب أردوغان رسالة إلى مصر أوضح فيها أن الخلافات المعروفة مع السيسي لا تحتم على مصر تبني مثل هذا الموقف، الذي من شأنه أن يضر بحقوق المصريين في البحر المتوسط، مشيرا إلى أنهم غير مجبورين على ذلك، وقد وصلت هذه الرسالة من خلال قنوات تواصل استخباراتية لم تنقطع يوما.

 

لا يعني وجود بعض الخلافات مع مصر انقطاع التواصل أو غياب التفاهم أو انعدام المكاسب المشتركة بين الدولتين في بعض المجالات، وهو ما ينطبق على نزاعات تركيا مع كل من روسيا وإيران والولايات المتحدة الأميركية، الذي لا يعني أنه لا تجمعها مصالح مشتركة واتفاقات تعاون ومبادلات تجارية.

 

كان لهذه الرسالة صدى، وكثر الجدال حولها في وسائل الإعلام الموالية للسيسي، وقد أوّلها بعض السياسيين على أنها علامة على أن تركيا عادت أخيرا لتقف في صف مصر، وأنها تحاول التودد إلى مصر، لدرجة البدء بتحضير قائمة بالمطالب لقبول العرض التركي.

 

في سؤاله عن هذا الموضوع، أجاب وزير الخارجية المصري، سامح شكري، "الكلمات اللطيفة لا تكفي، إننا ننظر إلى الأفعال"، وهو يقصد بذلك انسحاب تركيا من سوريا والعراق وليبيا، وعلى الرغم من أن هذه القضايا لا شأن لمصر بها؛ إلا أن هذه المطالب تعكس في الواقع مطالب الدول الممولة لها، وكانت هذه فرصة لطرحها.

ينطبق على هؤلاء المثل التركي القائل "الدجاجة الجائعة ترى عنابر القمح في أحلامها"، فبأي أحلام غاص هؤلاء حتى يروا أردوغان يسلم هؤلاء الأبرياء الذين لجؤوا إليه إلى هذا النظام الظالم بعد ما عانوه من قهر وقمع في بلادهم؟ وما هي الحالة النفسية، التي تسيطر عليهم لدرجة جعلتهم يحلمون بأن أردوغان يعتذر من السيسي؟

من فرط الحماس تجاه هذه الفكرة، بدأ ممثلو الوسط الإعلامي بتقديم شروطهم قبل السياسيين، التي تنطلق من موقف تركيا من مصر، على غرار المطالبة بتسليم المعارضين السياسيين، الذين فروا إلى تركيا، إلى النظام المصري، وإغلاق جميع القنوات التي أسسوها في إسطنبول؛ بل تمادى البعض منهم لدرجة المطالبة باعتذار الرئيس أردوغان من السيسي.

 

ينطبق على هؤلاء المثل التركي القائل "الدجاجة الجائعة ترى عنابر القمح في أحلامها"، فبأي أحلام غاص هؤلاء حتى يروا أردوغان يسلم هؤلاء الأبرياء الذين لجؤوا إليه إلى هذا النظام الظالم بعد ما عانوه من قهر وقمع في بلادهم؟ وما هي الحالة النفسية، التي تسيطر عليهم لدرجة جعلتهم يحلمون بأن أردوغان يعتذر من السيسي؟ وكيف لشخص مثل السيسي، الذي لم يتردد في قتل الآلاف من أبناء شعبه بلا رحمة، وتدمير حياة الملايين من المصريين أن ينتظر الاعتذار من أحدهم في الوقت الذي هو مطالب فيه بالاعتذار من شعبه في المقام الأول؟

 

على النقيض مما وقع تأويله، كان المقصود من رسالة أردوغان أن مصر تظن أنها بالوقوف ضد تركيا تستطيع إلحاق الضرر بمصالحها؛ لكنها في الحقيقة لا تضر سوى نفسها، ونحن نكن الاحترام للشعب المصري وتاريخه وهويته والقيم التي يمثلها.

 

إن الاتفاق المصري اليوناني يضر بمصلحة مصر بشكل واضح، ولا يضر بأي شكل من الأشكال بتركيا؛ لأنه لا يعنيها في شيء، ولا داعي لمثل هذه التصرفات اللاعقلانية من قبل الإدارة المصرية الحالية؛ لأنها بذلك يتضر شعبها وتاريخها وجيشها بشكل كبير، ومن الواضح أنها لا تسير وفق خطة سياسية موضوعة من قبلها، وإنما يحرّكها توجيهات خارجية، ناهيك عن أنه لا فائدة ترجى لتركيا من إقامتها علاقات مع نظام السيسي في الوقت الحالي لعدة أسباب من بينها غياب بيئة اقتصادية تشجع على الاستثمار.

 

إن الوضع الذي وصلت إليه مصر تحت إدارة السيسي واضح للعيان -استفحال الفساد والقمع وسوء الإدارة وتدخل الدولة في كل مجال- والقوانين التعسفية لم تترك بيئة آمنة للاقتصاد، والهدف الأساسي من هذا النوع من الانقلابات كان ضمان وصول هذا الدكتاتور إلى السلطة، وليس تعزيز الثقة في الاقتصاد المصري، وكل هذا يعني أن لا أحد سيتضرر من غياب العلاقات مع مصر.

 

لا تتمتع مصر اليوم باستقلال حقيقي يسمح لها بممارسة سياستها الخاصة، ما يحرمها من الإرادة الحرة، التي تمنحها حق اختيار إنشاء علاقات مع تركيا تخدم مصالحها؛ لهذا السبب، يقحم السياسيون المصريون أنفسهم في مسائل أساؤوا فهمها خدمة لمصالح الداعمين لهم، وذلك من خلال المطالبة بتحقيق أجندات بعيدة كل البعد عن الشأن المصري، وهم بهذا الشكل يحاولون ترفيع مكانتهم لدى الأطراف المانحة، ويُعلنون بأمر من المحور الممول لهم عن طي صفحات مرحلة لم تبدأ بعد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق