الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

ثورة الأطراف تحاصر السيسي

ثورة الأطراف تحاصر السيسي

لم يعد أمام عبد الفتاح السيسي الكثير من الوقت للبقاء في الحكم مع تصاعد الحراك الشعبي القادم من القرى والأطراف، وتفكك الطوق الأمني المفروض على العاصمة بخروج المظاهرات في بعض أحيائها رغم القبضة البوليسية، وفشل كل المحاولات لامتصاص الغضب وتهدئة المظاهرات التي أصبح مطلبها الرئيسي هو إسقاط النظام.

اتساع خريطة المظاهرات التي بدأت في بعض المحافظات منذ يوم 20 سبتمبر بدعوة من المقاول محمد علي ووصولها إلى معظم المحافظات يوم جمعة الغضب الأولى 25 سبتمبر يشير إلى أننا أمام ثورة جديدة تشبه ثورة يناير التي أطاحت بحسني مبارك ولكنها تختلف في الأسلوب وطريقة الحركة.

الثورة المصرية الحالية ثورة من جذور المجتمع، من أعماق الريف المصري والمواطنين البسطاء الذين سحقتهم سياسات الحكومة، في القرى والنجوع، وليست ثورة نخبة في العاصمة والمدن كما كانت في يناير، يشارك فيها كل المجتمع بكل فئاته من كبار وصغار، رجال ونساء.

تكشف الهتافات التي تتردد في المظاهرات أن الدوافع ليست فقط بسبب المعاناة الاقتصادية أو ضد قانون التصالح في مخالفات البناء رغم أهمية تأثيرها؛ فالشعور العام أن السيسي ينفذ أجندة إسرائيلية لهدم مصر، وتخريبها وتهجير المصريين وتشريدهم، ويحارب الدين ويهدم المساجد، فالهتاف الأكثر انتشارا هو “لا إله إلا الله، السيسي عدو الله”، وهو هتاف يحمل الكثير من المعاني ويؤكد أن رصيد السيسي قد نفد.

كسر حاجز الخوف

يتميز الثوار الجدد في الشوارع بالجرأة، وكسروا حاجز الخوف الذي يعتمد عليه السيسي في فرض سطوته، ونتج عن انهيار هذا الحاجز تحول كبير في الوعي الجمعي وتغيير الواقع المصري المفروض بالقمع والتخويف، منذ مذبحة رابعة في 2013 ووضع النهاية لحلم السيسي في البقاء والاستمرار.

من الوقائع المهمة التي تكشف عن الجرأة والروح الجديدة ما حدث في الوراق التي يريد السيسي تهجير سكانها لبيع الجزيرة للمستثمرين الأجانب، حيث ردوا على اعتقال أجهزة الأمن لأربعة من شبابها باعتقال 3 من أفراد الأمن كرهائن، ورفضوا إطلاق سراحهم إلا بعد الإفراج عن أبنائهم، وقد تحقق لهم ما أرادوا، وهذا حدث كاشف للوضع الجديد وهو ضعف السلطة أمام صمود وقوة الشعب الصاعدة.

الواقعة الثانية ذات الدلالة هي توجه المتظاهرين في أسوان إلى استراحة الرئاسة وحرقها وكانوا من قبل يتوجسون من مجرد المرور بجوارها، وواصل أبناء أسوان التظاهر اليومي ولم تستطع قوات الأمن التصدي لهم، وعندما اعتقلت الشرطة طفلين حوصرت مديرية الأمن مما اضطر الأجهزة الأمنية لترحيلهما إلى القاهرة؛ لكن بسبب الخوف من الغضب الشعبي، تم الإفراج عنهما وإعادتهما إلى مدينتهما.

ورغم وجود بعض الاشتباكات في بعض نقاط التظاهر واستشهاد 3 متظاهرين في قرية البليدة بالجيزة، واستخدام قنابل الغاز في أماكن أخرى فإن السياق العام يؤكد عدم وجود إجماع في دوائر السلطة على استخدام أسلحة القتل في مواجهة المتظاهرين، وهذا مكسب كبير يؤكد رفض الجيش وقطاع من الشرطة الصدام مع الشعب، ورفض دوائر داخل السلطة للتورط في الدم من أجل السيسي.

جرأة وشجاعة الجيل الجديد

الملاحظة الأهم على المظاهرات غياب الحركات السياسية التي توجد بشكل أساسي في المدن، فالقرى تتسم بالتماسك والعصبية القبلية التي تجعل هذه المجتمعات أقوى من الدولة، وهي محصنة من الناحية الأمنية حيث لا تستطيع مدرعات الشرطة دخولها في غالب الأحوال، وإذا ما وقعت الاشتباكات تكون على مداخلها، وهذا يشكل استنزافا وإجهادا للقوات الأمنية.

أبطال ثورة القرى هم الأجيال الشابة والصغيرة، فالشباب تحت العشرين كانوا صغارا أثناء ثورة يناير 2011 وحسهم الثوري لم ينطفيء، لكن المفاجيء هو مشاركة الأطفال في المظاهرات بحماس وشجاعة، وهي ظاهرة جديرة بالتأمل، فهؤلاء الصغار تركوا اللهو واللعب وانخرطوا في ممارسة السياسة في أعلى درجاتها، وهذه الأجيال الجديدة أصبحت أكثر وعيا وهم في سن مبكر، مما يشير إلى أن لهم دورا مستقبليا كبيرا في تشكيل النظام السياسي الجديد.

لقد فشلت الحملات الإعلامية الرسمية في اتهام حركة الإخوان المسلمين بالوقوف خلف المظاهرات، وتبخرت اتهامات الإعلام الحكومي للمتظاهرين بالإرهاب، وهذا الفشل يرجع إلى أن الثائرين هذه المرة من ملح الأرض، يمثلون كل طوائف الشعب وفئاته وفي كل المحافظات، ومن تأخر في الخروج الأيام الماضية سيخرج فيما بعد، لأن لديه نفس الأسباب ونفس المبررات التي أخرجت من سبقوه.

إلا أن عدم ظهور الأحزاب السياسية في المشهد خادم للحدث في بدايته لقطع الطريق على من يريدون شيطنة الثورة؛ فالسيسي يعتمد منذ الانقلاب على الرئيس محمد مرسي ومذبحة رابعة على الترويج لمعركة ضد عدو داخلي له امتداد خارجي، وتم شيطنة الإخوان واتهام كل من يعارض بانتمائه للإخوان حتى لو كان شيوعيا.

ورغم غياب الأحزاب والسياسيين في الحراك الداخلي فإن سياسيي الخارج بكل ألوانهم يلعبون دورا محوريا في الدعم الإعلامي للثورة. ففضائيات المعارضة التي تبث لقطات الفيديو لحظة بلحظة نقلت الثورة نقلة كبيرة، حيث تحول التصوير بالموبايل من أهم أدوات الثائرين لتوثيق حركتهم وبثها للرأي العام في مصر والخارج، كما يشارك السياسيون وغير السياسيين من المصريين المقيمين بالخارج على قلب رجل واحد في دعم الثورة، بل ويتدخلون في توجيه الثائرين وتشجيعهم.

السيسي والانفضاض من حوله

السيسي في حيرة وارتباك أمام الثورة فإما يدفع بالقوات الأمنية إلى الأطراف فيسقط القلب وإما يحافظ على القوات في القلب ويخسر الأطراف وفي كلا الحالتين تتآكل هيبته وتسقط شرعيته، وستمتد النار في النهاية إلى القلب الذي يغلي وينتظر لحظة الانفجار ورسم مشهد النهاية.

كل يوم يمر في صالح الثورة فالنار المشتعلة لن تتوقف، والمدن الهادئة اليوم ستشتعل غدا لأن أسباب الثورة موجودة في كل بيت، وقد أصاب الضرر كل مصري حتى أصبحت الحياة مستحيلة لغالبية الشعب المصري.

ليس أمام السيسي أي فرصة للاستمرار، فلا أحد في مصر يريده، فهو لم ينقلب فقط على الرئيس محمد مرسي وإنما قام بأكثر من انقلاب ليحكم بمفرده؛ فانقلب على الجيش وأطاح بكل أعضاء المجلس العسكري الذين شاركوا معه، وحبس الفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق لأنه فكر في خوض انتخابات الرئاسة ضده، ووضع الفريق أحمد شفيق في الإقامة الجبرية عندما فكر في الترشح واختطفه من الإمارات بالاتفاق مع محمد بن زايد.

لقد انقلب السيسي على الأمن القومي المصري ببيع تيران وصنافير وتسليم مضيق تيران لـ “إسرائيل”، وفرط في نهر النيل ووقع على اتفاق التنازل عنه لإثيوبيا، وباع حقوق مصر في البحر المتوسط، وتحالف مع إسرائيل وقبرص واليونان ضد دول الجوار العربي والمسلم.

وانقلب السيسي على القوى السياسية الليبرالية واليسارية التي شاركت معه في 30 يونيو 2013 ووضع قادتهم في السجن، وكان الانقلاب الكبير على دين الدولة المصرية بزعم تجديد الاسلام! وكانت أخطر قراراته هدم المساجد بكل جرأة وتحدي لعقيدة المسلمين في مصر والعالم بزعم أنها بنيت على أراضي غير مرخصة!

 قام السيسي بتدمير الاقتصاد بتبديد الأموال في مشروعات غير انتاجية ليست ضرورية وليس لها أي أولوية وليس لها عائد، وأغرق البلد في القروض، واتخذ إجراءات تدميرية مثل تعويم الجنيه الذي أفقد قيمة ما يمتلكه كل مصري بما يزيد عن النصف، وسعى لتصفية أصول الدولة وبيعها من خلال صندوق خاص تحت إدارته المباشرة، والأخطر هو تفكيك القاهرة من المقطم حتى النيل وبيعها بالمشاركة مع الإمارات ومنظمات دولية  تحت شعار القاهرة التاريخية وتحويل العاصمة إلى ممتلك للتراث العالمي تديره اليونسكو (اقرأ مقالنا السابق).

وكانت شرارة الثورة التي ستنهي حكمه هي الانقلاب على الشعب بالإفقار المتعمد والدخول على الناس في بيوتهم لهدمها، في سلوك غير إنساني، وضد كل الثوابت والقوانين التي تحمي حق الإنسان في السكن والعيش بكرامة؛ ولكن يبدو أن التسلط أعماه حتى اندفع في سرداب مظلم لا خروج منه.

عجلة التغيير دارت، والثورة تتمدد، وفقد السيسي مناصريه حتى في دوائر السلطة، وظهر ذلك بوضوح في خطابه الأخير الذي هدد فيه الجميع، ولن ينقذه اعتماده على الإسرائيليين والدوائر الصهيونية والدعم الخارجي، لأن المواجهة الآن مع الشعب ولن ينتصر المكر المعادي على أمة تنتزع حقها في الحرية، وستدوس على كل من يقف في طريق التحرر والاستقلال.


 


تفكيك القاهرة وبيعها: هل هدم المساكن جزء من الخطة؟


سياسات ممنهجة: تهجير وتشريد المصريين!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق