الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

12- الطريق إلى مكة (1/2)

"السيرة الذاتية"  طفولة قلب 


12- الطريق إلى مكة (1/2)

الاحد 22 ذو الحجة 1426 
الموافق 22 يناير 2006





د. سلمان بن فهد العودة
حركة الأيام تتسارع، هذه سنة 1388هـ كالشمس في أفقها الغربي، ورمضان يودِّع، والناس تتهيأ لحج البيت العتيق، والقلوب الحية سبقت أصحابها إلى هناك، والصبي الذي مضى على بلوغه سنيات يدّخر لنفسه مقعدًا في سيارة "البيجو" حيث سيؤدي الحج للمرة الأولى، وهو الآن في السنة الثانية المتوسطة.
تنطلق السيارة المستأجرة بسائقها في طريق طويل يزيد امتداده على الألف كيلو متر إلى مكة، يستقلها ما يزيد على اثني عشر حالمًا، كلهم حالم برؤية البيت الذي يشعرون وكأنه يناديهم، متخيّلين أنفسهم بملابس الإحرام وسط ضجيج الملبين عند الكعبة، أو في منى، أو عرفة أو المزدلفة.
كان ذلك هو اليوم الثالث من ذي الحجة، ورئيس المجموعة هو الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم البليهي –رحمه الله-، الذي كان يستكمل تجهيزاته واستعداداته بحماسه المعهود، ويكب كما العابد المتبتل على إنجاز العمل وتذليل عقباته.

صاحبنا منذ صباه يتعشّق الشخصية الحية المسؤولة، ويكره الإهمال 
واللامبالاة، ويحاول أن يكون كذلك.
أنعام صوت طفولي لمنشد عراقي عذب الإيقاع ترنّ في مسمعه حتى اللحظة:
استقل الركب سيارتهم، وهم يطلقون نكات عن هذا النوع من السيارات الذي يسمونه "النعش المتنقل"، لكثرة ما يسمعون من حوادثه وضحاياه.
يا راحلين إلى منى بقياد....هيجتمو يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم ياوحشتي....الشوق أقلقني وصوت الحادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا....عند المقام سمعت صوت منادي
من نال من عرفات نظرة ساعةٍ....نال السرور ونال كل مراد
فإذا وصلتم سالمـين فبلغوا....منى السلام إلى النبي الهادي
صلى عليك الله يا علم الهـدى....ما سار ركب أو ترنم حادي

العدد كبير، والسيارة أصبحت كعلبة السردين، في الخلف متسع للفرش المطويّة، والأواني، والماء والغاز، والكتب، والخيمة، وما فاض فهو في المراتب الأمامية وتحت الأقدام.

أدركهم المساء في مدينة الرس، حيث هي في الطريق، وهي مقر سكن شيخهم، حيث كان مدرسًا في المعهد العلمي، باتوا في منـزل شيخهم، وتعرّفوا على عددٍ من زملائه الطيبين من مدرسي المعهد؛ الأستاذ محمد العبده، الأستاذ جلال السوداني، الدكتور مصطفى السيد..

البرد كان شديدًا، وحين استيقظوا لصلاة الفجر وجدوا "أبا إبراهيم" قد سبقهم، وسخّن الماء على المدفأة التي تعمل بالكيروسين للوضوء.

كانت أجواء مفعمة بالرضا والسعادة والانسجام، مليئة بالتطلع والاكتشاف والأحلام، كلهم كانوا يشعرون -وإن بدرجات متفاوتة- أنهم يصنعون مستقبلهم بمهارة وكفاءة وطمأنينة. كانت أيامًا جميلة؛ لأنها جميلة فعلاً، ولأنه لا يبقى إلا الذكريات الجميلة.

دفء المنـزل حيث باتوا، ودفء الماء المسخّن، ليس شيئًا يسهل 
الحصول عليه دائمًا، فعبر طريق مظلم محفوف بالمخاطر والحيوانات 
السائبة والحوادث المروّعة، يحتويهم ليل شتاء قاسٍ ربما اضطرهم إلى 
البحث عن مأوى ينامون فيه آخر الليل، وحين تكسرت رقابهم من 
النعاس فلا يجدون إلا المسجد الطيني المقام في طرف القرية، وبحركة 
خفيفة سريعة -كما الشباب دائمًا- تجد الفرش منثورة داخل 
المسجد، حتى موقع الإمام والمؤذن، وعندما يدخل المؤذن لنداء 
الصبح يفاجَأ بهذا المنظر الذي لا يستطيعون تصور إحساسه تجاهه، 
لكنه -بكل حال- لن يكون الاغتباط!
بعضهم ثقيل النوم يصعب إيقاظه إلا بالصياح والسَّحب والجرجرة، 
وتتفاقم المشكلة حينما يحتاج بعضهم إلى الاغتسال في الأرض 
العراء، وبالماء البارد، في جو صقيع، ولا تطيب نفسه أن يتيمم، 
فيحدثه أصحابه أن الأمر واسع، (... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ 
حَرَجٍ...)[الحج: من الآية78]، ويورد عليه بعضهم، وهم يتهامسون 
بعيدًا عن أذن الكبار، قوله تعالى: (...وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى 
التَّهْلُكَةِ...)[البقرة: من الآية195].
وقصة الرجل الذي أفتاه بعض الصحابة بالاغتسال فمات، فقال 
النبي –صلى الله عليه وسلم-: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم 
يعلموا، فإنما شفاء العيّ السؤال".
وأمام إصراره وإصرارهم عليه يجمعون حطبًا، ويوقدون النار، 
ويقيمون له مربعًا صغيرًا يشبه دورة المياه، ويغتسل.
لم يكن وقت الرحلة يذهب عبثًا، فالجو ذو روحانية عالية، 
والانسجام يفعل فعله، والإحساس بالمسؤولية لدى مراهق يفجّر 
قدراته، فحتى في أوقات الراحة والإخلاد للنوم، ثمة حوارات تجري، 
ومساجلات شعرية، وقصائد يتبارون فيها أيّهم أكثر حفظًا، بينما 
آخرون يكتفون بالاستماع والإعجاب.
أما البرنامج فهو حافل، فقيام آخر الليل، ثم الصلاة، فقراءة القرآن 
جماعيًا مع تلقين التجويد، وتفسير الكلمات، والوقوف عند دلالات 
بعض الآي، إلى الإفطار، إلى فترة حرة للاستحمام والوضوء والتهيّؤ، 
إلى جلسة أولى للقراءة في كتاب، ثم فسحة قصيرة، بعدها جلسة 
ثانية، ثم صلاة الظهر، فالذهاب لجلب الماء من المواقع المخصصة في 
منى، ثم الغداء، فالنوم، فجلسة أخرى بعد العصر، وجلسة بعد 
المغرب، وجلسة بعد العشاء!
الوقت كان مشحونًا، والبرامج مكثفة إلى حد أنهم يسأمون 
ويتململون، ويفرحون حين يحدث أمر طارئ يعفيهم من رتابة 
الجلسات، بيد أن إحساسهم بالنمو والترقي، وروح التطلع والرغبة، 
وشعور المنافسة، وعلاقة الحب أضفت على الجو قدرًا من القبول 
والتفهم.
ما الأمر الطارئ الذي يمكن أن يحدث؟
ضيف يقتحم بدون سابق إنذار، أو مشكلة تتعلق بموقف السيارة 
التي ركنت إلى جوار الخيمة، أو مجموعة أخرى من الأصدقاء يتم 
التعرّف عليهم والتواصل معهم وزيارتهم، أو حرارة مرتفعة تضرب 
أحد أفراد المجموعة حيث يشعر البقية بذات الإحساس، وتراودهم 
مخاوف من تفاقم المشكلة، وماذا لو مات لا قدّر الله، والخيال 
الطفولي يغذي مثل هذه الاحتمالات.
أما الكتب، فهي مجموعة متنوعة من المؤلفات القديمة كرياض 
الصالحين للإمام النووي، وكتب ابن تيمية، وابن القيم، ومناسك 
الحج والعمرة مثل: التحقيق والإيضاح لمناسك الحج والعمرة، 
والزيارة للشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله-، والمنهج لمريد العمرة 
والحج للشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-، وكتاب المناسك للشيخ ابن 
جاسر –رحمه الله-، وهو من العلماء الذين لا يحظون بالقبول في 
البيئة العلمية المحيطة لأسباب تاريخية، وعن طريق هذا الكتاب تعرّف 
على صاحبه، وسمع عنه لأول مرة.
ومثله كتاب حجة النبي –صلى الله عليه وسلم- للألباني.
ومجموعة من الكتب الثقافية الحديثة، ككتب الشيخ أبي الحسن 
الندوي، ومنها (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)، والذي ردّده 
صاحبنا حتى حفظ بعض مقاطعه، وكتاب (إلى الإسلام من جديد)، 
وكتب الندوي غنية بالروح والعاطفة الإيمانية.
محمد قطب، وأخوه سيد كانا حاضريْن عبر: (هل نحن مسلمون؟)، 
(معركة التقاليد)، (في ظلال القرآن).
أذهان تتفتح، وعقول صغيرة تتهيأ للميدان، وشباب في بداية 
التكوين يفتح عينيه على نموذج حيّ من الاتصال العالمي عبر هذه 
التشكيلة الهائلة من الحجاج، ولعلها المرة الأولى التي يحتكّ فيها ب
مجموعات خارج إطاره المحليّ.

"السيرة الذاتية" 


1- طفولة قلب

2- بيت من الطين

3- بوابة الحياة

4- الحـبيب الأول

5- النفود

6- ما بين (الحويزّة) و (الأندلس)

7- في الطريق إلى النهضة

8- في البدء كانت القراءة

9- في ضيافة الخليل!

10- ليلة خليلية أخرى

11- آخر القِرى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق