الخميس، 10 سبتمبر 2020

"كلنا أخوة"

"كلنا أخوة"
أ. د. زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية


في الثالث من شهر أكتوبر القادم سيذهب البابا فرنسيس إلى بلدة أسيز، بمقاطعة بروچيا بإيطاليا، ليقيم الصلاة علي القديس الذي اتخذ اسمه تيمناً لبابويته، وليوقّع على خطابه الرسولي الثالث، وهو بعنوان "كلنا اخوة". وقد سبق هذا الخطاب "نور الإيمان" سنة 2013، و"مبجل أنت" سنة 2015. ومن مجرد العنوان لهذا الخطاب الذي سيوقعه بعد اقل من شهر، ندرك أنه تمت صياغته ليشمل الجميع، جميع سكان الأرض، أي جميع الأديان بكل فرقها.

وقد اختار البابا موقعا له مغزاه للإعلان عن هذا الخطاب، في بلدة أسيز، مدينة القديس الذي اتخذه نموذجا ومثالا لبابويته. وموضوع "الأخوة"، ويقصد به الأخوّة الكونية، الأخوة العالمية، بغض الطرف عن العقيدة، يعد هدفا مميزا لأعمال البابا فرنسيس وتحركاته الكنسية منذ انتخابه. ومثله مثل كافة البابوات الذين أتوا بعد مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، جميعهم مفروض عليهم تبني وتنفيذ قراراته لتنصير العالم. لذلك اختار هذا العنوان لخطابه الجديد والذي يسمح له بضم "كل مخلوقات الرب، الإله الوحيد للجميع" والرب هنا هو السيد المسيح. ويواصل البابا التغني بهذا الموضوع حتى في الصلوات التي يقودها في بيت "سانت مارت" الذي يقطن فيه في الفاتيكان.

ويقول مونسنيور سورّنتينو أسقف بلدة أسيز، "أن هذا الخطاب سوف يعطينا قوة جديدة ننطلق منها لنبدأ عملية التبشير باسم الأخوة التي تجمعنا جميعا"، مضيفا بعد فترة: "وقد توجه البابا الي بلدة أسيز ليوجه رسالة للعالم تستلهم نقاطها من قديس بلدة أسيز".. والقديس فرانسيس بات معروفا أنه ذلك الذي سافر الي مصر مع إحدى الحملات الصليبية لتنصير السلطان المالك الحاكم.

من ناحية أخري، يورد أحد أهم مواقع الفاتيكان (آليتيا أورج)، وذلك يعني ان الفاتيكان هو المصدر الرئيسي للمعلومة، أن هناك ستة نقاط تفسر لماذا اختار البابا ذلك التاريخ، وهي:

1 ـ تقارب البابا الشديد في الهدف من القديس فرانسيس الأسيزي، فهو أشهر مبشر في التاريخ؛

2 ـ نحن في موسم واحتفالية "الخليقة" التي بدأت يوم 1/9/2020، وحتى الرابع من شهر أكتوبر. والموضوع المختار هو يوبيل خطاب "ممجد أنت" الصادر سنة 2015. وقد دعي البابا مسيحيّو العالم بكل فرقهم لتجديد إيمانهم بالرب و"أن يتحدوا خاصة في الصلاة والعمل لحماية بيتنا المشترك"؛

3 ـ موضوع الأخوة الإنسانية: يوضح موقع "آليتيا": "قد سبق للبابا أن تناوله في وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقعها في أبو ظبي مع شيخ الأزهر، وكان يقصد بذهابه ألي هناك أن يعيد المحاولة السلمية التي قام بها القديس فرانسيس الأسيزي مع السلطان مالك الكامل في مصر سنة 1215". أي ان البابا قد ذهب الي أبو ظبي والتقي بشيخ الأزهر في محاولة لشده في ركاب ما يقوم به! وهو أول تصريح رسمي يربط بين هدف ما يقوم به البابا في محاولته تنصير العالم وخاصة مع الأزهر. إذ أن الفاتيكان يعتبر وثيقة أبو ظبي محاولة سبّاقة تعلن عن الوثيقة القادمة "كلنا أخوة".

وعند توقيع وثيقة أبو ظبي قال ألسّندرو جزوتي، المتحدث الرسمي باسم الفاتيكان: "إن هذه الوثيقة بمثابة نداء قوي للرد على الشر بالخير وعلى تقوية الحوار بين الأديان ونشر الاحترام المتبادل حتى نسد الطريق على الذين يشعلون نار المواجهات". ولا داعي لتوضيح أن الشر هنا هو الإسلام ومن يشعلون نار المواجهات هم المسلمون، متناسيا صيحة جورج بوش الابن "ستكون حرب صليبية طويلة الأمد"، ومتناسيا أن الولايات المتحدة هي من صنعت الإرهاب ومولته وجهزته وصدرته للعالم، وان من صّرح بذلك هي السيدة هيلاري كلينتون في محاضرة لها مع المارينز ؛

4 ـ عدة رسائل لرؤية العالم بعد الجائحة: يوم 15 سبتمبر الحالي سوف يبعث البابا فرانسيس برسالة الي الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ترويجا وتدعيما لما يقوم به. وقريبا أيضا سوف يدلي بخطابين: أحدهما أثناء العقد العالمي حول التعليم (11ـ18 أكتوبر)، والثاني حول الاقتصاد. وجميعها سوف يأتي برد أو حل للتحديات الناجمة عن الجائحة وعن تنفيذ النظام العالمي الجديد. فهو ينادي بنظام اقتصادي جديد لا يهمّش الفقراء والمحتاجين. وفي جلسته العامة يوم 12 أغسطس أعلن أن الجائحة قد أكدت الي أي درجة نحن قابلون للجرح وكم نحن مترابطون". لذلك أضاف: "وإن لم نعتني بعضنا ببعض، بدأً من الأكثر بؤسا وتهميشا، بما في ذلك كل الخليقة، فلن يمكننا شفاء العالم" ؛

5 ـ الدروس الدينية حول التعليم الاجتماعي للكنيسة: إن التعاليم التي يقولها البابا كل يوم أربعاء في عظته الأسبوعية، في هذه الآونة، كلها حول التعاليم الاجتماعية للكنيسة من خلال وقائع الجائحة، وخاصة الأزمة المالية والمرضية ؛

6 ـ في خطابه الرسولي "مبجل أنت": دعي البابا في هذه الوثيقة الجميع للتعاون معا للعناية "ببيتنا المشترك" لمواجهة التحديات. والبيت المشترك، لكيلا ننسي، هو "البيت الإبراهيمي" الذي سيجمع الديانات التوحيدية الثلاثة. لذلك يركز في الآونة الأخيرة على دعوة الجميع للحوار وحول كيفية تشكيلنا مستقبل كوكبنا وضرورة تضافر جهود الجميع..

إن العبارة التي يتغنى بها البابا فرنسيس ليقوم بدور اختلقه لنفسه، من أجل حب بلا حدود.. فبأي حق، وهو مجرد رجل دين بحت، يترأس كيان كنسي معيّن من المسيحية، أي الكاثوليكية فقط، بأي حق يقوم بترتيب وإعداد نصوص وقوانين ولقاءات تحضرها كل أو عددا من القيادات الدولية، في السياسة والاقتصاد والتعليم، وكأنه القائد الأعلى لهذا الكون! بل لقد وصلت به الجرأة لدعوة قادة مختلف المجالات لينتزع منهم الموافقة على توحيد التعليم على مستوي العالم، وبالتالي يقوم بتوحيد يوم الأجازة عالميا بيوم الأحد.

لقد قام البابا بتجييش جيوش مجيّشة وكل ما أمكنه من إمكانيات ووسائل لاحتفالية أسبوع من 11ـ 18 أكتوبر القادم. ومن أجل تنفيذ هذا المخطط انضم اليه رئيس كلا من الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا وفي القسطنطينية. ومن أجل تدعيم كل خطواته فقد صاغ أغلبية خطبه بالنصوص الدينية واستشهادات من الأناجيل. بل لقد وصلت به الجرأة لتغيير ترجمة كلمة في الكتاب المقدس، من "للأغلبية" وجعلها "للجميع"، وهو ما تناولته العديد من الجرائد الفرنسية. أي أن الجميع يعلمون بما يقوم به، وعليهم الالتزام بتضحية المسيح وصلبه وعملية سفك دمه. فهو ليس للمسيحيين فقط وإنما للعالم أجمع!

وفي واقع الأمر ليست هذه الحيلة بجديدة على الفاتيكان فما أكثر ما بدّلوا وغيّروا، ويكفي أن نرجع الي "اعترافات القديس جيروم" لنري فضائح ما قام به شخصيا بأمر من البابا داماز في القرن الرابع. وكلها فضائح وجهها لهم رب العزة في القرآن الكريم.. ومن أشهر هذه التعديلات التي تلاعبوا بها ترجمة عبارة "امرأة شابة"، عن السيدة التي حملت في المسيح، في النص اليوناني الأصلي، وترجموها بكلمة "عذراء"، وأقيمت عليها عقيد الحمل العذري.

فبأي حق يحاول البابا فرض نصوص يُطلق عليها نسيج من الرقع، على العالم أجمع، ويتجرأ علي الإسلام المنزّل من عند الله ويحاول اقتلاعه بمساندة سادة العالم ومختلف المؤسسات؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق