السبت، 19 سبتمبر 2020

معرفة النفس البشرية


 معرفة النفس البشرية

د.ليلي حمدان


ليس بدعًا من القول أن يكون الجهل بطبيعة النفس البشرية وخصائصها أبرز الأسباب في تعثر الهمم، ففي كثير من الأحيان لا ينقص المرء الإيمان بربه ولا الاجتهاد في عبادته لكن مشكلته تكمن في استيعاب نفسه البشرية وترشيد طاقاتها لأفضل أداء وإنجاز.

والحديث عن النفس البشرية يأخذنا إلى تعريف هذه النفس وماهيتها، والدراية بنقاط قوتها وملكاتها وقيمها الفطرية والمكتسبة إضافة إلى أثر الوراثة والبيئة التي يعيش فيها المرء.

ورغم أن النفس البشرية تعد الأقرب إلينا إلا أنها مع هذا القرب شديدة الغموض. ولذلك بقيت معرفة حقيقة هذه النفس مثار اهتمام فلاسفة التربية منذ التاريخ، واعتُبر العَالِم المحيط بأسرارها أكثر توفيقًا في التأثير على الجماهير من غيره.

تعريف النفس

وأما تعريف النفس لغة، فيستعمل العرب كلمة نفس على وجهين: أحدهما قولك: خرجت نفس فلان، أي روحه، ويقال في نفس فلان أن يفعل كذا وكذا، أي في روعه.

والوجه الآخر أن معنى النفس حقيقة الشيء وجملته، يقال: قتل فلان نفسه، وأهلك فلان نفسه، ليس معناه أن الإهلاك وقع ببعضه إنما الإهلاك وقع بذاته كلها ووقع بحقيقته كلها.

وتأتي النَّفس أيضا بمعنى “الحسد، والعين، يقال: أصابته نَفْسٌ؛ أي: عَيْن، والنافس العائن.

وجاء في لسان العرب أن النَّفْس تعني: “العَظَمَة، والكِبر، والنَّفْس: الهِمَّة، والنَّفْس: العِزَّة، والنَّفْس: عَيْنُ الشِّيْءِ، وكُنْهُه…”.

كما تأتي النفس بمعنى الدم، وذلك أنه إذا فُقِد الدم من الإنسان فَقَد نَفْسه؛ أو لأن النَّفْس تخرج بخروجه، يُقال: سالت نفسه، وفي الحديث: (ما ليس له نفس سائلة لا يُنجِّس الماء إذا مات فيه).

وجاءت النفس أيضا في مقام التمييز، فقد جعلت العرب النفس التي يكون بها التمييز نفسين؛ وذلك أن النَّفْس قد تأمره بالشيء وتنهَى عنه، عندما يكون الإقدام على أمر مكروه، فجعلوا التي تأمره نَفْسًا، وجعلوا التي تنهاه كأنها نفس أخرى.

ثم تأتي النَّفْس بمعنى الأخ، قال تعالى ( فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) (النور: 61).

وبهذا اتسعت معاني النفس وتعددت مدلولاتها لغة.

وجمع النفس: أنفُسٌ ونفوسٌ، أما النَّفَس، فهو خروج الهواء ودخوله من الأنف والفم، وجمعه أنفاس، وهو كالغِذاء للنَّفْس؛ لأن بانقطاعه بطلانَها.

وأما تعريف النفس اصطلاحا: فهي جوهر الإنسان، ومحرك أوجه نشاطه المختلفة؛ إدراكيةً، أو حركية، أو فكرية، أو انفعالية، أو أخلاقية؛ سواء أكان ذلك على مستوى الواقع، أو على مستوى الفهم، والنفس هي الجزء المقابل للبدن في تفاعلهما وتبادلهما التأثير المستمر والتأثر، مكونين معًا وحدةً متميزة نطلق عليها لفظ (شخصية) تُميز الفرد عن غيره من الناس، وتؤدي به إلى توافقه الخاص في حياته.

وتعرفها بعض المعاجم الفلسفية بأنها: مبدأ الحياة والفكر أو كليهما معا باعتبارها حقيقة مميزة عن الجسد الذي تظهر فاعليتها من خلاله.

ويعرفها بعض الباحثين على أنها: الكُلّ المتكامل للإنسان الذي يشمل الجسد والعقل والروح جميعا، ولا يقتصر على شعور الإنسان أو لا شعوره فقط.

بينما عرفها الغزالي بقوله: “إِن نفس كل شَيْء حَقِيقَته وَهُوَ الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ مَحل المعقولات وَهُوَ من عَالم الملكوت وَمن عَالم الْأَمر”.

أما ابن ابن تيمية فقال عنها: ” النفس ما اقترن بالمادة التي هي (الهَيُولَى)، وهي الجسم كنفس الإنسان المدبرة لبدنه، وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه سموها نفساً”.

النفس بين الغرب والإسلام

ويبقى القرآن أوثق المصادر على الإطلاق التي تقدم لنا الحقيقة الكاملة والمطلقة عن الإنسان وطبيعة النفس البشرية، قال تعالى (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ) (البقرة: 2) (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) (الأعراف: 2).

فقد جمع القرآن كل الأسرار التي تعتمد عليها النفس البشرية لتحقيق حياة سليمة تنجو بها من أشكال الشقاء والقلق، وتعرف معها السكينة والاطمئنان في سعيها نحو الكمال.

وتفوقت – بلا شك وبشكل كبير- الدراسات الإسلامية للنفس البشرية عن الدراسات الغربية لهذه النفس، ذلك أن علم النفس الغربي ينطلق من منطلقات مادية تهمل الروحانيات في تناوله النفس البشرية، فتسبب هذا القصور في إثارة أجواء الشك والاضطراب والقلق والتشتت. على عكس الإسلام الذي قدم دراسة متكاملة ملمة بكل جوانب هذه النفس.

ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن دراسة النفس البشرية ظلت في حقبة ما قبل الإسلام فكرًا فلسفيًا نظريًا طورته الاجتهادات الشخصية، لذلك تباينت أصوله من فيلسوف لآخر بحسب ظروفه التي نشأ فيها وتأثر بها وتسبب ذلك في اضطرابات وتصادمات وتناقضات كثيرة بين الفلاسفة.

واستمرت تلك الأصول طويلا حتى جاء الإسلام فزال الشك واستقر اليقين وتجلت الحقائق بمعرفة الله سبحانه وتعالى وبمعرفة الإنسان لعلاقته بخالقه وبمجتمعه وبنفسه.

ودراسة النفس البشرية لا يمكن أن تكون بمعزل عن خالقها ومصوّرها، سبحانه جلّ في علاه.

ومن يقارن دراسات ابن القيم النفسية بنظيراتها الغربية يجد الاختلاف في مفاهيم الصحة النفسية يتركز في أصول الخلق ومصادر التلقي والغاية من الخلق والهدف الأخروي.

فابن القيم يعتمد في دراسته للنفس على القرآن والسنة، ولذلك يكرر في خلاصاته أن الإنسان خلق من طين مادي ونفخة روحية، ولا تتحقق الصحة والسعادة إلا بتحقيق التوازن بينهما بتخصيص الروح الاهتمام الأكبر.

لكن الدراسات الغربية في هذا الباب تغفل الجانب الروحي وتتخبط في مصادر التلقي والغاية من الخلق والهدف الأخروي، فتغرق مفاهيم الصحة النفسية في الماديات، فجاءت نتائجهم محدود للغاية.

يقول ابن القيم رحمه الله: “خلق بدن ابن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي، وإذا أشبعه ونعّمه ونوّمه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه، فانجذبت الروح معه، فصارت في السجن، فلولا أنها ألفت السجن، لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه، كما يستغيث المعذب”.

معاني النفس البشرية في القرآن

تظهر النفس في القرآن بمعنى الروح كقول الله تعالى (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (البقرة: 44)؛ وقوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) (الزمر: 42)؛ وقوله تعالى (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) (الأنعام: 93).

كما تظهر النفس في القرآن بمعنى الإنسان، أي: الشخصية البشرية بكامل هيئتِها، من جسد وشخصية، كما في قوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ) (البقرة: 48)، وقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ) (آل عمران: 145).

وتظهر النفس في القرآن أيضا مشتملة على الجسم والروح معا، كقوله تعالى ( قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) (القصص: 33).

 وتظهر النفس في القرآن بمعنى العقل أو بتعبير آخر القوى المفكرة في الإنسان كما في قوله تعالى ( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ) (المائدة: 116).

قال الطاهر بن عاشور في تفسيره لهذا المعنى: “والنَّفْس تُطلَق على العقل وعلى ما به الإنسان إنسان، وهي الروح الإنساني، وتطلق على الذات، والمعنى هنا: تعلم ما أعتقده؛ أي: تعلم ما أعلمه؛ لأن النفس مقرُّ العلوم في المتعارف، وإضافة النفس إلى اسمِ الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يطَّلِع عليه غيره؛ أي: ولا أعلم ما تعلمه؛ أي: مما انفردت بعمله”.

وتظهر النفس في القرآن بمعنى قُوى الخير والشر في الإنسان، سواء من حيث إدراكهما أو التمييز بينهما أو الاستعداد لهما، كما قال تعالى ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (الشمس: 7، 8)، وقال سبحانه ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد: 10)؛ أي: بيَّنا له الطريقين، طريق الخير وطريق الشر، وقال تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس: 9، 10).

خلاصة مفهوم النفس

وبذلك يقدم لنا القرآن فهمًا أعمق للنفس وتعريفًا أكثر خصوصية ودقة وشمولية، كما يقول الدكتور عبدالكريم الخطيب في تعريفه للنفس في التفسير القرآني للقرآن:”إن بالفهم الذي يستريح إليه العقل في شأن النفس، هو أنها شيء غير الروح وغير العقل، وأنها هي الذات الإنسانية أو الإنسان المعنوي، إن صح هذا التعبير، إنها تتخلَّق من التقاء الروح بالجسد، إنها التركيبة التي تخلق في الإنسان ذاتيةً يعرِفُ بها أنه ذلك الإنسان بأحاسيسه ووِجدانه ومُدرَكاته، فالنفس هي ذات الإنسان، أو هي مشخصات الإنسان التي تنبئ عن ذاته، ولا نريد أن نذهب إلى أكثر من هذا، وحسبنا أن نُؤمِن بأن الروح مِن أمر الله، فلا سبيل إلى الكشف عنها؛ كما يقول سبحانه ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (الإسراء: 85)، وأن النفس جهازٌ خفيٌّ عامل في الإنسان، فهي الإنسان المعنوي، ولهذا كانت موضعَ الخطاب من الله تعالى، كما أنها كانت موضع الحساب والثواب والعقاب، والله أعلم”.

أنواع النفس البشرية


تعريف النفس البشرية يقودنا إلى بحث أنواع هذه النفس، وهذا لا يعني أن النفس الواحدة منفصمة ولها أوجه في ذاتها بل يعني بشكل أدق أنها تمر بأحوال وتحمل صفات وجب التعرف عليها.

ومن جميل ما قاله ابن القيم رحمه الله عن النفس البشرية وصفاتها في كتاب الروح: “إن النفس البشرية واحدة كما يقول المفسرون والفقهاء إلا أن كثيرًا من أهل التصوف يقولون: إن للعبد ثلاث أنفس، والحقيقة أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها.

قال تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) (الفجر: 27).
وقال تعالى (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة: 2).
وقال تعالى (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) ( يوسف: 53).

إذًا فالنفس واحدة، ولكن لها صفات متعددة فتسمى باعتبار كل صفة كالتالي”.

وكذلك قال شيخه ابن تيمية رحمه الله:”أن هذه صفات وأحوال لذات واحدة، وإلا فالنفس التي لكل إنسان: هي نفس واحدة، وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه”.

ومعنى ذلك أن لابن آدم ثلاثة صفات وأحوال لنفسه هي: نفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة، ونفس مطمئنة.

ومن الناس من تغلب عليه حالة من الثلاث، ومنهم من تغلب عليه أخرى.

والخلاصة المتفق عليها في أنواع النفس البشرية أنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاثة باعتبار صفاتها.

فإذا دعت النفس إلى شهواتها مالت إليها فهي: النفس الأمارة بالسوء، فإذا فعلتها أتت النفس اللوامة، فلامتها على ذلك الفعل القبيح من ارتكاب الشهوات، فتحصل الندامة وهذه من صفات النفس المطمئنة، وقيل أن النفس أمارة بالسوء بطبعها فإذا تزكت صارت مطمئنة.

ونفس الإنسان قد ترتقي لأعلى مراتب الارتقاء، أو تنحدر لأدنى مراتب الانحدار، فهي تقوى وتضعف، تقود وتنقاد، تغلب عليها صفة من الصفات، فتصعد أو تنزل، وهذه حقيقة تتكرر مع النفس البشرية.

وكما أن الإيمان يزيد وينقص، فإن النفس البشرية تتأثر بعوامل التربية وظروف البيئة فتشع صلاحًا أو تظلم فسادًا. 

وقد جمع القرآن صفات النفس المختلفة، فمنها الأمارة واللوامة والمطمئنة والزكية والحواذية (أي: تستحوذ على الإنسان فتدفعه إلى تكرار أنماط سلوكية وسواسية) ومنها الظالمة والمجادلة، والملهمة والمجاهدة والمهتدية، والشاكرة، والصالحة، والشحيحة، والخيرة؛ وقد تزيد هذه الصفات بحسب الحالة العامة للنفس.

وتأمل كيف وصف هذه النفس ابن القيم حين قال في الفوائد: “في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتوُّ عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغيُ قارون، وقحّة هامان -أي: لؤم-، وهوى بلعام -عرّاف أرسله ملك ليلعن بني إسرائيل فبارك ولم يلعن-، وحِيَلُ أصحاب السبت، وتمرُّد الوليد، وجهل أبي جهل.  

وفيها من أخلاق البهائم: حرص الغراب، وشَرَهُ الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجُعْل، وعقوق الضبِّ، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصَولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفَّة الفراش، ونوم الضَّبع”.

وهذا يفسر لماذا على المؤمن أن يعمل على قيادة نفسه أفضل قيادة لصناعة الهمة.

وفيما يلي سنتناول بعض صفات النفس البشرية كما وردت في القرآن الكريم:

النفس السوية (الملهمة)

تظهر صفة النفس السوية والملهمة في قوله تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس: 7، 8).

قال ابن كثير رحمه الله في معنى قوله تعالى ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا )؛ أي: “خلقها الله سوية مستقيمة على الفطرة القويمة”.

وقال الإمام الشوكاني في فتح القدير: “ومعنى سواها: خلقها وأنشأها وسوَّى أعضاءها؛ قال عطاء: يريد جميع ما خلق من الجِن والإنس، والتنكير للتفخيم، وقيل: المراد نفس آدم، (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)؛ أي: عرفها وأفهمها حالهما وما فيهما من الحسنِ والقبحِ.

والإلهام:” أن يوقع في قلبه، وإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا ألزمه ذلك الشيء”، وحاصل كلام المفسرين في الإلهام المذكور في الآية: أنه إلهام الفطرة، أو بيان الوحي.

النفس الأمّارة بالسوء أو النفس الشهوانية

وهي التي تميل إلى الطبيعة البدنية، وتأمر باللذات والشهوات الحسية، وتجذب القلب إلى الجهة السفلية، فهي مأوى الشرور، ومنبع الأخلاق الذميمة.

وهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من الشهوات المحرَّمة واتِّباع الباطل‏؛ قال تعالى (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة: 30) وقال تعالى ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (يوسف: 53).

وهي النفس التي تستوجب المجاهدة ذلك أن الشيطان قرين للنفس الأمَّارة بالسوء؛ فيوسوس لها، وهي تستجيب وتنساق خلف أزّه المتواصل.

جاء في كتاب مدارج السالكين: “من عرف نفسه وما طبعت عليه، عرف أنها منبع كل شر، ومأوى كل سوء، وأن كل خير فيها؛ فضل من الله منَّ به علينا”، ومن هنا يتبيّن لنا ضرورة الإلمام بمداخل الخير والشر في هذه النفس والتعامل على أساسها كالفارس يمسك بلجام الفرس ويقودها للسبيل الصحيح.

النفس اللوامة

أقسم الله بها في قوله تعالى ( وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) (القيامة: 2)، واللوامة جاءت في صيغة مبالغة على وزن الفعَّالة مما يدل على أن عملية اللوم عملية مستمرة مع الإنسان، فتكرر وتعيد اللوم على صاحبها، وفي هذا دلالة صلاح.

قال الحسن البصري: “إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟ ما أردتُ بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي ؟، وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه”.

وفي في هذا الشأن يقول الدكتور عبدالكريم الخطيب: “والنفس اللوَّامة، هي النفس التي ترجع على صاحبها باللائمة لما يقع منه من إثم، وما يقترف من ذنب… وهذا التلويم من شأنه أن يُغيِّر من وَضْع الإنسان القائم على الإثم، والمتَّجه إلى المنكر… إنه قوة معارضة لهذا التيار الذي يدفع به إلى المنكر، وقد يتحوَّل هذا التيار إلى الجهة المضادة لطريق الغواية المتجه إليه… وهذا ما يُشير إليه قوله تعالى ( أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (المؤمنون: 61، 62) فمع وجل القلوب، يقع فى النفس ما يقع من لوم على ما فرط منها”.

قال ابن القيم في أقسام القرآن: “وكل نفس لوَّامة، فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير، فتبادر إلى التوبة، والنفس الشقية بالضد من ذلك”.

النفس الظالمة

وهي نفس الكافر، نفس ظالمة، ولا يأتي لومها لذاتها حالة الذنب إلا بعد فوات الأوان وفي وقت لا ينفع معه الندم، وفي هذا يقول الله تعالى ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) (النبأ: 40) فنعوذ بالله من الظلم والنفس الظالمة.

النفس المطمئنة

أما النفس المطمئنة، فهي النفس المؤمنة التي لا يستبد بها القلق في أي حال من أحوالها، في السرَّاء أو الضرَّاء؛ إنها في حال واحدة أبدًا من الرضا بما قسم الله لها، إنها أسمى وأروع مرحلة يصل لها الإنسان من الاستقرار والسعادة والسكينة مهما اشتدت بها الخطوب قد أسلمت أمرها لخالقها ورضيت بقدرها وتماشت بما توفر لها من أسباب دون سخط أو يأس، قال تعالى ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (الفجر: 27 – 30).

وقال أهل اللغة عن النفس المطمئنة: “هي التي تم تنورها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة، وتخلقت بالأخلاق الحميدة”، وفي هذه الآية قال ابن عباس رضي الله: المطمئنة إلى ما قال الله، والمصدِّقة بما قال، بينما قال قتادة: المطمئنة إلى ما قال الله، والمصدِّقة بما قال.

ويكفيها شرفًا تلك النفس المطمئة أن بشارتها جاءت من خالقها، فأمنت الخوف والحزن يوم الحساب ويوم الهول وفازت فوزًا عظيما.

النفس الزاكية والزكية

نجدها في قول موسى عليه السلام حيث قال تعالى ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ) (الكهف: 74).

قال الكسائي: “الزَّاكِيَةُ وَالزَّكِيَّةُ” لغتان ومعناهما الطاهرة، وقال أبو عمرو: الزَّاكِيَةُ التي لم تذنب، وَالزَّكِيَّةُ التي أذْنبت ثم تابت.

ومن تدبر القرآن وتأمل معانيه مع النفس سيخرج بصفات أخرى لها، وفيما عرضنا كفاية لاستيعاب حقيقة النفس كما عرضها القرآن العظيم.

اعرف نفسك

اعرف نفسك قبل الانطلاق، فلا يمكنك أن تصنع همة وتحقق إنجازًا وترتقي في سلم النجباء بدون معرفتك لنفسك وتوظيفك لإمكانياتك وخصائصك وملكاتك أحسن توظيف.

فمعرفتك بنفسك تسمح لك بالاستفادة من سقطاتك وعثراتك وكذلك نجاحاتك وامتيازاتك.

وللأسف فبالرغم من حجم العلوم والمعارف التي أولاها الإنسان اهتمامه في دراسة العالم وظواهره وفنون العمل والإنتاجية وما يدور في فلك مصلحة الإنسان وتفاعله مع مكونات الحياة لم يزل الجهل بذات الإنسان مستشريًا، والتخبط في علاج ضعفها منتشرًا.

كما لا يكفي الحديث عن النفس في كتب الباحثين والدارسين، إنما يجب أن ينعكس هذا الفهم وهذه المعرفة بالنفس في الحياة العملية لتتم ترجمة العلم إلى عمل.

وتزداد الحاجة إلحاحًا اليوم مع المسلم ليعرف نفسه فينجو بها من تيارات الانجراف ومن الانقياد كالأنعام خلف كل دعوة أو ظالم وكل إعلام موجه لهدم أحلام أمته.

ولا يمكننا تحقيق مشروعنا في صناعة الهمة دون هذه المعرفة التي نستوعب معها كيف تتجاوب النفس وكيف تتألق أو تسقط، دون أن نحيط علما بنقاط ضعف هذه النفس ونقاط قوتها، وسبل علاجها وشفائها، وهذه المعرفة هي التي تؤدي إلى صناعة مجتمعات سوية قادرة على النهوض من وحل الهزيمة والخنوع.

ثم إن معرفة النفس تفتح الباب أمام تحقيق سلامتها، وحفظها من الاضطرابات النفسية والأمراض العصبية التي للأسف أصبحت ظاهرة منتشرة عند الناس.

فمع انحدار معايير التربية وظروف المعيشة والإنسان، خرجت لنا نفسيات منهزمة متوعكة، ضعيفة غير قادرة على تحمل الصدمات والأزمات وكم من النفوس لجأت للأدوية النفسية بدون جدوى.

ولاشك أن لهذه المشكلة حل، وأن النفس وإن ضعفت أو تراجعت فهي قابلة للتقويم والارتقاء.

قال الشاعر:

والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتَها
وإِذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ

وفي الواقع نحن نعيش في زمان طغى فيه الإنسان قال تعالى (كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى *أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (العلق: 6-7). فلابد من ضبط الموازين والعودة لجادة الطريق، والخروج بجيل مستنير بالجيل الأول المتفرد الذي فتح أصقاع الأرض متجاوزا كل الصعاب، حاملا راية الإسلام العظيم بحسن خلقه وأدائه وتألق هممه، ذلك أن انطلاقتهم بدأت بنفوس سليمة فكانت نهاياتها سليمة وهو ما يجب أن نعمل عليه بجد واجتهاد، قال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (التِّين: 4) فلنرتقي بأنفسنا إلى أعلى مراتب النفس البشرية وأروعها.

يا خادمَ الجسم كَمْ تَسعى لخدمتِهِ
أتطلبُ الربحَ مما فيه خسرانُ

أَقبلْ على النفسِ فاستكمِلْ فضائِلها
فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ

وقفةٌ مع النفس

إن الله سبحانه وتعالى قد أودع في هذه النفس حين خلقها، نوازعها نحو الخير ونحو الشر، وظلَّلَها بظل رحمته، لتواجه معترك الحياة بحفظه، فتستمر في خط المجاهدة حتى تَرْجِعَ إلى ربِّها راضيةً مرضيّةً، لتنال الجزاء الأوفى، وخلال هذه المسيرة يعتري النفس مخاطر الزيغ عن الحق واتباع الباطل ودعوات الضلال والفساد، فمن ثبت واستقام أو تاب واستدرك تمكن من الوصول إلى مرتبة النفس المطمئنة التي تتجاوز جميع العقبات براحة وسكينة تستمد أنوارها من السماء.

ولأن آفات النفس البشرية وعيوبها كثيرة ومتعددة، وحظوظ النفس يتعذر حصرها وعدها، فليس من الحكمة الانشغال بعدّ هذه العلل، إنما الحكمة في تسخير جميع الطاقات والأوقات في العمل، يقول ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: “سألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن هذه المسألة [تهذيب النفس] وقطع الآفات؟ قال لي جملة كلام: النفس مثل الباطوس – وهو جبّ القذر – كلما نبش ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه، وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئًا ظهر غيره.

فقلتُ: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها، والاشتغال بقتلها انقطع، ولم يمكنه السفر قط، ولتكن همتك المسير، والإعراض عنها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك. فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًّا”.

فبدل الانشغال في عد آفات النفس والانحدار إلى قاع اليأس فإن الأولى من ذلك الانشغال بالاستدراك والانطلاق من جديد بغض النظر كم عمرك وما هو ظرفك وأي مستوى وصلت له ذنوبك وكبواتك، يكفي أن تعلنها توبة ونبدأ الرحلة، رحلة صناعة الهمة.

وهكذا تسير بنا الحياة وفق سنن الله، ما دام العبد منشغلا بتغيير نفسه للأفضل، غيّر الله حاله وحال من انتهج نهجه إلى الأحسن، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد:11).

وفي الختام فإن النفوس تتباين وتختلف، ولكن تباينها واختلافها ليس في الفطرة والتكوين بل في الاختيار والقدرة على التغيير، ومن هذا المنطلق وجب علينا التركيز على إحداث التغيير الأسمى لهذه النفوس ولا يمكن ذلك قبل تحقيق سلامتها وصحتها.

وهذا ما سنتناوله في الحلقة الخامسة من سلسلتنا في صناعة الهمة بعنوان “أسرار الصحة النفسية”.

وإلى ذلك الحين ردد قول البارودي:

فانهض إلى صهوات المجد معتليا
فالباز لم يأو إلا عالي القُلل.

ودع من الأمر أدناه لأبعده
في لجة البحر ما يغني عن الوشل.



من سلسلة “صناعة الهمة” للدكتورة ليلى حمدان.
لقراءة السلسلة.

3-الإيمان: أولى الأسرار في صناعة الهمة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق