‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدكتور أحمد بن نعمان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدكتور أحمد بن نعمان. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 25 أبريل 2025

الجزائريون شمال أفريقيون جغرافيا بالولادة عرب مسلمون ثقافيا بالإرادة

 الجزائريون شمال أفريقيون جغرافيا بالولادة عرب مسلمون ثقافيا بالإرادة

أحمد بن نعمان

في خضم النقاشات المتصاعدة حول الهوية الوطنية في الجزائر وموقعها الطبيعي ضمن العالم العربي والإسلامي، يطرح الدكتور أحمد بن نعمان قراءة جريئة ومعمقة لجذور هذا الانتماء، مستعرضا كيف شكّل الإسلام والعروبة نواة الوعي الجمعي للمجتمع الجزائري منذ ما قبل الاستعمار الفرنسي وحتى ما بعد الاستقلال، رافضا محاولات الفصل بين البعد الديني والثقافي للأمة. ففي هذا المقال، يعيد التأكيد أن "الجزائري" هو بالضرورة "عربي مسلم"، ليس فقط من منظور تاريخي، بل من صميم المنطق الوطني النوفمبري الذي استندت إليه ثورة التحرير.


الدكتور أحمد بن نعمان هو مفكر وكاتب جزائري وحقوقي معروف، وُلد في الجزائر وكرّس حياته للبحث في قضايا الهوية، اللغة، والسيادة الثقافية. عرف بمواقفه الثابتة في الدفاع عن العروبة والإسلام كركيزتين للهوية الوطنية الجزائرية، وقد شغل مناصب عديدة في السلك الأكاديمي والدبلوماسي. يكتب هذه المادة خصيصا لموقع "عربي21" لإثارة النقاش حول ما يعده جوهر الصراع الثقافي والسياسي في الجزائر: استكمال الاستقلال الحقيقي عبر استعادة السيادة اللغوية والثقافية، وليس فقط السياسية.

استعمار استيطاني

لا يستطيع أحد أن ينكر بأن الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830 ثم كل بلدان الشمال الأفريقي بعد ذلك تباعا، كان استعمارا استيطانيا بأتم معنى الكلمة وبدرجات متفاوتة بعد ذلك في درجة الإدماج  والحماية والوصاية، منذ حلوله بأساطيله الصليبية الغازية سنة 1830، إلى خروجه سنة 1962 بعد مقاومة عارمة في القطر الجزائري ثم في الريف المغربي، في حروب متواصلة دون انقطاع بقدر المستطاع من البداية حتى النهاية.

ويمكن الرجوع في هذا الخصوص إلى الوثائق والحقائق الواردة في كتاب الباحثة الفرنسية إيفون توران (Yvonne Turin) عن المجابهات الثقافية في الجزائر الفرنسية، ولعل أقوى الحجج على ذلك نستمدها من كلمة "الجزائر الفرنسية" ذاتها، التي فرضتها فرنسا على الجغرافيا رغم التاريخ، وهذا هو بيت القصيد الذي نريد أن نقف عنده بتوجيه السؤال المشروع التالي: هل الجزائر الفرنسية  تتناقض منطقيا وظاهريا مع الجزائر المسلمة، ضمن الأمة الفرنسية اللائكية؟

الإسلام الجزائري، أو الجزائر المسلمة كانت تعني الجزائر العربية في مفهوم كل الجزائريين، أي تعني الانتماء والانتساب والهوية الوطنية والقومية "المحمدية".

الجواب يكون بالنفي إذا نظرنا إلى السؤال بكيفية مباشرة وسطحية، ولكن في حقيقة الأمر نجد أن كلمة الجزائر المسلمة في المفهوم الفرنسي، والجزائر المسلمة في المفهوم الوطني الجزائري تختلفان اختلافا جوهريا، كالخير والشر والغنى والفقر والإيمان والكفر.

فالإسلام الجزائري في المفهوم الرسمي الفرنسي لم يكن يعني غير الطقوس التي يسمح لعباد الله أن يتوجهوا بها لخالقهم على غرار اليهود والنصارى بكل مذاهبهم (الأرثودوكس، الكاثوليك، البروتيستانت وغيرهم)، ولا فرق في ذلك بين اليهودي الفرنسي والمسيحي الفرنسي والمسلم الفرنسي، ومنهم الفنان الكبير نصر الدين ديني  (Etienne Dinet)، الذي توفي على إسلامه "الفرنسي"  في بوسعادة  بالجزائر، دون أن يجبره أي حاكم فرنسي على الارتداد عن دينه، ومثله أخوه في الدين الفيلسوف رجاء جارودي (Roger Garody)، وكذلك المستشرق والضابط السامي السابق في الجيش الفرنسي فانسون منصور مونتاي (Vincent Mansour Monteil).

هذا هو إذن المفهوم الرسمي للإسلام الفرنسي الذي لم يمنعوه "مباشرة" عن الأهالي هنا وهناك في أرض الأم  (La Metropole) كما كانت تسمى!! ولكن في حقيقة الأمر نجد أن مفهوم الإسلام بالنسبة للجزائريين (غير المرتدين وغير المتمسحين)، كان يعني عكس ذلك  تماما!

فالإسلام الجزائري، أو الجزائر المسلمة كانت تعني الجزائر العربية في مفهوم كل الجزائريين، أي تعني الانتماء والانتساب والهوية الوطنية والقومية "المحمدية"، كما سبق لنا شرح ذلك بالتفصيل  بامتدادها الأفقي والعمودي النوميدي ثم الرستمي والأموي والعباسي والمرابطي والموحدي  والعثماني. وذلك على غرار تاريخ فرنسا ذاتها بأصلها الوثني وعدها الغالي (Gaulois) ثم الإغريقي الروماني واليهودي المسيحي، كما عرّفها الجنرال دوجول ذاته في كتابه "الآمل".

والدليل القاطع على أن المفهومين "الإسلام الفرنسي" و"الإسلام الجزائري" كانا مختلفين كاختلاف الليل والنهار، هو أن فرنسا المحتلة لم تكن تعترض طوال وجودها المباشر في الجزائر على تسمية المنظمات والهيئات المختلفة بإضافة صفة "إسلامي" لها، على غرار الاتحاد الرياضي لمسلمي العاصمة والمولودية (نسبة إلى مولد نبي الإسلام)، وكذلك الكشافة الإسلامية، وجمعية العلماء المسلمين، واتحاد الطلبة المسلمين.. ولكن لم يسجل التاريخ فيما نعلم، أن قبلت فرنسا ولو مرة واحدة بإلحاق صفة "عربي" إلى أي اسم جزائري واحد من هذه الهيئات وغيرها؛ وذلك لأنها كانت تدرك أن الإسلام، بالنسبة لها، لا يعني بالضرورة الهوية القومية (الباديسية النوفمبرية) المتعارضة وجوديا مع الاحتلال الفرنسي، طوال وجوده ماضيا وحاضرا في الجزائر وكل البلاد المغاربية، والدليل الأقوى والأوضح على هذا الفهم الفرنسي للإسلام، هو فرض إدارتها صفة "مسلم" المكتوبة بلغتها أمام عبارة فرنسي في بطاقة التعريف "الوطنية" الفرنسية لجميع الجزائريين البالغين سن الرشد، وهذا حتى سنة 1962.

وفي السياق ذاته، نلاحظ أن تفادي البعض من جيل الاستقلال الذين يمتنعون عن ذكر "المغرب العربي" ويسمونه "المغرب الكبير"، مثلما تسميه فرنسا ذاتها في صحافتها هنا وهناك، وكذلك بعض السياسيين "الاستحلاليين".

ونلاحظ هنا في هذه المادة من البيان، التي تعلن صراحة عن الانتماء الطبيعي "العربي الإسلامي" للهوية الوطنية في أصلها الثقافي المحض (اللساني والديني) وليس السلالي أو العرقي كما يغالط بعض أعداء الثورة والوحدة الوطنية، حيث يقول البيان  في تحديده لأهداف الثورة  "تحقيق وحدة شمال أفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي". ولم يذكر البيان أي بُعد آخر مثل الأفريقي أو المتوسطي أو البربري، كما يروج بعضهم الآن لحاجة في نفس يعقوب الفرنسي، أو حتى النوميدي، فضلا عن الروماني أو اللاتيني أو الفرانكوفوني.

ولكن في الحقيقة، ما كان يعني "دينا" فقط أو طائفة، للفرنسيين، كان يعني وطنا وتاريخا وهوية وثقافة ولسانا وانتماء بالنسبة لحزب الشعب الجزائري العربي المسلم، مفجر الثورة وقائدها إلى النصر المبين.

حزب الشعب الجزائري (PPA) الذي كان يحمل كل مناضليه بطاقة الانخراط، مكتوب فيها بالعربية الفصحى (الجزائر وطني، الإسلام ديني، العربية لغتي)، وليس حزب الشعب القبائلي (PPK) أو الحركة الوطنية الجزائرية (MNA) اللذين حكمت  قيادة الثورة على عناصرهم بالإعدام في مؤتمر الصومام 1956، ونفذ في بعضهم الحكم على أيدي قادة الولاية الثالثة التاريخية وهم العقداء: بلقاسم كريم، عمر أوعمران، السعيد محمدي ورمضان عبان.

ويوجد تفاصيل هذا الموضوع في شهادة المناضل (الحقوقي) الجرائري علي يحيى عبد النور في مقال له منشور في جريدة L'Expression بعنوان "آخر لقاء مع عبان" يوم 12 أيلول/ سبتمبر 2012، ويمكن كذلك مراجعة كتاب جذور أول نوفمبر للرئيس بن يوسف بن خدة الصادر عن منشورات دحلب سنة 1989، (من صفحة 169 إلى صفحة 181) من النسخة الفرنسية التي تتضمن شهادة مهمة جدا لبلقاسم راجف، أحد مؤسسي نجم شمال أفريقيا وأحد إطارات حزب الشعب، وكذلك شهادة المجاهد علي حساني في حوار له مع جريدة الجزائر يوم 4 نيسان/ أبريل 2012 مع الصحفي مصطفى بسطامي، الذي تحدث فيه الشاهد عن نشاط هذه الحركة (البربرنسية) في فرنسا ومطاردة القائد الشهيد مراد ديدوش لعناصرها في باريس، حيث يقول علي حساني في شهادته: "ومرة جاء ديدوش غاضبا مع مجموعة لكي يهاجم أحد اعضاء جمعية (تيويزي)، وبدأ يهدد وأنا دخلت بالصدفة، ولما رآني هدأ قليلا ثم ذهب مع رفاقه، وبعد أيام عاد مع مجموعة أخرى وكسروا وضربوا أحد أعضاء الجمعية المناوئة للثورة في بدايتها".

ثم يتحدث في الحوار نفسه عن موقف الدكتور لمين دباغين منهم كذلك سنة 1955 عند اجتماعه بعناصر هذه الحركة في باريس، الذين كان من بينهم (إلى جانب الشاهد علي حساني) شقيق الحقوقي علي يحيى عبد النور، المدعو (رشيد عبد النور) الذي لم يدخل إلى الجزائر في علمنا منذ سنة 1949 حتى سنة 2010. وقد رفض الدكتور لمين دباغين كما يروي الشاهد ذاته رفض إكمال اجتماعه معهم عندما قاطعه أحدهم، طالبا منه تغيير كلمة "عربي إسلامي" في البيان الخالد، واستبدالها بكلمة "البربري الإسلامي"، فوقف الدكتور لمين دباغين غاضبا وقاطع الاجتماع وغادر القاعة على الفور.

وهذه الشهادات تفسر وتبرر صدور وثيقة الصومام بعد ذلك بسنة، التي سلمها لي الرئيس بن يوسف بن خدة شخصيا بعشر سنوات قبل وفاته رحمه الله، وهي منشورة في ملاحق كتاب (فرنسا والأطروحة البربرية دار الأمة الجزائر 2016)، وجزء مهم من هذا الموضوع مؤكد كذلك في مذكرات المجاهد عمر بوداود (وهو من  قادة الثورة).

وإن سوء الفهم الفرنسي والجزائري هذا (حول الإسلام الجزائري والإسلام الفرنسي)، ظل قائما بين الطرفين، وظل يوجه الكفاح الوطني الجهادي ضد المٌحتل منذ البداية المعروفة سنة 1830 إلى النهاية التي ما تزال لم تتحقق بعد. وإن الشيء الذي تغير في الجزائر إذن، في بطاقة التعريف الوطنية، بعد خروج بعض عساكر فرنسا من الثكنات سنة 1962، هو كلمة "مسلم" وكلمة "فرنسي"، فزالت الكلمتان معا، وحلت محلهما صفة واحدة أمام خانة الجنسية، وهي عبارة "جزائرية"، فما معنى "جزائرية" فقط!؟

هل كافح الشعب الجزائري طوال مئة واثنتين وثلاثين سنة، تحت لواء الإسلام والعربية، اللتين لولاهما لكانت الجزائر غرناطة أخرى فرنسية بامتياز!؟ فهل كافح أسلافنا ودفعوا كل هذه التضحيات الجسام بالملايين، كي يمحوا الكلمتين "فرنسي مسلم" ويستبدلونهما بعبارة "جزائرية" فقط الآن؟

هل كافح الشعب الجزائري طوال مئة واثنتين وثلاثين سنة، تحت لواء الإسلام والعربية، اللتين لولاهما لكانت الجزائر غرناطة أخرى فرنسية بامتياز!؟ فهل كافح أسلافنا ودفعوا كل هذه التضحيات الجسام بالملايين، كي يمحوا الكلمتين "فرنسي مسلم" ويستبدلونهما بعبارة "جزائرية" فقط الآن؟

فإذا عرفنا أن جوهر الهوية والجنسية في أي دولة هي اللغة التي تمثل السيادة كذلك، بامتياز كما يقول ساسة فرنسا أنفسهم ويطبقونها في دولتهم على شعبهم ( La langue c'est la nationalité, la langue c'est la personnalité et la souvraineté) فماذا تعني كلمة "جزائري" دون لغة السيادة الوطنية التي تحدد الجنسية والهوية للجزائر المستقلة؟

فكلمة الجزائر (Algérie) كانت موجودة في الأوراق الرسمية الفرنسية، والآن بعد "الاستقلال" ما هي الصفة التي تضاف أو توضع محل كلمة (الفرنسية) التي كانت تلازمها طوال فترة الاحتلال في بطاقة التعريف للرعية الجزائرية كما قلنا وعشنا؟

فعبارة الجزائر الجزائرية (Algèrie algerienne) التي نطق بها أول مرة الجنرال دوجول، نتيجة ضربات الأحرار الموجعة، في خطابه بمستاغانم بعد مؤتمر الصومام بسنتين، هذه العبارة لا قيمة لها إطلاقا دون تحديد اللغة الوطنية المستعملة رسميا وسياديا في الجزائر المستقلة.

فإذا كانت هذه اللغة هي الفرنسية، فالجزائر تبقى فرنسية كما قال الجنرال دوجول في كتابه المذكور، وإذا كانت هذه اللغة إسبانية، فالجزائر إسبانية. فاللغة إذن هي الجنسية كما يجمع على ذلك كل أهل العلم والسياسة، ومن ثم فإذا كانت هذه اللغة هي العربية، فالجزائر عربية والعكس صحيح.

ومن ثمة، فكلمة "الجزائر الجزائرية" مع بقاء اللغة الفرنسية سيدة في غياب تطبيق قوانين الدستور التي منها قانون اللغة العربية المغدور والمقبور، هو يعني بكل القراءات أن الجزائر ما تزال فرنسية من الوجهة اللغوية كما قال الجنرال دوغول، رغم كل التضحيات التي لم يدفعها شعب معاصر على الإطلاق.

ولكن يبدو أن سوء الفهم الذي ساد البلاد والعباد طوال فترة الاحتلال السابق والاستحلال اللاحق، بالنسبة لمفهوم "المسلم" التي كانت تعني عند كل طرف معنى يختلف جوهريا عن المعنى الذي يتعمد الإصرار على فهمه الطرف الآخر، بكيفية مغلوطة ومعكوسة تماما، فكذلك وقع لكلمة "الجزائري" أو "الجزائر" المنزوعة منها كلمة (مسلم) بعد الاستقلال الورقي، وعدم إلحاق صفة عربي بها بعد هذا التحول السياسي والسيادي، فهذا التصرف "اللفظي" الذي لا يبدو ذا قيمة للبسطاء من السياسيين الأميين وغير الأميين مادام "الاستقلال" قد تحقق في الظاهر، وهو في الحقيقة تغيير لفظي، يمثل ألغاما خطيرة غير مرئية لفاقدي البصر والبصيرة، في طريق تحقيق الاستقلال النوفمبري التام أو الأكبر، كما يجب أن يسمى حقا وصدقا.

حتى لو تعود فرنسا ذاتها إلى ترسيم أولوياتها وتعود إلى الوثنية بدل الصليب والفرنسية، الناتجة عن اعتناقها المسيحية كما يقول الجنرال دوغول في كتابه المذكور "الأمل"، حتى لو تعود هي إلى وضعها قبل الرومان، فإن الجزائر الحرة الديمقراطية لن تحيد أبدا عن الإسلام والعربية؛ لأن الشعب الجزائري دفع أغلى ثمن عرفته ثورة شعبية من أجل استرجاع الحرية والهوية الواحدة، ومن ثم الجنسية الورقية الموحدة التي تظل تابعة للهوية الوطنية الواحدة، التي لا تقبل التعدد مثل الأم الوالدة.



فكل الجزائريين النوفمبريين، أي الوطنيين، يعدون إلغاء صفة "مسلم" من الهوية الوطنية، هو تحصيل حاصل بعد الاستقلال، كما كانوا يتصورونه، وهو أمر طبيعي وبديهي في نظرهم؛ لأننا رجعنا إلى أصلنا الذي كنا عليه قبل الغزو الصليبي سنة 1830، وأن كلمة "جزائري" وحدها كافية كي تعني أو تغني عن كلمة "المسلم" وعن كلمة "العربي" في الوقت نفسه، بدليل أننا في فرنسا مثلا نجد اليوم على واجهة كل جزار مسلم لافتة "حلال" مكتوبة بالعربية، وكذلك بالنسبة للمطاعم وأجنحة المتاجر الكبرى في بلجيكا وسويسرا وإسبانيا وبريطانيا، وكل مكان أوروبي أو عالمي فيه مسلمون، من أهل البلد أو مهاجرون، ولكن في الوقت ذاته، لا نجد أي جزار أو مطعم أو متجر في بلاد المغرب العربي، (والجزائر المسلمة في قلبها) يكتب على محله بالعربية عبارة "حلال"، وهذا لا لشيء، إلا لأننا بعد جهادنا المرير والطويل أصبحنا جزائريين بأتم معنى الكلمة، أي غير فرنسيين، ومن ثم فنحن عرب مسلمون بالبداهة كما قلنا، وكما أكد ذلك زعيم الجبهة الوطنية في فرنسا، (جون مارين لبان) المتوفى منذ أسابيع قليلة، حيث قال عنا في جريدة Le Monde يوم  3 كانون الأول/ ديسمبر 1989: "إنه سيأتي يوم وهو قريب، يتعين فيه على المسلمين أن يختاروا أحد الأمرين، إما الجنسية الفرنسية أو الإسلام".

وأضاف قائلا: "إذا اختار هؤلاء الإسلام، فعليهم أن يعودوا إلى الجزائر"، واللافت للانتباه هنا، أن هذا الضابط السابق في لفيف المظبيين للجنرال مارسال بيجار، وكما علقت عليه حينئذ بقولي؛ "إن حقده على مجاهدي الجزائر الأحرار وشهدائها الأبرار، جعله يعد كل مسلمي العالم المقيمين في فرنسا جزائريين، وهو ما يدل على مدى الأثر البالغ الذي تركه جهاد الجزائر في نفسه المريضة".

هذا هو المنطلق والمنطق الوطني الذي يقره ويؤمن به كل مخلص للجزائر المسلمة العربية، كما أقرها البيان الخالد وأكدها قادته في قرارات الصومام، التي أكدت تطبيق الحدود الإسلامية في تنظيم الثورة الجهادية، السارية المفعول بصرامة حتى سنة 1962 وكل جنود جيش التحرير الوطني يشهدون على ذلك، وباقي التفصيل موجود في كتاب (شهود وشهداء) لمصطفى بسطامي ـ دار النعمان ـ الجزائر 2013.

وإذا سألنا هؤلاء المجاهدين بالفعل (من أجل تحرير الجزائر) عن عدم إضافة كلمة "عربي" أمام كلمة "جزائري" في خانة الجنسية، في بطاقة التعريف الوطنية الحالية، فيجيبوننا بالمنطق الشعبي الطبيعي نفسه، وهو أننا لسنا مسيحيين، فنحن أصلا مسلمون بالضرورة، كما كنا قبل الاحتلال الصليبي الفرنسي، وما دمنا كذلك، فإننا قد عدنا إلى وضعنا الطبيعي الإسلامي، فنحن إذن عرب بالضرورة، مثل كلمة "فرنسي" التي تعني مسيحي لاتيني أوروبي في الوقت نفسه، وهو المنطق نفسه الذي جعلنا نحذف كلمة "مسلم" من بطاقة التعريف الوطنية، والسبب نفسه الذي يبرر عدم إضافة كلمة "عربي" لاسم الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية؛ لأن كلمة جزائري تعني "عربي" وتعني "مسلم" في الوقت نفسه، وذلك حسب المفهوم النوفمبري المفصل آنفا.

ولعل هذا ما يفسر امتناع أحد المعارضين (الانفصاليين) المقيمين في فرنسا عن الاعتراف بأنه جزائزي، بل يقول؛ إنه (قبائلي)؛ لأن كلمة جزائري  وحدها تكفي كي تعني أنه (عربي مسلم) مثلما يقول زعيم الحزب العنصري الفرنسي (جون ماري لوبان) الآنف الذكر، ولا يوجد تفسير آخر لذلك منذ وضع  أول دستور وطني جزائري سنة 1963.

ونختم بقولنا؛ إنه حتى لو تعود فرنسا ذاتها إلى ترسيم أولوياتها وتعود إلى الوثنية بدل الصليب والفرنسية، الناتجة عن اعتناقها المسيحية كما يقول الجنرال دوغول في كتابه المذكور "الأمل"، حتى لو تعود هي إلى وضعها قبل الرومان، فإن الجزائر الحرة الديمقراطية لن تحيد أبدا عن الإسلام والعربية؛ لأن الشعب الجزائري دفع أغلى ثمن عرفته ثورة شعبية من أجل استرجاع الحرية والهوية الواحدة، ومن ثم الجنسية الورقية الموحدة التي تظل تابعة للهوية الوطنية الواحدة، التي لا تقبل التعدد مثل الأم الوالدة، والهوية تبقى متبوعة بالجنسية وليست تابعة لها أبدا، فإن ضاعت الجنسية تسترجعها الهوية، كما حصل في الجزائر، ولكن إن ضاعت الهوية الموحدة باللغة الموحدة (مثل فرنسا في فرنسا) فتضيع معها الجنسية إلى الأبد، وهذا هو محور الصراع القائم في الجزائر منذ بداية الاحتلال والاستحلال حتى الآن، ولن ينتهي إلى أن يطبق الدستور الوطني في مادة السيادة اللغوية في الجزائر، مثلما يطبق الدستور الفرنسي في فرنسا بكل صرامة على جميع حاملي الجنسية الفرنسية دون استثناء، بمن فيهم الجزائريون المتجنسون، وهم بالملايين، ولا نراهم يحتجون أو يشتكون.

لماذا الإسلام في علو وانتشار والمسلمون في دنو وانكسار؟

لماذا الإسلام في علو وانتشار والمسلمون في دنو وانكسار؟
الدكتور أحمد بن نعمان


 في هذا المقال الحصري لـ"عربي21"، يتناول الدكتور أحمد بن نعمان، الباحث في شؤون الفكر العربي والإسلامي، واحدة من أكثر المفارقات إيلاما وإثارة للتأمل: لماذا يواصل الإسلام صعوده وانتشاره عالميّا، في حين يرزح المسلمون تحت أعباء الانكسار والضعف والانقسام؟ سؤال محوري يفتح بابا عريضا للتفكر في فجوة الواقع بين قوة الرسالة وضَعف حَمَلتها، بين نور العقيدة وظلام الممارسة، بين ما يُتلى في المصاحف وما يُرتكب في الميادين.


ويعالج الكاتب هذا الإشكال بتشخيص دقيق ومؤلم لحال الأمة، متتبعا أسباب التراجع الذاتي للمسلمين على مختلف الأصعدة، مقابل صعود لافت للإسلام في قلوب وعقول الشعوب الأخرى، حتى داخل "معاقل الخصوم". ومن خلال تحليل معمّق ومواقف واقعية، يكشف الدكتور نعمان كيف يتحقق وعد الله بإتمام نوره، رغم كيد الأعداء وتقصير الأبناء، مشيرا إلى دور النخبة المهاجرة، والدعاة الصادقين، والمهتدين الجدد، في إحياء الإسلام عالميّا، في وقت تخلى فيه كثير من المسلمين عن حمله محليّا.


انتشار سريع للإسلام

لا ينكر عاقل من أبناء الأمة ومن الأعداء على حدّ سواء، أن المسلمين في الوقت الحاضر متفرقون في المذاهب، ومختلفون في المشارب، ومتناقضون في المواقف، ومتباينون في السياسات والانتماءات إلى تكتلات جهوية ودولية متصارعة على المصالح المتعارضة مع قيم الأمة الإسلامية وقواعد دينها، التي تقضي بتطابق أقوال المسلم مع أفعاله التي جعلتها على عرش أطول وأرقى الحضارات البشرية لقرابة قشرة قرون.

وفي الوقت ذاته، لا يجادل عاقل أو ينازع إلا جاهل حاقد أو مكابر معاند بأن الإسلام في انتشار سريع في معظم بلاد العالم ورقعته، في اتساع ظاهر لكل ناظر نتيجة عوامل وأحداث كثيرة وقعت في العقود الأخيرة، من حروب وانتكاسات وخيانات ومؤامرات وانقلابات (بيضاء وحمراء وسوداء) في قلب البلاد الإسلامية، وخاصة العربية منها التي انجر عنها تشتت خيرة أبنائها كالعملة الجيدة، المتمثلة هنا في النخبة أو الصفوة الممثلة للإسلام في دولها ذات الأنظمة الاستبدادية الطاردة لها من مواطنها الأصلية مشرقا ومغربا، كالعملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة من السوق، مما أجبرها على الهجرة في أرض الله الواسعة، نافذة بجلدها، ساعية لرزقها، محافظة على دينها، باحثة عن الأمن والاستقرار ولو في بلاد الكفار، الذين ثبت أنهم أفضل من بعض الأشقاء الظلمة المستبدين بالصالحين المصلحين من أهل الديار.

وهو ما يثبت مصداقية كلام الله في محكم تنزيله وإنفاذ أمره في إتمام نوره ولو كره الكافرون، وهي من الآيات المبهرة لهذا الدين الذي ينتشر ويقوى في العالم، رغم وضع المسلمين الضعيف والمقلوب رأسا على عقب في جميع المجالات، ورغم نعمة الله على المسلمين بكل الإمكانات المادية والبشرية في أهم ومعظم قارات الكرة الأرضية.

من تلك المفارقات العجيبة والغريبة الصارخة (بين حقيقة الإسلام في القرآن وواقع المسلمين في الميدان)، أنه على الرغم من كل هذه العوامل المتكاملة لتشويه صورة الإسلام لدى المسلمين أنفسهم وبأفعال بعضهم، فضلا عن أعدائهم، نلاحظ أن الإسلام ينتشر وينتصر في اكتساب عقول وقلوب الملايين، في بلاد الخصوم (الحضاريين والدينيين) أنفسهم، الذين أتى منهم كل البلاء الذي يعم بلاد المسلمين في معظم أنحاء العالم.
ومع ذلك، فترتيب معظم تلك الدول يأتي في آخر وأدنى الأرقام القياسية في التقدم والتنمية، بعد أن كانت قبل بضعة قرون في مقدمة الدول التي تفرض نفسها بالحق على أعدائها أيام حكم أمثال "المعتصم بالله"، الذي أصبح نظيره اليوم في الأمة ذاتها يستحق اسم (الخائن لدين الله، الخادم لأعدائه، الظالم لعباده في دنياه)!! وهو ما أحدث في عصرنا هذه الظاهرة غير العادية في الفصل الصارخ بين الإسلام في الأذهان وواقع المسلمين في الميدان، نتيجة فساد معظم أولئك الحكام في تلك الدول المنضوية اسميًا تحت عنوان الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وهي تتعاون فعليًا مع أعداء شعوبها ضد مصالح أوطانها، مما جعلها من ناحية القيمة الفعلية بين الأمم عبارة عن أصفار على اليسار.

ورغم أن أسباب تلك الأوضاع المؤسفة غالبا ما تخرج عن إرادة الشعوب المغلوبة على أمرها، إلا أنها مع ذلك، لا تدور إلا بهم وعلى حسابهم وبأيدي بعضهم، (قاتلين ومقتولين)، وكل واحد منهم يعتقد أنه  من  الفرقة  الناجية، وهو ما ينم عن وجود خلل في الفهم وخطأ في الاجتهاد، أو خدعة وتضليل من أولئك الحكام الفاسدين والمفسدين.

وإن واقع المسلمين في أرض الإسراء والمعراج وأولى القبلتين، ليغني عن أي بيان أو برهان لكل ذي عقل وبصر وإحساس، كإنسان محسوب على خير أمة أخرجت للناس. ومن تلك المفارقات العجيبة والغريبة الصارخة (بين حقيقة الإسلام في القرآن وواقع المسلمين في الميدان)، أنه على الرغم من كل هذه العوامل المتكاملة لتشويه صورة الإسلام لدى المسلمين أنفسهم وبأفعال بعضهم، فضلا عن أعدائهم، نلاحظ أن الإسلام ينتشر وينتصر في اكتساب عقول وقلوب الملايين، في بلاد الخصوم (الحضاريين والدينيين) أنفسهم، الذين أتى منهم كل البلاء الذي يعم بلاد المسلمين في معظم أنحاء العالم.

والدليل على هذا الانتصار للإسلام رغم حالة المسلمين، هو دق ناقوس الخطر من بابا الفاتيكان ودوله في بلاد الشمال ضد "محور الشر" أو بلاد الهلال، كما تسمى في إعلام وحيد القرن، المتجبر والمتكبر على ما سواه من الأمم المستضعفة، وفي مقدمتها أمة الإسلام المليارية عدديا، والصفرية عمليا، كما هو حاصل في الواقع. ومع ذلك، نلاحظ تخوفهم الشديد وتحذيرهم من الإسلام الذي يدعون بأنه سيكتسح كل أوروبا خلال هذا القرن، مما دفع إحدى أكبر هذه الدول (ولأول مرة في تاريخها) إلى إنشاء وزارة خاصة بالهوية للدفاع عن هويتها الوطنية، مخافة تذويبها في هوية الدين الغالب على أهلها، كما يتوقعون ويبررون تحريضهم الشديد عليه وعلى أتباعه عندها على أرضها، وخارجها عندنا وعند غيرها.

وقد أكد هذا التخوف لديهم خروج الملايين من المسلمين في أهم عواصمهم لصلاة العيد الصغير هذا العام، بطريقة غير مسبوقة من حيث العدد والتنظيم والانضباط. ومن وسائل الوقاية للمحافظة على تلك الهوية في نظر حكام هذا البلد الصليبي ورهطه في الاتحاد الأوروبي، هو صد هذا الخطر المحدق بهم في أوطانهم، ولذلك يخططون لضربه من الداخل ببعض الدعاة والأئمة "الضرار" المدسوسين في صفوف المسلمين، لتزوير حقائق الإسلام وتشويه صورته في الأذهان، بكل الوسائل المرصودة لهم بسخاء من مؤتمر (كولورادو) وغيره كما هو معلوم.  

ومع ذلك، فإن مخططاتهم لم تستطع تغيير قلوب المهتدين إلى الحق في مجتمعات حرة متطورة  فقدت ثقتها في الكنيسة وسلوك الرهبان، وأخذت تولي وجهها شطر الإيمان والاطمئنان، هروبا من جحيم المادة والآلة إلى واحة الراحة النفسية في حضرة التوحيد، بعيدا عن خرافة التثليث الكنيسة في الدول الغربية. وهو ما أفزع تلك الدول ودفعها إلى التصريحات المذكورة واتخاذ التدابير وإصدار القرارات المنشورة وغير المنشورة. وإن وضع أحد وزراء الدفاع في أقوى تلك الدول، علامة الصليب على جبينه منذ أيام ووشم كلمة "كافر" (باللغة العربية) على ذراعه، مما يدل في رأينا كما في معتقدهم بالتأكيد، أن هناك علاقة عضوية في الأمة المحمدية بين الإسلام كدين واللغة العربية كحضارة، مثلما نلاحظ  أيضا في كتابة كلمة "حلال" للمسلمين (العرب وغير العرب) في كل العواصم الغربية، مما يوحي إليهم بإمكان انبعاث الحضارة الذهبية للأمة المحمدية من جديد.

وأمام إفلاس الخطاب الديني الكنسي والعلماني في الغرب الصليبي، وعدم قدرة الباطل على محاجّة الحق بالعلم والمنطق السليم، عمد الخصوم إلى طريقة الهجوم الدفاعي باللجوء إلى التضليل والكذب السافر والعنف الخفي والظاهر، والكيد الماكر لدعوة الحق، والدعاة الناجحين، والبحث في مخابرهم ودوائر مؤسساتهم العاملة (تحت عدة عناوين إنسانية واجتماعية وسياسية واقتصادية) على بعض الدعاة والأئمة "الضرار" المصطنعين على أعينهم في مخابرهم ومخابراتهم، لتلميع صورهم في أبواق إعلامهم وتقديمهم كدعاة للإسلام المستنير والتقدمي  (حسب ادعائهم)، لصد خطر الإسلام الظلامي والقدري أو الحجري، كما يصفون ظلما وبهتانا.

وبما أنه لا يمكنهم أن يمرروا ذلك الادعاء مباشرة عن طريق الفاتيكان أو الدول الصليبية الغريمة في القارة الجديدة والقديمة، فإنهم يوكلون أمر التبليغ والتنفيذ إلى أولئك الخبراء العاملين في حقل الدعوة "الضرار" هاته من أبناء جلدتنا، والمتحدثين بلغتنا في كل مكان من بلاد المسلمين، ولا داعي لذكر أسماء تلك الهيئات في الدول والإمارات وأولئك "الدعاة" الموظفين (والمكلفين بمهمة) كموجهين و"مفكرين إسلاميين" في بلادنا، لإفساد عقول أبنائنا بما يقدمونه لهم (من مادة قاتلة للروح قبل الجسد)، في تلك المحطات الإعلامية الممنهجة والمروجة بالملايير لتضليل الملايين من أبناء المسلمين.

ومع ذلك لم ينجحوا، والدليل على فشلهم هو فزعهم من الأرقام المتزايدة لعدد المعتنقين الجدد المهتدين إلى الإسلام من أبنائهم في بلداننا وبلدانهم، بسبب الخطاب الإسلامي الحكيم والناجح الذي أدى إلى إفشال كيدهم بواسطة بعض الدعاة من أبنائهم بلسانهم ومنطقهم، وسلاحهم القانوني الذي ينص على حرية التعبير والاعتقاد والفصل بين السياسة والدين. وأمام هذه الحقيقة التي عجزوا عن مجابهتها، فلجؤوا إلى محاربتها بالتعتيم والتشويش على الدعاة المؤثرين واتهامهم بالإرهاب والتحريض على الكراهية، مما أدى إلى تشويه سمعتهم وإغلاق أجهزة الإعلام في وجوههم، وتهديد الأجانب منهم بسحب الإقامة وتسفيرهم إلى بلدانهم الأصلية، لينالوا جزاءهم في مصالح الأجهزة "الأمنية" التي فروا منها بحثا عن الأمن والأمان والعدل والحرية في تلك البلاد الغربية.

وإن ظاهرة إقبال الناس على الإسلام من كل الأجناس والأقوام بعد التعرف على حقيقته، من خلال سلوك وصدق دعوة بعض الدعاة المخلصين الموهوبين من أبنائنا وأبناء الغرب ذاته المؤثرين في واقعه، لدليل قاطع على جوهر الإسلام وقيمته في ذاته، كما عبر عنه الكثير ممن اعتنقه بعد فهمه الصحيح، ومنهم ذلك الزعيم الأمريكي الأسود (مالكوم إكس) المهتدي إلى دين الحق، الذي صرح بعد عودته من تأدية فريضة الحج سنة 1964 أنه ولأول مرة في حياته يشعر أنه إنسان كامل الحقوق والواجبات، ولا فرق بينه وبين أي إنسان ذي سحنة مغايرة لسحنته، إلا في درجة الإيمان بربه في قلبه والصدق والتقوى والإحسان في عمله، ولقد لمس في الواقع قول الله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وهي التقوى التي قربت ووحدت قلوب كل من بلال الحبشي (الإفريقي)، وصهيب الرومي (الإغريقي) وسلمان الفارسي (الآسيوي) ومالكم إكس  (الأمريكي)، وجعلتهم كلهم من المقربين المؤمنين الصالحين، وأبعدت أبا لهب في الغابرين، دون أن يشفع له جاه عشيرته أو قرابته الدموية من ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم، نبي الإسلام محرر الإنسان من عبادة الأصنام والأوثان. هذا الإسلام المجسد في سلوك المسلمين (في المحتوى الإنساني والمستوى الرباني) الذي لخصه مهتد آخر إلى الإسلام من الفرنسيين المسيحيين أنفسهم أيام احتلال دولته للجزائر في الثلاثينيات من القرن الماضي، وهو الفنان والمفكر (نصر الدين ديني) الذي لخص موضوعنا كله بقوله الحكيم الذي بقي مثلا سائرا بين المسلمين كافة، وسيبقى كذلك إلى يوم الدين حيث قال: "الحمد لله الذي عرفني بالإسلام قبل أن أعرف المسلمين".

إن ظاهرة إقبال الناس على الإسلام من كل الأجناس والأقوام بعد التعرف على حقيقته، من خلال سلوك وصدق دعوة بعض الدعاة المخلصين الموهوبين من أبنائنا وأبناء الغرب ذاته المؤثرين في واقعه، لدليل قاطع على جوهر الإسلام وقيمته في ذاته، كما عبر عنه الكثير ممن اعتنقه بعد فهمه الصحيح.
أي قبل أن يعرف سلوك المسلمين (الإسميّين أو الشكليّين والصوريّين)، وذلك إقرارا منه بأنه لو سبق أن عرف السلوك المشين لبعض المسلمين، بعد أن احتكّ بهم وتعامل معهم، مثلما هو واقع الحال وسبب كتابة هذا المقال، لنفر حتما من هذا الدين الذي شوّهه بعض أهله بسلوكهم المشين في كل مصر وحين، ولحاربه مثل دولته (الرسمية والاسمية) الحاقدة على الإسلام وأهله في الماضي والحاضر، فضلا عن أن يعتنقه رغما عنها، وعن كل أهله في موطنه الأصلي (فرنسا) ومهجره الطوعي (الجزائر)، ويبقى داعيا لدين الحق بصدق وإخلاص حتى وفاته، ليدفن مسلما بين أهل ملته الجديدة في وحدة القبلة والعقيدة.

فهذه المفارقة في الخطاب الإسلامي بين ما في الأذهان وما في الأعيان، وبين نص القرآن وما يجسده بعض المسلمين (الجغرافيين) في الميدان من تقصير وإجحاف وغلو وانحراف، واختلال صارخ في الميزان بين ما في القرآن وما في الأعيان من سلوك الإنسان، فكانت الهداية للمستنيرين الذين يفرّقون بين الإسلام وسلوك المسلمين، وكانت الضلالة لغير المتبصّرين الذين يحكمون على الإسلام من خلال واقع المسلمين المنحرفين!؟! فكان الفتح المبين لعقول وقلوب بعض أبناء الأعداء والغرماء أنفسهم، بدعايتهم أحيانا في أجهزة إعلامنا وإعلامهم مجانا!! على أن هذا المكسب الطيب الذي حققه الخطاب الإسلامي في الغرب بمعدنه الصافي وبمجهود بعض أبنائه الأصلاء على قلتهم، يقتضي من المعنيين بالأمر المزيد من توضيح الصورة في هذا المجال الحيوي الخاص، حسب ما رصدناه بالمعايشة في الميدان لعدد من السنين التي لاحظنا فيها أن الإسلام والخطاب الإسلامي يعيش بين نقيضين، وأسلوبين مختلفين وعدوين متحالفين، أحدهما من خارج الأمة، والآخر من داخلها، ومن بعض أهلها مع الأسف الشديد.

ولكن "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون"، وهذا وعد  الله الذي يبدأ ويعيد وينصر دينه الحق رغم كل أعدائه، وهو المتحكم في ملكه المطلق بالتأكيد كما يشاء ويريد.