‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد بن شاكر الشريف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد بن شاكر الشريف. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 28 سبتمبر 2026

عرض كتاب تجديد الخطاب الديني

 عرض كتاب تجديد الخطاب الديني



تنطلق دعوات تجديد الخطاب الديني؛ تحمل خبثا بحسب مصادرها يجب الحذر منه. وأما التجديد المشروع فمطلوب وله ضوابطه ومجالاته، وهو إحياء للدين وليس تبديلا له.

مقدمة

يختلف المقصود بمصطلح “تجديد الخطاب الديني” بحسب المصادر التي تقول به؛ فمصادر الغرب وأذنابه تعني به التحريف والانسلاخ مما جاء به رسول الله. بينما المقصود به شرعا إحياء ما اندرس وإقصاء البدع ونشر العلم وإقامة الحياة على وفق دين الله تعالى. ومن هنا اخترنا هذا الكتاب القيم لعرضه لتناله هذا الموضوع الحيوي.

اسم الكتاب: تجديد الخطاب الديني .. بين التأصيل والتحريف

المؤلف: الدكتور / الشيخ محمد بن شاكر الشريف

الناشر: مجلة البيان

الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ – ٢٠٠٥ م

عدد الأجزاء: ١

عدد الصفحات: ١٥٣

فكرة الكتاب

تدور فكرة الكتاب حول الإجابة عن مجموعة من التساؤلات:

ما معنى تجديد الخطاب الديني؟ وما مراد المتكلمين به الآن؟ ومتى كانت البدايات الحقيقية له؟ وما هي أهدافهم من وراء ذلك؟ وما هي وسائلهم لتحقيق تلك الأهداف، وما أثر ذلك على المسلمين في دينهم ودنياهم؟ وما هو مستقبل هذه الدعوة؟ وماهو دورنا نحن إزاء ذلك؟

محتويات الكتاب

مقدمة موجزة وفصلين: الأول التجديد من الناحية التأصيلية، الثاني التجديد من الناحية التحريفية.

الفصل الأول: التجديد من الناحية التأصيلية

يستهل الكاتب هذا الفصل بتعريف معنى كلمة “الجديد” لغويا واصطلاحيا، ويشير إلى أنه قد وردت في القرآن الكريم كلمة “الجديد”، في الحديث عن البعث بعد الموت، ويتبين له أن:

“تجديد الدين لا يعني تغييره أو تبديله، وإنما يعني المحافظة عليه”.

ويخلص إلى أن التجديد عملية إصلاحية وليس تخريبية؛ التجديد المشروع هو إعادة الدين إلى النحو الذي كان عليه في زمن النبوة، ويؤكد أن التجديد مطلوب شرعا وواقع قدرا..

أما طلبه الشرعي، ففيما جاء من التكليف بالعمل بما فيه وتبليغه للناس، وثمة آيات كثيرة تحث على التمسك بالدين والعمل به، فضلا عن أحاديث نبوية تشير إلى حاجتنا إلى الفهم والعمل، فالحفظ من غير فهم أو عمل به يضيع العلم، لذا يحتاج المسلمون إلى نشر علوم الدين والعمل بها، لا سيما وأن العلم ينقص بموت العلماء، مما يوقع في الجهل والضلالات ويؤدي إلى التهلكات، وبالتالي تعدد الفرق الدال على التباين الكبير في القدرة على الفهم الصحيح، مما يدل على الحاجة إلى التجديد من تلك الفرقة الناجية.

ضوابط التجديد المشروع

في مبحث آخر يتحدث الشيخ عن ضوابط التجديد المشروع، ومن أهمها:

١- صفات المجدد الحق، إذ من العبث أن يقوم بالتجديد أو من يدّعيه من لا تربطه بالدين إلا علاقة التضاد أو النقد له أو التهجم عليه، ثم يشرع في بيان هذه الصفات المؤهلة للتجديد المشروع.

٢- بيان الكتاب والسنة، والمقصود انطلاق التجديد من هذه القاعدة ومحكوما بها، فهُما حَوَيا بيان كل شيء.

٣- عموم الرسالة، فرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس عامة، شاملة للزمان كله وللمكان كله وهو الأرض جميعا.

٤- عصمة الأمة، من أن تجتمع على خطأ، فاتباع الإجماع يعصم من الوقوع في الخطأ في الفهم والاستدلال؛ وبالتالي فالتجديد مرتبط بموافقة الإجماع كما هو مرتبط بموافقة النصوص الشرعية.

٥- اتفاق الشرع الصريح مع العقل الصحيح.

٦- اتفاق الشرع الصريح مع المصلحة.

٧-  لا اختلاف في الشريعة، ولا تناقض، لأن الدين ليس من وضع البشر.

٨- الشريعة تُفهَم بلغتنا، فالتجديد المشروع هو الذي يتعامل مع الشريعة على أنها وحدة واحدة، فلا يأخذ البعض ويترك البعض الآخر، وينبغي أن يقوم على فهم الشريعة وتفسيرها، بلغة الضاد وأساليبها.

٩- تحقيق المقاصد الشرعية.

١٠- قبول الشريعة كلها.

ثم يتحدث عن أن “التجديد” ليس لفظا غريبا على لغتنا، ولا من مفردات العصر الحالي، بل هو لفظ أصيل في لغة العرب، وجاءت مادته في النصوص الشرعية.

حدود التجديد المشروع

ثم يذكر حدود التجديد المشروع في ثلاث دوائر رئيسية:

نشر العلم بين الناس، إزالة كل ما علَق بالدين مما ليس منه من أخطاء، التمسك بما ورد في الشرع كله والتقيد به.

ثم يعرض الكاتب لفوائد تجديد فهم الدين؛ كونه طريقة لحفظ الدين على صورته النقية بعيدا عن البدع أو الأقوال الباطلة التي نسبت إليه؛ وبذلك فهو دعوة المصلحين وعمل المخلصين ومنهاج المحافظين.

الفصل الثاني: التجديد من الناحية التحريفية

يستهل الكاتب هذا الفصل بالإشارة إلى وجود اتجاهين:

اتجاه ينادي به كما ورد في الفصل الأول وهم قِلة، وغالبيتهم من أهل الاختصاص، لكن صوتهم لا يسمع بسبب صخب الفريق الآخر؛ ذلك الاتجاه الذي ينادي بالتجديد، ويفهمه على أنه تغيير للمحتوى وليس تطويرا للأسلوب، ويرى أن التغيير يجب أن يطال أصول الدين وفروعه، ليتوافق ومتغيرات العصر. وتتجلى خطورة هذه الدعوة في إخضاع الدين للعقل البشري، مما يعرضه للتغيير المستمر، مما يفقد الأمة أهم مصادر عزتها، فتتحول إلى أمة بلا هوية ولا تاريخ، ولا دين، ذليلة تابعة، وهذا ما يتيح الفرصة لجمعيات التنصير التي تنشط في المجتمعات التي تجهل حقيقة الإسلام، فضلا عن قتل روح الجهاد في النفوس، والعبث بحاضر الأمة ومستقبلها، وإيجاد قطيعة مع السلف.

خطورة دعوة التجديد بصيغتها المحرفة

وبالنسبة للكاتب، فإن ما يقوّي خطورة دعوة التجديد بصيغتها المحرفة: مكانة المنادين بذلك، حيث تتاح لهم كل وسائل الإعلام، ثم مساندة الدول الصليبية لهم أدبيا وماديا، كذلك الضعف الشديد للمجتمعات المسلمة.

والمجددون المعاصرون مقلِدون، ويستندون على حالة الجهل والتخلف التي تتخبط فيها المجتمعات الإسلامية، وإن اتفق خطابهم ظاهريا ودعاوى الغيورين على الدين وأحوال الأمة، لكن الاختلاف بينهما يتجلى في الأساس الذين ينطلق منه المجددون المعاصرون، والمشروع التجديدي الذي يطرحونه؛ فهم يطمحون إلى تحويل الإسلام إلى نسخة من النصرانية المحرفة، ومشروعهم لا يحث على العلم للرقي بهذه الأمة، وإنما السعي إلى إلغاء أو تحوير بعض الأحكام الشرعية التي ينتقدها الغرب.

أما ملامح منهج التجديد العصري، فيمكن حصرها في تقدير العقل، العناية الزائدة عن الحد بالمصالح، تقديم الاجتهاد المقاصدي على الاجتهاد الشرعي التفصيلي، تعدد القراءات واختلافها، تاريخية الشريعة، الخروج على مصادر الحجة، اختراع علل الأحكام، التيسير والتخفيف، تقليل شروط الاجتهاد.

وهذا الاتجاه لكونه غير منضبط بقواعد صحيحة ينضوي تحته الكثيرون، ورغم ما يشيعون في خطاباتهم من قيم التسامح والحرية والاعتراف بالآخر، يتهمون الغيورين على الدين بالرجعية والظلامية والتزمت.

مراحل تحريف الدين في تاريخنا الحديث

وفي مبحث تشريحي هام، يقسم الشيخ محمد بن شاكر الشريف مراحل تحريف الدين في تاريخنا الحديث باسم التجديد والإصلاح إلى خمس مراحل:

١- البداية: كانت ظهرت مع بشائر القرن الثالث عشر الهجري، مع الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية، فدعوا إلى التقريب بين الأديان، وتفسير “الجهاد” على أنه دفاع عن الأوطان فقط، وإنكار جهاد الطلب، وتقديم شروح لبعض الأمور الغيبية من منظور العلم التجريبي، وبالتالي إنكار حقيقتها. وأطلق على هذه المرحلة “مدرسة الإصلاح” وشخصيتها الأبرز الشيخ محمد عبده.

٢- التغريب: وتبدأ تقريبا من الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري، والتغريب حركة فكرية قامت على اتخاذ الغرب النصراني قدوة في كل المجالات، ويمثله في الجانب الاجتماعي “قاسم أمين”، حامل لواء تحرير المرأة، وسياسيا الشيخ “علي عبد الرزاق”، وثقافيا الدكتور “طه حسين”.

٣- العصرانية: ظهرت مع منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وتدعو إلى قراءة جديدة للنصوص الشرعية، وإعادة تفسيرها، وفقا لمنجزات العصر العلمية والفكرية، ممّا يُفقدها قدسيتها.

ومن الأساليب المتبَعة في تمرير خطابهم التحريفي: الادعاء بأن العبرة بالقيمة والمضمون لا بالشكل والقالب (فهم يحاربون ستر المرأة جسدها وعفتها، وكذلك العودة إلى النظام السياسي الإسلامي).

ومن أساليبهم المتبعة: دعوتهم إلى الاجتهاد وترك التقليد، استحداث قواعد جديدة للفهم والاستنباط؛ الغرض منها وضع فقه تابع لمتغيرات الواقع المعاصر.

ثم هناك الدعوة إلى التعددية (الهدف منها إهدار الأحكام الشرعية المتعلقة بعلاقة المسلم بالكافر وإلغاء الفروق بينهما، لذا يروج المجددون في كتاباتهم لفظ “الآخر” بدل الكافر، والجانب الآخر للتعددية هو استدعاء النموذج الديموقراطي الغربي، وتصديره لبلاد المسلمين والتبشير به). وأخيرا، ادعاؤهم بأن الأحكام الشرعية تتغير بتغير الزمان.

٤- العولمة: بعد انهيار المعسكر الشرقي، في نهاية ثمانينات القرن العشرين، وانفردت أمريكا بقيادة العالم، وروَّجَت مصطلح “العولمة”، لصهر كل الشعوب في منظومتها الفكرية والثقافية والأخلاقية. وفي ظل صخب صوت العولمة الهادر، سيبدأ النداء بقوة بالدعوة لتجديد (تحريف) الخطاب الديني، بدعوى أنه لن يعود لأي شعب هوية ذاتية أو استقلال فكري وحضاري وثقافي.

علمنة المناهج التعليمية وخطورته

أما أخطر الوسائل المتبعة لتجديد الخطاب الديني في ظل العولمة، فهي تحوير المناهج التعليمية وعلمنتها، تزييف التاريخ، وحذف بعض الآيات والمواضيع نهائيا من المقررات المدرسية، ومساهمة بعض الأمريكيين في تعديل المناهج، بالإضافة إلى التضييق على المدارس والمعاهد الدينية، واستخدام القروض والمنح في الترغيب والترهيب.

فالمطلوب من المناهج التعليمية ـ حسب المفهوم العولمي ـ أن تخدم مفهوم السلام العالمي، وألّا تقدم الإسلام كدين متميز عن باقي الأديان المحرفة. كما يتم استخدام وسائل الإعلام وخطبة الجمعة، ولأن هذه الأخيرة أقوى تأثيرا من كل وسائل الإعلام، تحدد نوعية الخطب، وتنتهج سياسة “تجفيف المنابع”؛ منابع التدين عند الناس، فتفصل الدين عن الحياة، وتركز على الشعائر التعبدية والأخلاق والسلوكيات الحسنة والعلم الدنيوي، ويمنع الخطباء للتعرض لكفر اليهود والنصارى، وكشف تحريفات كتبهم المنزلة. كما تجرى دورات تدريبية مكثفة للخطباء لتعريفهم بمتطلبات تجديد/تحريف الخطاب الديني، وبعضها يتم في الولايات المتحدة الأمريكية. ويتم إغراق الناس بالنتاج الفني، الذي يحرض على الوقوع في الرذيلة والتفسخ الأخلاقي، ويساعد على ذلك الوضع الاقتصادي المتردي وتأخر سن الزواج.

٥- فرض التجديد (التحريف) بالقوة: في هذه المرحلة الأخيرة، لجأت أمريكا وحلفاؤها الصليبيين إلى توفير الدعم السخي للمتعاونين معهم من المسلمين، فتتغاضى عما ترتكبه حكومات البلدان الموالية لها في حق شعوبها.

وقد لجأ الصليبيون إلى فرض التغيير بالقوة، والتهديد تارة وباستخدامها تارة أخرى.. للحيلولة دون نشوء جيل جديد يتمسك بفهم السلف الصالح للدين. تدفعهم عدة عوامل إلى ذلك منها: انهيار توازن القوى وانفراد أمريكا بالقوة، طول الطريق وبطؤه، والتي قد تمتد عقودا أو قرونا، والخوف أثناءها من استعادة الأمة الإسلامية عافيتها، ثم هناك وجود معوقات حقيقية منها طبيعة الإسلام العصية على التحريف، ووجود فئة قيض لها الله عز وجل حفظ الدين. كذلك ضعف الأمة العربية والإسلامية، الاستعجال الشديد لإحداث التغيير، واستغلال أحداث “الحادي عشر من سبتمبر” للإعلان عن حقدهم على المسلمين، والترويج لمصطلح “الإرهاب” وإلصاقه بالإسلام والمسلمين. وشنت الحرب الشرسة على الإسلام، وحورب في المدارس والمساجد، بالاستعانة بالأئمة المضللين، لأنه دين يفرخ الإرهابيين، حسب المفهوم الأمريكي.

وتتمثل دوافعهم في إزالة العوائق أمام الخطط الاستعمارية، الاستعداد والتجهيز للمعركة الفاصلة، إيقاف مقاومة العولمة، والاستمرار في الانفراد بقيادة العالم، مع نهب ثروات البلدان وسرقة خيراتها.

والهدف الرئيس إفقاد الإسلام خاصية ثبات الأحكام الشرعية، التمكين للحداثة والعلمانية، وضمان عدم عودة الإسلام إلى موقع الريادة، وتمكين الجمعيات والمؤسسات التبشيرية من العمل في بلاد المسلمين، مع فرض هيمنة الثقافة الأمريكية.

وهذا ما يؤكده انطلاق هذه الدعوة بقوة مع إعلان أمريكا الحرب على بعض البلاد الإسلامية، مما يدل على وجود علاقة بين الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني والحرب الأمريكية الصليبية على الإسلام والمسلمين، والدعوى بأن تجديد الخطاب الديني علاج للتطرف والإرهاب.

ويهدف المشروع الأمريكي لتطوير الخطاب الديني إلى عزل الإسلام عن الحياة وتكريس العلمانية في بلاد المسلمين، وربط ذلك التجاوب بالمعونات الأمريكية.

الخاتمة

مستقبل دعوة التجديد

في خاتمة كتابه، يتفاءل الكاتب بأن هذه الدعوى ستُطوَى كغيرها من الدعوات الباطلة لما حوَتْه من فساد ذاتي، ويرى أن خطرها يستفحل إذا ما التزمت بها الدول، وحاولت فرضها بالقوة، ومَنَعت أهل العلم من بيان فسادها، وترَكَت تلك الدعوة تعرض نفسها في سوق الفكر والثقافة.

دور المسلمين في مواجهة التجديد التحريفي

رأى أنه على كل مسلم بحسب وضعه ومكانته وتخصصه دور في مقاومة هذا الاتجاه، ويدعو أصحاب القرار السياسي إلى الصمود والمقاومة، والحرص على تلاحم الشعوب.

المصادر:
  • تجديد الخطاب الديني.. بيرابط ن التأصيل والتحريف.
  • قراءة في كتاب “تجديد الخطاب الديني.. بين التأصيل والتحريف” لمحمد بن شاكر الشريف / هشام بن الشاوي.
رابط تحميل الكتاب كاملا
تجديد الخطاب الديني .. بين التأصيل والتحريف

الخميس، 28 سبتمبر 2023

خير أجناد الأرض


خير أجناد الأرض 




محمد بن شاكر الشريف
25‏/5‏/2014

أحاديث الفضائل والمناقب يكثر فيها الضعيف والموضوع وقد تساهل أهل العلم في روايتها لأنه لا يترتب عليها في غالب الأحوال حكم تكليفي عملي، وقد ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل مصر من رواية عمرو بن العاص قال حدثني عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يقول: "إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة"
وهذا الحديث قد ورد في عدد من المراجع التاريخية والحديثية وكل رواياته مدارها على عبد الله بن لهيعة وقد تحدث أهل العلم في صحة إسناده من أجل ابن لهيعة وبعض شيوخه، والرأي عندهم ضعف هذا السند.

وهذا لا يمنع من ورود أحاديث أخر في فضل مصر إسنادها صحيح.

وإذا انتهينا من الحديث عن سند الحديث فإنا نود ألقاء نظرة على متنه، فقد استدل كثير من الإعلاميين والمفكرين وبعض أهل العلم بهذا الحديث على أفضلية الجيش المصري، لكن لنا أن نورد على هؤلاء ما يلي: هل تلك الأفضلية لذلك الجيش كانت في الزمن الأول الذي قيل فيه هذا الحديث أم أنها أفضلية على مدار التاريخ، وإذا كانت تلك الأفضلية على مدار التاريخ فهل استحقوها بعمل منهم يقدمونه أم بمجرد الانتساب؟
من المعلوم أن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهما:
أن هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله
 وقال ابن تيمية في تقرير هذه الحقيقة: " وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها؛ بل هي صفة عارضة بحسب سكانها فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم" فالأرض تكتسب صفتها من صفات أهلها فمكة قبل الفتح كانت دار كفر وصارت بعد الفتح دار إيمان ومكة كبلد هي هي لم تتغير وإنما الذي تغير صفات أهلها وحيث إن الجيش ليس جمادا وعتادا فقط وإنما أحياء من البشر فيجوز عليهم التغير والتقلب فلا أفضلية للجيش المصري ولا لغير الجيش بمجرد الانتساب وإنما يكون ذلك بالعمل ومن ثم فلا يكون هذا الحديث تزكية للجيش المصري ولا غيره في كل آن وحين وإنما ترتبط التزكية بأفعالهم وصفاتهم.

وكلمة أجناد ليس معناها الوحيد ما يفهمه العوام من أنها الجيوش فقط وإنما أجناد لها معنيان أحدها الجند: العسكر والأَعوان والأَنصار والجمع أجناد.
وثانيها الجند المدينة، وجمعها أَجناد أيضا، وخص أَبو عبيدة به مدن الشام، وأَجناد الشام خمس كور؛ هي: دِمَشْق وحِمْص وقِنَّسْرِين والأُرْدُنُّ وفِلَسْطِين، يقال لكل مدينة منها جند... 
وفي حديث عمر: أَنه خرج إِلى الشام فلقيه أُمراء الأَجناد، وهي هذه الخمسة أَماكن، كل واحد منها يسمى جُنْداً أَي المقيمين بها من المسلمين المقاتلين، فجند وجمعها أجناد لا تنصرف إلى الجيش فقط ولكن من معانيها كما مر المدينة وجمعها المدن، والاستعمال القرآني استعمل لفظ جنود في الدلالة على الجمع ولم يستخدم لفظ أجناد، فمعنى الحديث على تفسير الجند بالعسكر: اتخذوا في مصر عسكرا كثيرا أي اجعلوا أو رتبوا فيها عسكرا كثيرا فهو خير عساكر الأرض، ومعنى الحديث على تفسير الجند بالمدينة اتخذوا فيها عسكرا كثيرا فتلك المدينة خير مدن الأرض، ويكون لفظ جند استعمل بالمعنيين اللفظ الأول في الحديث بمعنى العسكر والثاني بمعنى المدينة لكن الأظهر من سياق الحديث أن المراد بالجند والأجناد فيه العسكر أو الجيش.

ولفظ الحديث المتحدث عنه جاء في كل رواياته بلفظ " فاتخذوا فيها جندا كثيفا" ولم يقل "منها" فكأن معنى الحديث اجعلوا في مصر جندا كثيرا لأن ذلك الجند خير أجناد الأرض، أو لأن تلك المدينة خير مدن الأرض فعبوها بالعسكر والجنود ويستوي في ذلك أن يكون الجنود من أصل مصري أو غير مصري لأن الرواية "اتخذوا فيها" وليس "اتخذوا منها"، وقد استفصل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن سبب هذه الخيرية لم يكون ذلك الجند خير أجناد الأرض فكان الرد المباشر والواضح أن السبب في ذلك العمل وليس الانتساب إلى الأرض حيث قال: "لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة" فكان ذلك هو سبب الخيرية ومن ثم فلا ينبغي لأحد أن يحتج بهذا الحديث على أفضلية أو خيرية الجيش المصري إذا كان لا يباشر سبب الخيرية الواردة في الحديث وهي المرابطة هم وأزواجهم فضلا عن أن يفعل ما يناقضها فخيرية الجيش بسبب مرابطته في سبيل الله فإذا كان الجيش لا يرابط في سبيل الله فقد أضاع السبب الذي استحق به الخيرية، وإذا لم يقتصر على ترك المرابطة في سبيل الله وإنما أضاف لها المرابطة في سبيل الشيطان وحرب الإسلام والمسلمين تنفيذا لأغراض أعداء المسلمين من اليهود والنصارى فذلك أقطع وأبعد لكل خير وهو ظلمات بعضها فوق بعض وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

الفتن في صراع الحق والباطل



الفتن في صراع الحق والباطل

محمد بن شاكر الشريف 

الصراع بين الحق والباطل ليس وليد اليوم، بل هو ممتد في عمق التاريخ مقارن لخلق آدم عليه السلام أبي البشرية، فقد حسده إبليس وتوعّد أن يفتنه وذريته فقال فيما حكاه عنه رب العزة: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82].. وقد اتخذ الصراع على مدار التاريخ صوراً وأشكالاً متعددة ولم يقتصر على الصراع الفردي بين أفراد وجماعات محدودة، بل تجاوزه إلى الصراع الدولي؛ فنشبت الحروب والمعارك الطاحنة بين الدول على مدار التاريخ، وكان أهل الباطل دوماً يوقدون نار الحرب لإطفاء جذوة الحق عند الناس. والصراع بين الحق والباطل، سواء الفردي أو الدولي، تترتب عليه فتن كثيرة تموج كموج البحر، يحتاج المسلم لأن يكون له موقف واضح كي يعصم من شرورها ومضلاتها التي تصيب الأفراد والمجتمعات.

ومن خطورة الفتن التي تقع أنها لا تقتصر على أطرافها، إنما تتعداهم إلى غيرهم إذا لم يقوموا بواجبهم تجاهها كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]، قال ابن عباس: «أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب»، وقال ابن كثير: «يحذر تعالى عباده المؤمنين «فتنة» أي: اختباراً ومحنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يعمهما، حيث لم تدفع وترفع»، فكان التقصير في رد الفتنة وقمعها عند أول ظهورها أن تستفحل وتكون سبباً فيما يصيب المتقاعسين عن وأدها أول ظهورها وانتشارها في وصول الفتنة لهم وإصابتها لهم، والمنكر والإساءة كما يكون من الأفراد يكون أيضاً من الحكام ومن الدول.

والفتنة لها معانٍ عدة، فمن ذلك الاختبار والابتلاء والامتحان والمحنة والاختلاف والضلالة والشرك.

والصراع بين الحق والباطل مظنة وجود الخلاف والشقاق والافتراق بين الناس مما يترتب عليه كثير من الفتن، قال ابن عاشور: «وحاصل معنى الفتنة يرجع إلى اضطراب الآراء، واختلال السير، وحلول الخوف والحذر في نفوس الناس»[1].. ومن الفتن التي تحدث أثناء صراع الحق والباطل، سواء على المستوي الفردي أو الدولي:

- اختلاف الناس في تقويم طبيعة الصراع وأطرافه؛ فمنهم من يضع الصراع وأطرافه في غير إطاره الصحيح ويصفه بأوصاف مغايرة للحقيقة جهلاً أو تقصيراً أو إحسان ظن، ما يزيد في التنازع والشجار، كما كان من ذلك فيما مضى ما ذكره الله تعالى في اختلاف الصحابة فيمن رجع من الغزو، وذلك في قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْـمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}[النساء: ٨٨]، إذ عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبل أحد في الغزوة التي عُرفت بغزوة أحد ومعه أصحابه، رجعت طائفة ممن كان معه، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيمن رجع فرقتين؛ فرقة تقول: «نقتلهم»، وفرقة تقول: «لا»، فنزلت هذه الآية: {فَمَا لَكُمْ فِي الْـمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}؛ فهذا الاختلاف في التصرف الذي يراوح بين القتل وعدمه ناتجٌ عن الاختلاف في تقدير المواقف في الصراع، ولولا التربية الحسنة لهذا الجيل التي ربّاهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتحول الاختلاف في تقدير المواقف في صراع الحق والباطل إلى صراع داخل الصف المسلم نفسه، وتتحول المسألة من صراع بين الحق والباطل إلى صراع بين أطياف أو أجنحة صف الحق.
 لذلك لا ينبغي - مهما ادلهمت الأمور - أن يتحول الاختلاف في تقدير أطراف الصراع إلى صراع بين المسلمين أنفسهم، بل ينبغي أن يتفهّم بعضهم مواقف بعض ودوافعها ويعذر بعضهم بعضاً، ونظراً لأن هذا الموقف ليس موقفاً وحيداً بل هو موقف قابل للتكرار؛ فينبغي تربية المسلمين التربية الحسنة كي تبقى هذه الأمور في إطارها ولا تتجاوزه إلى تفتيت الصف المسلم الذي يؤذن بضعفه وربما بخسارة المواجهة مع الباطل، ومن ثم جاءت الوصية الربانية: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]؛ لأن التنازع يجلب الفشل، وهو الضعف والجبن وذهاب الريح أي القوة والبأس، ما يترتب عليه الضعف والوهن والخلل، وقد زوّدوا بما يعينهم على ذلك وهو الصبر: الصبر في مواطن اللقاء والصبر عند الاختلاف بحيث لا يعتدي المختلفون من المسلمين على بعضهم البعض وينعت بعضهم بعضاً بأوصاف قادحة في الدين والإيمان، ما يفرق صفهم ويطمّع فيهم أعداءهم، لا سيما أن هناك من الناس من تغلب عليه معاملة الناس على ظن الخير بهم، فيسمع لهم ولا ينتبه لكونهم معادين للحق، وقد بيّن ذلك ربنا في قوله عن المنافقين: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: 47]، ثم عقّب بقوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47]، أي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير، قال الرازي في تفسير الآية المتقدمة: «ومعنى الفتنة ها هنا افتراق الكلمة وظهور التشويش، واعلم أن حاصل الكلام هو أنهم لو خرجوا فيهم ما زادوهم إلا خبالاً، والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي، وهو من أعظم الأمور التي يجب الاحتراز عنها في الحروب؛ لأن عند حصول الاختلاف في الرأي يحصل الانهزام والانكسار على أسهل الوجوه»[2].

والفتن نفسها تكون معلماً في التمييز بين الصادق والكاذب في دعواه الإيمان بحسب موقفه منها، كما قال تعالى: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين»، والفتنة هنا الابتلاء والاختبار.

- ومن الفتنة «بمعنى الابتلاء والاختبار» الدعوة إلى مواجهة الباطل ومجاهدة أهله، ولذلك عندما أريد من الكاذبين في دعواهم الإيمان مواجهة أهل الباطل تقاعسوا عن الاستجابة، وذكر القرآن مقالهم في ذلك: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49]؛ ففي التقاعس عن مواجهة الباطل تحت زعم عدم الوقوع في الفتنة المترتبة على المواجهة أعظمُ الفتنة، وكانت مواجهة الباطل والتصدي له رغم ما فيه من ابتلاء أعظم سبل النجاة من الفتن.

ومواقف المنافقين أثناء صراع الحق مع الباطل من أكثر ما يثير الاختلاف والتنازع بين المسلمين، حيث يسارع الكثيرون منهم لعقد صفقات الموالاة مع المجرمين والطغاة كي تكون طوق نجاة لهم متى تعرض الصف المسلم لهزة كما ذكر الله ذلك في قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} [المائدة: 52]، وقد بيَّنت الآية علة هذه المسارعة بقولهم فيما حكاه عنهم ربنا العلي القدير: {يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52]؛ لذلك وضَّحت النصوص من الكتاب والسنة صفات وعلامات المنافقين حتى لا يخفى أمرهم على الصالحين وحتى لا يقوموا بالإفساد من داخل الصف، وقد قال الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَـحْنِ الْقَوْلِ}[محمد: 30]، قال ابن كثير: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَـحْنِ الْقَوْلِ} أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، حيث يظهر من أي الحزبين هو بمعرفة معاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
 وفي الحديث: «ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر».

ومما يدل على إمكانية معرفة المنافقين في الواقع قوله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}[التوبة: 84]، وقوله: {فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83]؛ فتحقيق هذا الأمر لا يمكن حدوثه إلا مع إمكان معرفة المنافقين بأعيانهم.

وعلى المسلم أن يكون ذا بصيرة ورؤية حتى لا يخدع بكلام المنافقين وادّعاءاتهم الكاذبة التي لها دائماً آثار تخريبية وهادمة للبناء الإيماني والاجتماعي، خاصة في ظروف الصراع بين الحق والباطل؛ فهم يبطنون غير ما يُظهرون، ويُظهرون الجانب الحسن الذي يحبه الناس بينما يبطنون خلافه كما حكى الله عنهم في غير موضع من كتابه، قال الله تعالى: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: ١١]، {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}[البقرة: 13]، فهم يدَّعون أشياء لا حقيقة لها عندهم، بل الحقيقة مناقضة لما يدَّعون، فهم مفسدون في الأرض غير مؤمنين، والمؤمن الحقيقي هو من لا ينخدع بمظاهرهم الكاذبة كما قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنفُسَهُمْ} [البقرة: ٩]، فلا ينخدع بهم المؤمن وإنما يخدعون أنفسهم فقط.

وليس كل اختلاف يقع بين المسلمين يُقال عنه فتنة يجب اعتزاله والبُعد عنه، خاصة في صراع الحق والباطل، فالفتنة التي يجب اعتزالها وعدم السعي فيها، بل اعتزالها والبُعد عنها ما أمكن؛ هي الفتنة التي يختلط فيها الأمر حتى لا يُقدر على معرفة المحق من المبطل، فهذه التي ينبغي اعتزالها، قال ابن حجر: «والمراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك، حيث لا يعلم المحق من المبطل»[3]..
 أما إذا ظهر الحق والباطل وعُرف الجانب الذي معه الحق والجانب الذي يتمسك بالباطل؛ لم تصبح فتنة، بل صراع بين الحق والباطل، والواجب على كل مسلم في هذه الحالة أن يكون في صف الحق وأهله ومناصرته والتجافي عن الباطل وحزبه والسعي في إزهاقه وبذل كل ما يقدر عليه في سبيل تحقيق ذلك، قال ابن حجر: «والصواب أن يقال إن الفتنة أصلها الابتلاء وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها»[4]، ولو اعتزل الناس كل صراع بدعوى الفتنة لما أقيم حق ولا أزهق باطل؛ نقل القرطبي وابن حجر والشوكاني وغيرهم عن الطبري قوله: «لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل ولوجد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء»[5].

- ومن الفتن التي يقع فيها كثير من أهل الحق أثناء صراع الحق والباطل يظنون أن كونهم على الحق يكون ضامناً لهم في تحقيق النصر دون سعي أو عمل، فيهملون في الاستعداد والعدة المأمور بها في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، ويكتفون فقط بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى، ومع أن الدعاء عبادة وهو لازم لكل أحد يريد تحقيق مراده، إلا أن ترك الإعداد والاستعداد مخالفة تستوجب العقاب، فلا يجوز لأحد ترك ما يقدر عليه من الأسباب والاكتفاء بالدعاء؛ فإن ترك الأخذ بالأسباب معصية تحجب إجابة الدعاء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر التضرع والدعاء لله يوم بدر ولم يمنعه ذلك من إعداد العدة التي يستطيعها، ولم يكتف بكونه رسول الله وأنه يدعو ربه.

- ومن الفتن التي يُبتلى الناس بها أثناء حالة الصراع بين الحق والباطل، اختلاف الناس في موقفهم ممن تكون له رؤية مخالفة لما يرون، حيث تجد منهم من يتجاوز الحدود في تعامله مع المخالف من الطعن في علمه أو صدقه وإخلاصه، ولا يعطيه ما له من الحقوق التي تكون للمسلم على أخيه المسلم، ما يكون سبباً قوياً في تمزيق الصف، وليس يعصم من ذلك إلا تقوى الله تعالى وخشيته سراً وإعلاناً، والتي تكون من نتيجة العلم الصحيح واتباع من هو معروف بالعلم والتقوى.

- ومن الفتن الاختلاف والفرقة، وهي من أعظم الفتن في صراع الحق مع الباطل؛ لأن المفترض أن الصراع يوجب على أهل الحق التساند والتكاتف ليكونوا صفاً واحداً في مواجهة الباطل، والاختلاف والفرقة يضعف قوتهم ويوهن من عزمهم، ومن ثمَّ حذر القرآن من ذلك، فقال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، وأمرهم بالاعتصام بحبل الله جميعاً ونهاهم عن التفرق فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].

- ومن الفتن الامتناع عن الاشتراك مع أهل الحق في مدافعة أهل الباطل لوجود غبش في راية أهل الحق أو خطأ أو بدعة، وهذه المسألة قد يقبلها كثير من الناس ويتفاعلون معها، وهذا في أحيان ليست بالقليلة يكون من نتيجته إهمال أمر عظيم بدفع منكر كبير في مقابل عدم الوقوع في منكر أقل شأناً منه، وهذا مخالف للقاعدة الفقهية التي تقول باحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وقد رأى من رأى من أهل العلم قتال الكفار ومجاهدتهم تحت راية إسلامية ليست نقية بل بها ضلالة وبدعة مراعاةً للقاعدة المتقدمة، وكما جاء في الأثر: الجهاد ماض مع كل بر وفاجر، قال السرخسي: «إن كان في بلاد الخوارج الذين أغار عليهم أهل الحرب قوم من أهل العدل لم يسعهم إلا أن يقاتلوا عن بيضة المسلمين وحريمهم لأن الخوارج مسلمون ففي القتال معهم إعزاز الدين، ولأنهم بهذا القتال يدفعون أهل الحرب عن المسلمين، ودفع أهل الحرب عن المسلمين واجب على كل من يقدر عليه، فلهذا لا يسعهم إلا أن يقاتلوهم»[6].
 وممن أفتى بجواز قتال الكفار تحت راية بدعية الفقيه المالكي أبو الفضل عباس بن عيسى بن العباس الممسي، ومعه كثيرون من فقهاء القيروان، وقد قاتل بنفسه بني عبيد الزنادقة تحت راية أبي يزيد الخارجي، واستشهد في 85 رجلاً كلهم خير فاضل، و«كان يرى أن الخروج مع أبي يزيد الخارجي وقطع دولة بني عبيد فرض لازم؛ لأن الخوارج أهل القبلة لا يزول عنهم اسم الإسلام ويورثون ويرثون، وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم اسم الإسلام فلا يتوارث معهم ولا ينسب إليهم»[7]، فإذا كان هذا في مشاركة الخوارج في دفع أهل الكفر والشرك، وبدعة الخوارج بدعة مغلظة؛ فمن باب أولى تجوز مشاركة من لم تبلغ بدعتهم أو خطأهم مبلغ الخوارج في دفع أهل الشرك والشرور، ولو كان أهل العدل تحت راية أهل البدعة.

نسأل الله تعالى بمنّه وكرمه أن يقينا مضلات الفتن، وأن يحفظ أهل الإسلام، وأن يحفظ عليهم دينهم وأمنهم.




[1] التحرير والتنوير 9/316.

[2] مفاتيح الغيب 16/64.

[3] فتح الباري 13/31.

[4] فتح الباري 13/31.

[5] فتح الباري 13/34.

[6] المبسوط 10/98.

[7] رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقيا 2/297- 298.

الأحد، 24 مارس 2013

أهل الكتاب

أهل الكتاب

 محمد بن شاكر الشريف 

تعبير أهل الكتاب معناه الذين لهم كتاب أو أصحاب الكتاب، ولا يراد به كل ما يطلق عليه كتاب، بل المراد به كتاب خاص وهو الكتاب الذي أنزله الله على رسول من رسله، وهذا لا يصدق بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا على التوراة والإنجيل ومن ثم فأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وعندما أرسل الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق كان الشرك قد غلب على الأرض كلها بمن فيهم من أهل الكتاب، حيث لم يتمسك بالحق إلا قليل منهم والغالبية منهم اتبعوا الدين المبدل المحرف كما قال الله تعالى: }ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون{ [ آل عمران: ١١٠ ] أي منهم من آمن بمحمد رسول الله وأكثرهم الفاسقون معناه الخارجون عن دينهم، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عجميهم وعربيهم، إلا بقايا من أهل الكتاب".

فوصف اليهود والنصارى أنهم أهل كتاب لا ينفي الحكم عليهم بالكفر، ولا يعني إيمانهم بكتابهم ووجود مؤمنين فيهم لا يعني أن الإيمان غالب فيهم، وبمقتضى المعنى اللغوي فإن المسلمين ينطبق عليهم لغويا أنهم أهل كتاب، لكن الاستعمال الشرعي (القرآن والسنة) خص اليهود والنصارى بتعبير أهل الكتاب، وقد ورد ذلك التعبير في أكثر من ثلاثين موضعا في القرآن الكريم يبين أغلبها أن أهل الكتاب كفار إلا في بعض المواضع القليلة التي تثبت الإيمان لطائفة منهم وذلك من عدل الله تعالى أنه لا يحمل أوزار الكافرين لغيرهم من المؤمنين وإن كانوا يشتركون معهم في الجنس أو الموطن، وأذكر هنا بعض الآيات القرآنية التي أدلل بها على ما قلت على سبيل المثال وليس الحصر
 قال تعالى: }ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق{ [البقرة: 109]
 وقال تعالى: }قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون{ 
[آل عمران:64]

وهناك أحد عشر آية في سورة آل عمران يوجد فيها تعبير أهل الكتاب تنعي على أهل الكتاب كفرهم وصدهم عن سبيل الله وتطلب منهم الإيمان وتصديق الرسول واتباعه والآيات لمن أراد مراجعتها في مصحفه تبدأ من رقم 64 إلى رقم 99، من ذلك قوله تعالى: }قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا{ 
وقال تعالى بعدها مباشرة مخاطبا المؤمنين: }يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين{ والذين أوتوا الكتاب هم أهل الكتاب.
ومن الآيات الدالة على كفر أهل الكتاب قوله تعالى: }يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البيات{ [النساء: 153]، وأهل الكتاب هنا هم اليهود كما في قوله تعالى: }وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا{ [النساء: 159] فلا يموت يهودي حتى يقر أن عيسى عبد الله ورسوله.
وقال تعالى: }يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته{ [النساء: 171]، وأهل الكتاب هنا هم النصارى الذين غلوا في أمر المسيح عيسى ابن مريم وجاوزوا به حده فجعلوه إلها أو ابن إله.
وقال تعالى: }ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم{ [المائدة: 65]، وأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، فتبين أن تعبير أهل الكتاب يطلق ويراد به حينا اليهود وحينا النصارى وحينا يراد به كلا الفريقين، والفريقان كافران إلا طائفة منهم آمنت برسولهم ولم تحرف ولم تبدل ثم آمنت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءهم بكتاب من عند الله.
وقال تعالى: }يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون{ [آل عمران: 70] وقال تعالى: }يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون{ [آل عمران: 71]، وقال تعالى: }يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون{ [آل عمران: 98]، فكل ما تقدم من الآيات يبين أن أهل الكتاب كفار مشركون، لكن هناك من الآيات ما يبين أن طائفة ممن ينطبق عليهم اسم أهل الكتاب مباينون في الاعتقاد للطائفة الكافرة  المشركة ومما يبين ذلك أي أن من أهل الكتاب من هو مستمسك بالحق قوله تعالى: }ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الله وهم يسجدون{ [آل عمران: 113] وقوله تعالى }وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب { [آل عمران: 199].
فأهل الكتاب في التعبير الشرعي هم اليهود والنصارى وهم كفار مشركون إلا طائفة منهم آمنوا برسولهم ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه.