‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات تميم البرغوثي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات تميم البرغوثي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2016

الخطر الداهم العام



الخطر الداهم العام


تميم البرغوثي
للوهلة الأولى تبدو وعود ترمب الانتخابية شعثاء خالية من المنطق، إلا أن عدداً من المخططين الإستراتيجيين في مؤسسات البحث السياسي التابعة لليمين الأمريكي، جهدوا ليضعوا تلك الوعود الانتخابية في إطار سياسة خارجية أمريكية متماسكة، ويبدو، من متابعة ما يصدر عن مراكز الأبحاث الأمريكية اليمينية من مقالات ودراسات، أن الخطة هي ما يلي:
 
أولاً: في العالم: مهادنة روسيا لمواجهة الصين:
إن سياسة ترمب الحمائية التي وعد بها الطبقة الوسطى الدنيا من الأمريكيين البيض، تقتضي بأن يفرض الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية المستوردة إلى الولايات المتحدة، وعلى البضائع الأمريكية التي تصنع خارج الولايات المتحدة، وهذه السياسة ستضر بالصين أكثر من غيرها.
والصين أكبر دائني الولايات المتحدة، ويمكنها الرد على هذه الإجراءات بسحب أموالها من المصارف الأمريكية، أو بأن تقلل من تعاملها التجاري الدولي بالدولار الأمريكي، وكلا الإجراءين كفيل بأن يرمي الاقتصاد الأمريكي في هوة كساد آخر شبيه بكساد عام ٢٠٠٨، كما يمكن أن تقوم الصين بإجراءات توسعية بطول سواحل المحيط الهادي، وقد بدأت بالسيطرة على أرخبيل غير مسكون من الجزر الصغيرة التي كانت تابعة للفلبين في بحر الصين الجنوبي.

وعليه فإن الولايات المتحدة تريد أن يكون لها من أوراق الضغط، ما يسمح لها أن تتبنى سياسة حمائية دون أن تتعرض لهذا العقاب من الصين. أوراق الضغط هذه عديدة، أولها أن يكون للولايات المتحدة وجود بحري عسكري قوي قبالة الشواطئ الصينية على المحيط الهادي، وثانيها السماح لكل من كوريا الجنوبية واليابان بالتسلح، سواء بتطوير سلاحي طيران وبحرية قويين لكل منهما أو بالسماح لهما بامتلاك أسلحة غير تقليدية بما في ذلك الأسلحة النووية.
 
ترمب يركز في خطابه السياسي على مقاتلة الإسلاميين جميعاً، لأن كراهيتهم تجني له شعبية بين قاعدته الانتخابية من الأمريكيين البيض منخفضي الدخل والتعليم.
وكلا الإجراءين كفيل بأن يجر الصين إلى سباق تسلح مع الولايات المتحدة، شبيه بسباق التسلح الذي جرّ إليه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغن الاتحاد السوفييتي في الثمانينيات وأدى إلى انهياره. وقد كان ترمب وعد مراراً أثناء حملته الانتخابية بإعادة بناء البحرية الأمريكية وتسليح اليابان وكوريا الجنوبية. كما أنه أول رئيس أمريكي يتصل مباشرة برئيس تايوان، التي لا تعتبرها الصين جزءاً منها متمرداً عليها، منذ عام ١٩٧٩.
 
ويرى المخططون الأمريكيون اليمينيون أن الولايات المتحدة ستكون في وضع أفضل إذا لم تواجه الصين وروسيا معاً، وإن وفرت مواردها العسكرية والاقتصادية المهدرة الآن على الدفاع عن شرق أوروبا ضد التوسع الروسي لتوجهها ضد توسع الصين المحتمل في شرق آسيا.

فروسيا الآن أضعف من أن تشكل للولايات المتحدة التهديد الذي كان يشكله الاتحاد السوفييتي، ولذلك لا معنى لأن تشغل الولايات المتحدة مواردها بتسليح شرق أوروبا وإبقاء دولها في حلف شمال الأطلسي للضغط على موسكو. بل إن المصلحة الأمريكية هناك تقتصر على منع روسيا من أن تكون ظهيرا لبكين ضد واشنطن، وهذا ممكن إذا تنازلت الولايات المتحدة لروسيا عن شرق أوروبا، أو عن ذلك الجزء من شرق أوروبا الذي توسع إليه حلف الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة، بالإضافة إلى السماح لروسيا ببعض التوسع في الشرق الأوسط.

بناء على هذه الخطة، تسمح الولايات المتحدة الأمريكية بانقلابات أو تغيرات سياسية مواتية لروسيا في دول البلطيق الثلاث، لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، وتخفف من دعمها للحكومة الأوكرانية، بحيث يكون السلام بينها وبين موسكو في مصلحة هذه الأخيرة، وتكرر السلوك ذاته في جورجيا والقوقاز.
 
وهنا لا بد أن نذكر تذمر ترمب من حلف الناتو، ومن تأخر دول كإستونيا ولاتفيا وليثوانيا في دفع نصيبها من تكاليف الدفاع عنها. هو يرى أن الحلف لم يعد له داع، لأنه موجه أساساً ضد روسيا لا الصين.

وعليه فيمكن أن نلخص سياسة ترمب الشمالية بأنه سيعطي روسيا حرية التصرف في شرق أوروبا، مقابل أن تترك روسيا له حرية التصرف في شرق آسيا.
 
ثانياً: في بلادنا: تسليم سوريا لموسكو مقابل القضاء على الإسلاميين، سنة وشيعة على حد سواء.
أما بشأن بلادنا، فإن الأمر، كالعادة، أكثر تعقيداً. واختصاره، الذي سنفصله بعد قليل، هو أن ترمب ينوي إعطاء سوريا للروس، على أن يقضي له الروس على التنظيمات الإسلامية المتشددة، وأن يتركوا له، أو لإسرائيل، التعامل مع إيران والمقاومة اللبنانية دون تدخل.

فترمب سيترك لروسيا نفوذها في الشام مقابل أن يكون الروس الضامنين ألّا يخرج من سوريا أي تهديد لإسرائيل أو للولايات المتحدة، وأن لا يعارضوه إذا قام هو أو قامت إسرائيل بأي عمل عسكري ضد إيران أو المقاومة اللبنانية، فلا تتدخل موسكو، ولا تسمح لدمشق أن تتدخل، إذا سمحت أمريكا لإسرائيل بقصف المنشآت النووية في إيران أو غزو لبنان مثلاُ.
 
لقد قال ترمب إنه يريد أن يكف عن سياسة بناء الدول، أو بناء الأمم كما يسميها، أي أنه لا يريد أن يحتل بلاد العرب احتلالاً مباشراً، ثم يعيد بناء جيوشها وبيروقراطياتها بإشراف أمريكي كما فعل جورج بوش الابن في العراق.
 
ذلك لأن العرب، خاصة في الشام والعراق، كلهم مسلحون، وتدخله سيغرقه في حرب عصابات تكلفه مالاً كثيراً، وهو يحتاج هذا المال للمواجهة الاقتصادية مع الصين أو لبناء بحرية أمريكية قوية ينشرها في المحيط الهادي كما أسلفنا.

ومصلحتا أمريكا في بلادنا هما النفط وإسرائيل، فإن أمَّنَهُما فإن ترمب لا يبالي ما يكون في هذه البلاد. وهو يرى أن الدول العربية التي أنشأها الاستعمار البريطاني والفرنسي كفيلة بالحفاظ على هاتين المصلحتين، إسرائيل والنفط، وأن أي تعديل على هذه الترتيبات الاستعمارية القديمة، على طريقة جورج بوش الابن، سيكون مكلفاً وخطيراً. ترمب يريد أن يستعمر المنطقة استعماراً غير مباشر لأنه أرخص من الاستعمار المباشر. هو يريد أن يحمي سايكس بيكو ووعد بلفور، أي بقاء إسرائيل والديكتاتوريات العربية، مرة أخرى لأنه يريد أن يتفرغ للصين وألّا يدخل في مستنقعات حروب عصابات هو غير مؤهل لكسبها.
 
وسايكس بيكو مهددة، لا من قبل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام فحسب، بل من قبل حزب والله والنفوذ الإيراني كذلك، والذي جعل المنطقة الممتدة من بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط وحدة عسكرية أمنية واحدة. لذلك فإن ترمب يعادي إيران بقدر ما يعادي خصومها من التنظيمات السنية المتشددة، لكنه لا يعادي النظام السوري، البقية الباقية من سايكس بيكو، إلا بقدر كون هذا النظام حليفاً لإيران وحزب الله.

ويراهن مخططو ترمب الإستراتيجيين على أن ازدياد النفوذ الروسي في سوريا سيأتي على حساب النفوذ الإيراني، وإن كان خيط حياة دمشق معلقا بموسكو الصديقة لإسرائيل اليوم، والصديقة لواشنطن غداً، لا بطهران العدوة لكل من واشنطن وتل أبيب، فإن هذا لا بد أن ينعكس إيجاباً على علاقة دمشق بكل من إسرائيل وأمريكا. وليس إرسال عبد الفتاح السيسي قوات إلى سوريا إلا من هذا الباب، باب تعليق نجاة دمشق بأصدقاء إسرائيل لا بأعدائها.

وترمب يركز في خطابه السياسي على مقاتلة الإسلاميين جميعاً، لأن كراهيتهم تجني له شعبية بين قاعدته الانتخابية من الأمريكيين البيض منخفضي الدخل والتعليم. وهو يريد أن تجلب كراهية المسلمين له حب الأمريكيين كما جلبت كراهية اليهود حب الألمان لأدولف هتلر وغيره من فاشيي أوروبا في القرن الماضي. وهو لا يريد أن يتكلف قتال الإسلاميين بنفسه، فإن تطوع الروس أن يقاتلوهم بالنيابة عنه فإنه سيكون سعيداً بمساندتهم.
التغير في السياسة الخارجية الأمريكية سيء، لأنه عودة لكلاسيكيات الاستعمار الأمريكي غير المباشر لمنطقتنا بالاعتماد على الديكتاتوريات العسكرية العربية وإسرائيل.
وإن كان الروس سيقاتلون له نصف الإسلاميين الراديكاليين فقط، أي التنظيمات الإسلامية السنية المسلحة، فإنه سيوكل لإسرائيل أن تقاتل له النصف الثاني، أي حزب الله وإيران. وكل ما عليه فعله هو إقناع الروس بعدم معارضة ذلك.
 
وإن العمائم واللحى تزعج ناخبي ترمب سواء كانت لحى سنية أو شيعية، وفقراء الجنوب الأمريكي البيض ليسوا بالضبط فقهاء في تاريخ الفتنة الكبرى وما جرى في سقيفة بني ساعدة. ثم إن إيران يمكن أن تصبح بوابة للصين على الخليج العربي، وغرب آسيا عموماً، وهو ما لا يريده ترمب.
ولدواعي التبسيط إذا سمحنا لأنفسنا باقتباس اللغة الطائفية التي تعج بها المنطقة، فإن ترمب يريد أن يوكل للروس مقاتلة السنة، ولإسرائيل مقاتلة الشيعة. فالسنة والشيعة عنده سواء، كلهم أعداء لأمريكا وإسرائيل، وكلهم "إسلام راديكالي شرير" بتعبيره.
 
وإن بدا سكوت روسيا عن ضربة إسرائيلية للمنشآت النووية الإسرائيلية أو غزو إسرائيل للبنان غريباً لبعض القراء، فما عليهم إلا أن يتذكروا موقف الاتحاد السوفييتي من قصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي وغزوها للبنان في أوائل الثمانينيات، وقد كان النظام العراقي في ذلك الوقت حليفاً لموسكو.
 
إن التغير في السياسة الخارجية الأمريكية سيء، لأنه عودة لكلاسيكيات الاستعمار الأمريكي غير المباشر لمنطقتنا بالاعتماد على الديكتاتوريات العسكرية العربية وإسرائيل. ثم هو يأتي في إطار تصالح مع روسيا لا يترك للعرب حرية المناورة التي كانت موجودة لديهم أيام الحرب الباردة.
 
ليس لنا الآن إلا أنفسنا. وتوحدنا سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، إسلاميين وعلمانيين ضد الاستبداد والصهيونية والامبريالية الجديدة، ضرورة بقاء. ثم لا بد من أن نبدأ بتحسين علاقاتنا بالصين، فإننا قد نجد أنفسنا في خندق واحد قريباً جداً. وإن كان ترمب يبني سياسته الخارجية على كتاب صامويل هنتنغتون القديم، فجدير بنا أن نعيد قراءته ونرى فيه رأينا. وهذا حديث المدونة القادمة.

الاثنين، 6 يونيو 2016

الجنون المَدْرُوس

الجنون المَدْرُوس

تميم البرغوثي

يعلم، حتى الأطفال، أن السجون لا تهدف إلى حبس المساجين داخلها، بل إلى حبس الطلقاء خارجها.الخطر الدائم الداهم على أي حاكم هو عموم المحكومين، وهو يتوسع في حبس جزء منهم ليخاف الكل.
كذلك، فإن أثر السجن النفسي قليلاً ما يكسر المساجين. هؤلاء ناس كسروا حاجز الخوف، ولن تستطيع جدران الإسمنت وقضبان الحديد ترميمه. والسجانون يعرفون ذلك، إنما يريدون بسجن هؤلاء الشجعان أن يخيفوا الأغلبية الطليقة، ويبنوا جُدُراً من الخوف في صدورهم. إن أسوار السجن الحقيقية هي تلك التي تراها من خارجه، الجانب الخارجي من الجدار هو الجانب الفعال. أما الجانب الداخلي المواجه للمساجين، فهو لا يفلح عادة في حبس أحد.

أحكي عن مصر، وعن عشرات الآلاف من المعتقلين، وعن حكومة رعناء بلغت بها الفاشية والفشل والغباء مبالغَ لم ترها مصر، وقد رأت مصر الكثير، منذ العصور الوسطى.

إن هناك أنواعاً من الديكتاتوريات، ومنها نوع يشوبه العته المقصود، وهي تسمى في العلوم السياسية  "خطة الرجل المجنون". 
وهذا النوع يقتضي أن يقوم الحاكم بتحركات لا منطق فيها بتاتاً، ولا فائدة لها، ولكنها بالغة القسوة والإيلام، لا لشيء إلا ليتعود الناس على أنه فوق كل قانون، بما في ذلك قوانين المنطق الطبيعي.
 الأمر شبيه بالساحر الذي يظهر للناس أنه يخرق التوقع، وأن قوانين الطبيعة لا تنطبق عليه، فينال بسلطة الإبهار منهم ما يشاء.
وقد كان الحراس في معتقلات النازي يغيرون القوانين كل يوم، لكي لا يعلم السجناء ماذا يتوقعون، ويصبحوا في حالة خوف دائم، ويتقبلوا أي فعل يأتي به الحراس، مهما كان غير منطقي.

السجون التي ملأها الجنرال في مصر بالناس، تدخل في هذا التصنيف. فهو يعتقل الأطفال لأنهم يحملون بلالين صفراء، أو مساطر عليها يد بأربع أصابع، أو مستشاراً مسؤولاً عن كشف الفساد، أو طبيباً عائداً إلى أهله في إجازة من عمله في المانيا، أو يقتل شاباً إيطاليا يدرس في الجامعة الأمريكية، أو أماً صبية تحمل الزهور في الشارع. 
الجنرال يريد عمداً أن يظنه الناس مجنوناً مسلحاً، لأن الناس يخافون المجانين المسلحين، وخوف الناس رزق الحكام، لا بقاء لهم بدونه.

إلا أن هذا الظلم رغم شدته، أو ربما بسبب شدته، غير فعال، لأن كثرة المساجين تعني كثرة الأحرار، والخوف إذا زاد عن حده، ككل شيء، انقلب إلى ضده. ولذلك فهو  لن يفلح في تثبيت أركان حكم الجنرال الغريب الأطوار.

وقد وصلتني تحية، اقتبس فيها أحد المعتقلين في سجون الجنرال كلاماً من كتابات رضوى عاشور.
وأنا لم تسبق لي معرفة السيد المعتقل، ولكن الصديقة الكريمة والشجاعة سامية جاهين أبلغتني رسالته، وبعثت إلي بصورة منها مكتوبة بخط يده، وسألت إن كان ممكنا أن أرسل إليه رداً، فلم أعلم بماذا أجيبه، فالامتنان وحده لا يكفي، ولا يجوز لطليق أن ينصح معتقلاً، ولا حتى بعبارات تشجيع، فالمعتقلون مصدر شجاعة للطلقاء لا العكس. 
ولم أذكر اسمه هاهنا لكي أجنبه الأذى إن كان في ذكر اسمه أذى.
فلم يكن مني إلا أن كتبت هذه الأبيات بالعامية المصرية وأحببت نشرها هاهنا، محاولاً إيصالها إليه:

الصُّبْحِ مادِدْ مِنِ القُضْبَانْ صَوَابِعُه الخَمْسْ

يِغْمِسْ إِيدِيِه مْعَاكُوْ فِي الفُولْ، والشَّجَاعَةْ، غَمْسْ

والليلْ عَبِيطْ فَاكِرِ اْنُّه ثُوبْ مِغَطِّي الشَّمْسْ

والشَّمْسِ تِضْحَكْ عَلِيهْ، وِتْقُولْ لُهْ بَطَّلْ عَبَطْ

دَهْ اْنْتَ يَاْ دُوبْ نُصِّ كَوْكَبْ بَسِّ بَاصِصْ غَلَطْ

السِّجْنِ عَايِزْ يِعَبِّي بُكْرَةْ جُوَّةْ الأَمْسْ

فِيْ شْوَالْ كِدَهْ زَيِّ مَا يْعَبِّي الحَجَرْ والزَّلَطْ

وِبُكْرَةْ، بُكْرَاتْ كِتِيرْ، وِالأَمْسِ وَاحِدْ فَقَطْ

وِكُلِّ وَاحِدْ مِنِ اْصْحَابْنَا مَعَاهْ بُكْرَاهْ

فَكُلِّ سَجَّانْ يَاْخُدْ لُهْ شْوَالْ وِيِجْرِيْ وَرَاهْ

سَجَّانْ مَاْ لُوشْ بُكْرَةْ، شَافْ بُكْرَة فْ إِيْدِينَا، شَبَطْ

يَامَا هَجَمْ كَلْبِ عَ الأَشْبَالْ فَاْكِرْهُمْ قُطَطْ

وِشْوَالُهْ مِنْ شَرِّ أَعْمَالُه عَلِيهِ اْتْرَبَطْ

السِّجْنِ عَايِزْ يِعَبِّي بُكْرَةْ فِيْ اْمْبَارِحْ

حَبْسِ النَّوَايَةْ هَيِجْعَلْهَا شَجَرْ سَارِحْ

طَارِحْ رُصَاصْ، لا هُوْ نَاسي التَّارْ وَلا مْسَامِحْ

والثَّوْرَة، أَصْواتْ بَنَادِقْهَا، بِتِبْدَأْ هَمْسْ.

 

الأحد، 12 أبريل 2015

العَلَم الغريب

 العَلَم الغريب

تميم البرغوثي

غبت عن مصر فترة وعدت لأجد علما ضخما على سارية طويلة منصوبا وسط ميدان التحرير. وإذا كان البعض سيعجب من السطر التالي، فإنني لا أرى سببا للعجب؛ بدا لي العلم رمزا دالا لا على البلد، بل على هزيمة البلد، لا على الثورة بل على الثورة المضادة، لا على الناس بل على السلطة؛ أضفى عليه مكانه ثقل ظل، كضابط بين شعراء محتفلين، وألقى عليه حجمه المبالغ فيه مسحة من انعدام الثقة بالنفس، كضابط بين شعراء يترك مسدسه مكشوفا لأعينهم طوال الوقت. 

لا يمكنك الهرب من المقارنة بين ميدانين: ميدان مليء بالناس يرفع كل منهم علمه الخاص، سواء كان العلم الرسمي أو ورقة كتب عليها اسمه ومطالبه أو رغيف خبز أو قطعة من أواني الطعام، وبين ميدان خال من الناس، يتوسطه علم مفرد ضخم على سارية ذات قاعدة بيضاء، محاط بالدبابات والأسلاك الشائكة والمخبرين.

إن الثورة كانت خروجا على الدولة لا على نظام حكمها فحسب. كانت الثورة في مصر محاولة لاقتراح وسيلة ينظم بها البشر أنفسهم سياسيا غير الدولة الرسمية المعتادة. إن الدولة الرسمية كيان قائم على الإجبار والطاعة، والثورة كادت تنشئ كيانا بديلا، قائما على القناعة.
  
الدولة الحديثة الرسمية ليست إلا مجموعة من الألقاب، يحصل المرء على اللقب فيطاع بمقتضاه، فالموظف حين يطيع المدير إنما يطيع لقبه، وإن حل مدير ثان محل الأول أطاع الموظف مديره الجديد.

فهي كلها كيان قائم على طاعة صاحب اللقب الأدنى لصاحب اللقب الأعلى. ومثل هذا الترتيب لا يقتضي أي نوع من أنواع الاقتناع. هو هرم من الإجبار، وقد حاول المفكرون تخفيف هذا الطابع الاستعبادي الاستبدادي للدولة الحديثة بالدعوة إلى الديمقراطية، أي إلى إتاحة الفرصة للناس، مرة كل أربع سنوات أو خمس، أن يختاروا مستعبدهم الأعلى، ولم يجدوا من سبيل لكبح استبداده إلا بأن يختاروا معه مجلسا يراقبه، على أن ذلك المجلس أيضا لا تكون عليه رقابة من الناس في مدة ولايته. فالفكرة في الديمقراطية هي ان يختار الناس عددا من الحكام يستبدون بهم، ولا يكف أذاهم عن الاستفحال إلا دفع استبداد بعضهم باستبداد البعض الآخر. 

وهذا في الدول الطبيعية، فما بالك بالدول المصطنعة التي رسم حدودها وخلق فكرتها الاستعمار ثم أطاح حكامها بفكرة الديمقراطية تماما.

إن فكرة الولاء للوطن، بدلا من الدين أو العصبية القبلية تطورت تطورا طبيعيا في أوروبا، لكنها عندنا أتت على سفن الحملة الفرنسية وأقلام موظفي وزارة المستعمرات البريطانية حيث رسموا لنا بلادنا رسما. وإن أول من استخدم تعبير "الأمة المصرية" بالمعنى الحديث كان نابليون بونابارت في منشور وزعه عند غزوه الإسكندرية. كان نابليون، ككل غاز، يريد إعادة إنتاج نظام حكم بلده الأم في البلاد التي يغزوها.

لكن، ورغم التشابه، أو ربما بسبب التشابه، بين مفهوم "الأمة المصرية" ومفهوم "الأمة الفرنسية" فإن أثر الأول عكس أثر الثاني؛ مفهوم الأمة الفرنسية كبّر الفرنسيين ووحّدهم وجعلهم قوة عظمى في محيطهم، ومفهوم الأمة المصرية فصل مصر عن محيطها، صغّر حجمها الجغرافي ونفوذها الإقليمي، وحول المماليك والأتراك الذين كانوا قد أصبحوا من أهل مصر لقرون إلى أجانب أتى نابليون الطيب ليحرر مصر منهم. 

إن مفهوم الأمة المصرية ذاته كان أداة من أدوات الاحتلال، يجعل أهل البلاد أجانب ويجعل الأجانب الغازين منقذين محررين. والتعبير المؤسسي عن هذا المفهوم، أي الدولة الحديثة، هو استمرار للاستعمار. فقد أنشئت الدولة لفائدة المستعمر قبل فائدة سكانها، ورسمت حدودها وبنيت بيروقراطيتها بحيث تكون فاقدة للشرعية في الداخل ومنكشفة عسكريا وتابعة اقتصاديا للخارج. 

هنا تصبح البنية الهرمية القائمة على الطاعة أخطر. لأن المستبد الأعلى، صاحب السيادة، لا يكون حر نفسه، بل هو بدوره تابع للاستعمار الأجنبي. فأنت يا عزيزي المواطن العربي يستبد بك حاكمك وحاكم حاكمك وراء البحر.

أما الثورات العربية، والنموذج المصري من أبرزها، فإنها قامت على حلول القناعة محل الطاعة؛ لم يكن للناس حزب واحد أو قائد واحد يصدر الأوامر فيطيعه من تحته. بل كانت القيادة للفكرة والمطالب، كل من كان مؤمنا بالفكرة ارتجل طريقة إسهامه في تحقيقها، ومن مجموع هذه الارتجالات تولّد العمل الجماعي المهيب، الميدان ذو الرايات وأواني الطبخ وأرغفة الخبز والشعارات بل وحتى الأحذية، كلها مرفوعة تؤدي غرضا واحدا بدون أن يكون لها قائد أو لجنة مركزية، كلها أعلام، ولا تحتاج لأسلاك شائكة لأنها لا يمكن، في مجموعها، أن تُكسر.

لذلك فإن في استباب ذلك العلم الواحد الضخم العسكري الحضور المحاط بالأسلاك الشائكة والدبابات، رمزية تشير إلى استعادة سيطرة الاستعمار، وأداته الدولة الحديثة، على المقر الرمزي للثورة، هو احتلال لميدان التحرير، احتلال للتحرير على ما في ذلك من مفارقة. 

إن الدول تقام في الخيال قبل أن تقام على الأرض، وكذلك هي تسقط في خيال الناس أولا، وإن ما حدث عام 2011 حتى وإن انتكس ونُكب، هو دليل على أن هذه الدول سقطت في خيال الناس، وهو دليل على أن مثله ممكن وعلى أن نقيضه غير قابل للاستمرار.

لن تعوض ضخامة العلم عن اضمحلال فكرة النظام السياسي القائم على الإجبار. إن الأعلام حين ترفع في الميادين لتدل على الحرية فإنها لا تحتاج إلى دبابات وأسلاك شائكة تحميها.

                             تميم البرغوثي

12 أبريل 2015