‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الرحمن يوسف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الرحمن يوسف. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 5 يناير 2026

عبد الرحمن يوسف.. حين يُختطفُ صوتُ الشعر من أمَّته

 عبد الرحمن يوسف.. حين يُختطفُ صوتُ الشعر من أمَّته

وصفي عاشور أبو زيد



في حياة الأمم محطات من الضوء يتقدّم صفوفها شعراء ومفكرون يحملون المصابيح في الليلة الطويلة، هؤلاء ليسوا مجرد كتّاب أو قائلين للحرف؛ بل هم صُنّاع الوعي، وحملة الذاكرة، وحراس المعنى، ومن هؤلاء في زماننا القريب الشاعر الكبير عبد الرحمن يوسف القرضاوي، أحد أبرز الأصوات الشعرية والسياسية التي شكّلت وجدان الثورة المصرية، وعبّرت عن نبضها ونبض الشعوب العربية الباحثة عن كرامة وحرية، واليوم، وبعد ثلاثمئة وثلاثة وثلاثين يومًا على اختطافه، ما يزال مصيره غائبًا، وصوته محجوبًا، وأثره مصادَرًا، لا يُعرف أين هو ولا كيف هو، ولا هل ما يزال يسمع العالم أنفاسه أم أن صمت السجون قد أثقلها بما لا يُحتمل؟ إن مأساة عبد الرحمن ليست مأساة فرد، وليست شأنًا عائليًّا أو سياسيًّا ضيقًا، وليست مجرد اعتقال لشاعر كتب ضد الظلم، بل هي مرآة لوجدان أمة تعاقَب على أحلامها، وتُجلد على قصائدها، وتُختطف إرادتها كما يُختطف شاعرها.

من لبنان إلى الإمارات… اختطاف بثمن بخس
لا تزال تفاصيل الاختطاف تذبح الضمير العربي كلما استعيدت: شاعر عربي بارز، معروف، علني، لا يحمل سلاحًا، ولا يقود تنظيمًا "إرهابيًّا"، ولا يمارس إلا الكتابة… يُختطف من بلد عربي في واقعة غامضة بثمن بخس دراهم معدودة، كأننا أمام قصة يوسف التي تتكرر ذاتها في عصر الأقمار الصناعية والكاميرات وحقوق الإنسان، اختُطف عبد الرحمن من لبنان بعد أن مر منها بعد زيارته لسوريا اختفالا بنجاح ثورتها، ورُحِّل إلى الإمارات رغمًا عن كل النداءات والمساعي، وتمت العملية بصمت مخجل، حتى بدا المشهد كله وكأنه بيعٌ سياسي لا علاقة له بالقانون ولا العدالة ولا الأعراف الدبلوماسية، ورغم مرور الشهور الطوال، فإن أحدًا - لا أسرته ولا محاميه ولا المنظمات الدولية - يعلم أين هو، ولا ما التهم الموجهة إليه، ولا ما إن كان قد حصل على حقه الطبيعي في التواصل مع العالم .. إنها حالة اختفاء قسري مكتملة الأركان، لا يشوبها أدنى شك، بل تُعد واحدة من أكثر الوقائع السافرة التي تكشف حجم الانحدار الذي وصلت إليه بعض الأنظمة العربية في التعامل مع الإنسان الحرّ.

عبد الرحمن… شاعر الثورة، وصوت الميدان، وحارس الحلم
ليس عبد الرحمن يوسف رجلًا مجهولًا ولا اسمًا عابرًا، ولا كاتبَ مقالاتٍ معزولًا عن جمهوره؛ بل هو شاعر الثورة المصرية الذي كانت قصائده تُقرأ في الميادين، وتُرتل في صدور الشباب، وتُحفظ في مظاهرات يناير وفبراير، وتنشد في أناشيد وأغانٍ، هو صاحب دواوين كاملة تفيض غضبًا ووعيًا وشجاعة، مثل ديوان مسبحة الرئيس، وديوان أمام المرآة، وديوان نزف الحروف، وديوان لا شيء عندي أخسره، وديوان في صحة الوطن، وديوان يوميات ثورة الصبار، وديوان رثاء امرأة لا تموت، وديوان حزن مرتجل، وديوان اكتب تاريخ المستقبل، وغيرها مما صار جزءًا من الذاكرة الثورية والأدبية الحديثة، كتب عن الحرية فهتف الناس معه، وكتب عن الظلم فاهتزت القلوب له، وكتب عن الوطن فصار صوته مرآة لآمال ملايين المصريين والعرب، ومثل هذا الرجل لا يُعتقل لأنه ارتكب جريمة، وإنما لأنه حمل قلمًا شريفًا في حقبة تكره الأقلام، وتخشى الكلمة، وتضيق بالحرف الحر.

لماذا يخيف الشعرُ الطغاة؟
الشعر - في نظر المستبدين - ليس مجرد كلمات، بل هو طاقة تحريضية وشرارة وعي ونافذة يطل منها الناس على ذواتهم ومصائرهم، والشعراء في تاريخ الأمة لم يكونوا شعراء فقط، بل كانوا مفكرين وقادة رأي وصناع اتجاهات وحملة مواقف.

ليس عبد الرحمن يوسف رجلًا مجهولًا ولا اسمًا عابرًا، ولا كاتبَ مقالاتٍ معزولًا عن جمهوره؛ بل هو شاعر الثورة المصرية الذي كانت قصائده تُقرأ في الميادين


ومن المتنبي إلى أحمد شوقي، ومن أحمد مطر إلى نزار قباني، ظل الشاعر هو صوتَ الجماعة حين تخاف الجماعة الكلام، وفي زمن القمع يكون الشاعر جيشًا من الكلمات، وجيشًا من الوعي، وجيشًا من الأسئلة، ولهذا يخشاه المستبدون؛ لأنه يفضحهم بلا سلاح، ويحاربهم بلا بندقية، ويستنهض ضدهم قلوب الناس بلا مظاهرة واحدة .. عبد الرحمن يوسف القرضاوي واحد من هؤلاء؛ قصيدته تُسقط ورقة التوت عن المستبد، وتعيد للناس ما سرقته الأنظمة من شجاعتهم؛ ولهذا كان هدفًا سهلًا: فالشاعر يحبه الناس ويستمعون إليه، وقد تُحدثُ قصيدةٌ واحدة ما لا تُحدثُه كتب ولا خطب، كما لا يمكن التحكم في أثره، وهذا ما لا تطيقه الأنظمة المغلقة!

مأساة إنسانية: أسرة لا تعرف أين أبوها
وراء المأساة السياسية تتوارى مأساة إنسانية أشد ألمًا: أسرة كاملة لا تعرف أين هو والدها، بنات يكبرون دون أن يسمعوا صوته، إخوة وأخوات ينتظرون خبرًا فلا يأتي، عائلة تعيش بين الظن والحدس، وتبحث في العتمة عن خيط ضوء، والأسوأ من ذلك أن الصمت الرسمي حوّل الأمر إلى جدار من رصاص: لا معلومات، لا شفافية، لا قانون، لا تحديثات، لا تحقيقات… وكأن حياة شاعر عربي صارت شيئًا يمكن طيّه في الأدراج خارج كل منظومات العدالة والإنسانية!

إنها لحظة نادرة تكشف بشاعة العالم العربي حين تبتلع السجونُ أبناءه بلا تهمة، وتغلق الأنظمة على الحقيقة، ثم تريد من الناس أن ينسوا، وأن يطووا الصفحة، وأن يواصلوا حياتهم كما لو أن شاعرًا لم يُختطف، وكأن قلبًا لم يُذبح.

من يستحق التكريم لا التجريم
كل ما فعله عبد الرحمن أنه كتب، نعم كتب، كتب عن الحرية، كتب عن الاستبداد، كتب عن الثورة، كتب عن الظلم، كتب عن الإنسان العربي الذي يريد أن يعيش كريمًا، فهل يكون جزاء الشعر السجن؟ وهل يكون مصير الحرف القيد؟ وهل تصبح القصيدة جريمة في قانون لا يعرف من الجريمة إلا اسمها؟ عبد الرحمن - بكل المقاييس - يستحق التكريم: شاعر كبير، صاحب مشروع أدبي واضح، رجل كلمة لا رجل عنف، صوتٌ مدافع عن الأمة، مفكر منحاز للناس، وحين تختطف دولة كالإمارات شاعرًا عربيًّا معروفًا، فإنها لا تضرب شخصًا بقدر ما تضرب قيمة، ولا تُسكت قلمًا بقدر ما تُسكت أمة، ولا تغيّب شاعرًا بقدر ما تغيّب مستقبل التفكير الحر.

شرعية المقاومة بالكلمة
قد يظن البعض أن الشعر ليس مقاومة، وأنه مجرد جمالية لغوية أو صياغة وجدانية، لكن الحقيقة أن الشعر - في السياق العربي خاصة - كان دومًا أداة وعي وسلاحًا معنويًّا ومنبرًا سياسيًّا ووسيلة لتثبيت الهوية، وتعبيرًا عن أشواق الناس، يتجسد فيه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.  [سورة الشعراء: 227]، ولم يكن عبد الرحمن بدعًا من الشعراء؛ فقد ورث هذا الدور التاريخي، وحمله بصدق وشجاعة، وظل وفيًّا لدوره حتى آخر لحظة قبل اختطافه، فإذا كان العالم يدافع عن حرية الصحفيين والكتّاب والمفكرين، فإن الدفاع عن عبد الرحمن هو دفاع عن هذا الحق الإنساني الكوني.

الإمارات… سجلٌّ مثقل في حرية التعبير
لا يمكن فصل مأساة عبد الرحمن عن السياق الأوسع لواقع الحريات في الإمارات في السنوات الأخيرة: اعتقالات واسعة للنشطاء، اختفاءات قسرية، محاكمات سياسية، تضييق شامل على كل صوت مختلف، وغياب شبه كامل للمجتمع المدني، ويأتي اختطاف شاعر عربي ليزيد هذا السجل قتامة، ويجعل القضية تتجاوز الإمارات نفسها لتصبح قضية حرية العرب في التعبير، وحقّ الأمة في أن تسمع أبناءها لا أن يبتلعهم الصمت.

هكذا تتحول المأساة الفردية إلى قضية أمة
كل شاعر كبير هو ملك أمته وليس ملك أسرته فقط، وغياب عبد الرحمن يوسف يعني غياب صوت من أهم أصوات الوعي الجمعي، غياب أحد أقوى نقاد الاستبداد، غياب شاعر يشكّل ذاكرة الثورة، غياب رؤية كانت تضيء الطريق حين يستحكم الظلام .. إن أمة تُسجن شعراؤها أمة تهدم معانيها، وتطفئ قناديلها، وتفقد جزءًا من قدرتها على التعبير عن نفسها.

لماذا الصمت؟ سؤال يجلد الضمير العربي
بعد مرور هذا الوقت كله على اختفائه، وصمت الناس، كأنهم نسوا قضية الشاعر الحر، من حقنا أن نتساءل: كيف يمكن للعالم العربي أن يصمت على اختفاء شاعر؟ أين الاتحادات الأدبية والثقافية؟ أين المنظمات الحقوقية العربية؟ أين المؤسسات الرسمية التي تزعم حماية المثقف؟ أين وزارات الثقافة التي تتغنى بالإنجاز؟ أين الإعلام الذي يملأ شاشاته احتفاءً بالشعر بينما يتجاهل مأساة شاعر بارز؟ الصمت هنا جريمة أخرى؛ لأن الظلم إذا لم يجد من يقف في وجهه استشرى، وإذا لم يجد من يفضحه تمدد، وإذا لم يجد من يندد به صار قاعدة لا استثناء.

بين يوسف النبي ويوسف الشاعر
في الحكايتين تشابه عجيب يوجع القلب؛ كلاهما بيع بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين، كلاهما تجسّد فيه الظلم في أوضح صوره، كلاهما وضع في غياهب الجب/السجن؛ لأن الحقيقة تُخيف، كلاهما واجه قهرًا بلا ذنب ارتكبه، لكن يوسف النبي خرج من السجن ليصبح ملكًا ورجل رؤية وحكمة، ويوسف الشاعر سيخرج كذلك إن شاء الله تعالى، وسينتصر المعنى؛ لأن التاريخ علمنا أن الكلمة تنتصر ولو بعد حين، وأن الظلم لا يدوم وإن طال.

دعوة مفتوحة لإنقاذ عبد الرحمن
إن قضية عبد الرحمن يوسف القرضاوي اليوم ليست قضية سياسية ضيقة، بل هي قضية إنسانية، وقضية أخلاقية، وقضية فكرية، وقضية أدبية، وقضية وطنية، وقضية أمة بأكملها؛ ولهذا فإن الواجب يدعو إلى إطلاق حملة دولية للمطالبة بكشف مصيره، وتفعيل دور المؤسسات الحقوقية، والتواصل مع المنظمات الدولية المعنية بحرية التعبير، ومخاطبة اليونسكو بوصفه أحد أهم الشعراء العرب المعاصرين، وإطلاق بيانات تضامن من اتحادات الأدباء والمثقفين، وكتابة مقالات ومنشورات عامة تحيي القضية، وعدم ترك أسرته وحيدًة في هذه الأجواء، سواء أكانت أسرته الكبيرة أم أسرته الصغيرة!

الحرية التي لا تحتاج إلى تبرير
عبد الرحمن لا يحتاج إلى الدفاع عنه لأنه لم يحمل سلاحًا، ولم يدعُ إلى عنف، ولم يشكل تنظيمًا "إرهابيًّا"، ولم يمارس أي نشاط خارج حدود التعبير المشروع، جرمه الوحيد أنه كتب شعرًا قويًّا، وقال كلمة صادقة، وحمل ضميرًا حرًا، وواجه الطغيان بالحرف، والاستبداد بالقصيدة، والخوف بالشجاعة .. هذه ليست جريمة؛ هذه رسالة، وهذه الرسالة يجب أن تُكرم لا أن تجرّم.

كلمة إلى عبد الرحمن… إن وصلته كلمة
يا عبد الرحمن، يا صوتنا الغائب، يا شاعر الثورة، يا ابن الكلمة الحرة… نحن نعلم أنك - أينما كنت - ما زلت تكتب، وما زلت تقاتل بالحرف، وما زلت على عهد الشعر والوطن، نعلم أن القيد لن يكسر روحك، وأن السجن لن يُطفئ نورك. نعدك أننا لن ننسى، ولن نسكت، ولن نطوي الصفحة، ولن نتركك تواجه الظلام وحدك.

وأخيرًا: الحرية حقٌّ لا يسقط بالتقادم
الحرية ليست منحة ولا هبة ولا فضلًا من سلطة، بل هي حق أصيل يتجاوز كل القوانين الوضعية ويعلو على كل السلطات الزمنية، وقضية عبد الرحمن يوسف لن تُغلق بالصمت ولن تُطوى بالنسيان؛ لأنها قضيةُ شاعرٍ كبير، وقضيةُ كلمةٍ كبيرة، وقضيةُ وطن كبير، وما دام في الأمة حر واحد فإن صوت عبد الرحمن لن يموت، وإن غيبوه في السجون، وما دام في الأمة نبض فإن القصيدة ستجد طريقها إلى الضوء، حتى لو كانت مكتوبة في العتمة .. إن حرية عبد الرحمن ليست مطلبًا بل واجب، ومصيره ليس لغزًا بل جريمة يجب كشفها، والتضامن معه ليس أمرًا هامشيًّا بل موقف يعيد للأمة شيئًا من كرامتها.

الأحد، 6 مارس 2022

رسالة من عربي إلى المواطن الغربي

 رسالة من عربي إلى المواطن الغربي

عبد الرحمن يوسف

عزيزي المواطن الأمريكي الأوروبي الغربي..

أرسل إليك هذه الرسالة والعالم كله يتفاعل مع الغزو الروسي لأوكرانيا..

لا شك أنها جريمة إنسانية، وقانونية، وذلك طبقا لكل الشرائع والقوانين الإلهية والوضعية.. أن تحتل دولة دولة أخرى بالقوة العسكرية، بالقتل والانتهاك، لمجرد حجج واهية..

أوكرانيا الدولة المسالمة التي لم تؤذ أحدا، الدولة الوحيدة في التاريخ التي تنازلت عن ترسانة نووية تكفي لإبادة الكرة الأرضية كلها.. هذه الدولة تحت القصف الروسي الظالم بدعوى أنها دولة نازية، تسعى للحصول على أسلحة دمار شامل!

ولكن.. أريدك عزيزي المواطن الأمريكي الأوروبي الغربي.. أريدك أن تتخيل معي أن العالم كله يقف مع روسيا.. ويؤيدها في عدوانها.. ويحاصر أوكرانيا ومقاومتها الباسلة..

أريدك أن تتخيل ولو للحظة أن دول النيتو تفرض حصارا قاتلا على أوكرانيا، وتمنع عنها السلاح، والطعام، والدواء، ومواد البناء، وحتى لعب الأطفال!

تخيل أن الدول الأوروبية التي تحيط بأوكرانيا تغلق الحدود أمام هؤلاء اللاجئين المساكين، وتصفهم بأنهم ينتمون لجماعات متطرفة.. وأنهم قد باعوا أرضهم للروس مقابل حفنة من الدولارات..

تخيل أن دول النيتو تسرب للقوات الروسية تحركات المقاومة الأوكرانية على الأرض لتسهل مهمة الجيش الروسي في القضاء على المقاومة الباسلة..

أريدك أن تتخيل الولايات المتحدة الأمريكية وهي تستخدم حق الفيتو في مجلس الأمن عشرات المرات أمام من يطالب بحق الأوكرانيين في مقاومة الاحتلال..

تخيل معي أن الرئيس الأمريكي "جو بايدن" يقول: "أنا روسي أكثر من الروس، ودعمي لروسيا وأمن روسيا ضد أوكرانيا عقيدة دينية لا أتخلى عنها أبدا، وأنا معترف بأن أوكرانيا أرض روسية، وأن روسيا عاصمتها كييف"!

أريدك أن تتخيل أن جميع هؤلاء الأبطال الذين ذهبوا متطوعين لدعم أوكرانيا، سواء بحمل السلاح أو حتى بالعمل الإغاثي ومساعدة اللاجئين.. أريدك أن تتخيلهم مطاردين أمام محاكم العالم بتهمة دعم الإرهاب.. وأنهم أصبحوا مضطهدين حتى في أوطانهم، وأصبحوا لا يستطيعون أن يعيشوا في بلادهم مطمئنين بسبب مطاردة أجهزة الأمن لهم، أصبحوا يوصفون أو يوصمون بأنهم "العائدون من أوكرانيا".. كل ذلك لأنهم تحيزوا لقضية عادة.. كل ذلك لمجرد أنهم دعموا شعب أوكرانيا وهو يقاوم الاحتلال الروسي..

تخيل أن طائرات البيرقدار التركية تقصف المقاومين الأوكران.. لا الغازين الروس..

تخيل أن الأسلحة التي ترسلها دول العالم تصل إلى روسيا وليس إلى أوكرانيا..

تخيل أن جميع العقوبات التي فرضت على روسيا.. قد فرضها العالم على أوكرانيا لمجرد أنها تدافع عن أرضها ضد محتل معتد أثيم..

والآن.. أريدك أن تتخيل ما لا يعقل.. تخيل أن كل من يكتب كلمة روسيا معتدية، أو المجد للمقاومة الأوكرانية.. أو لا لاستخدام الأسلحة المحرمة دوليا في أوكرانيا، أو النصر لكييف.. تخيل أن من يكتب ذلك على فيسبوك.. تحظر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي كلها، ويمنع من حق الكلام.. مجرد الكلام على الواقع الافتراضي.. بحجة أنه ينشر تحريضا على الإرهاب يخالف الـ"كوميونيتي ستاندردز"!

أريدك أن تتخيل العالم كله -برغم وضوح عدالة القضية الأوكرانية- يقول إن هذه الأرض ملك لروسيا، ومن المعروف أن الروس منذ ألفي سنة أو يزيد قد مروا من هنا، وأكلوا من قمحها، ثم شربوا قليلا من الفودكا وانصرفوا.. صحيح أن ذلك قد حدث منذ عشرات القرون.. ولكن ذلك لا يمنع أن من حق الروس أن يستقروا في أوكرانيا، وأن يبنوا بيوتا ومستوطنات على تلك الأرض، وأن يزرعوها، وأن يعيشوا مطمئنين عليها.. وليذهب الأوكروانيون إلى الدول المجاورة، فليتصرفوا.. ولكن دون إزعاج المواطنين الروس.. وإذا أزعجوهم فإن من حق الروس أن يقصفوا الأوكرانيين الذين يقاومونهم بكل القنابل المحرمة دوليا، لأنهم إرهابيون..

هل تخيلت ذلك؟؟

الآن.. يؤسفني أن أقول لك إن ما تخيلته ليس خيالا.. بل هو واقع تعيشه أمة منذ عشرات السنين.. رغم أن قضيتها أكثر عدالة من القضية الأوكرانية.. لأن من يغزوها ويستعمرها ليس جارا قد يكون له حقوق تاريخية في الأرض، أو له ما يقلقه في أمنه القومي.. بل يغزوها أناس من كل أرجاء الكرة الأرضية، تفصلهم آلاف الأميال.. أناس لا علاقة لهم بهذه الأرض من قريب أو من بعيد..

عزيزي المواطن الأمريكي الأوروبي الغربي..

هذه هي حياتنا نحن العرب منذ قرن كامل.. مع القضية الفلسطينية..

شعب أخرج من أرضه.. ومحتل غاشم صدر ضد احتلاله عشرات القرارات الدولية، وبالتالي أصبح من حق هذا الشعب طبقا للقانون الدولي، وطبقا لكل الشرائع والقوانين أن يقاوم بكل أشكال المقاومة..

هذا الشعب تآمرت عليه غالبية حكومات العالم، برغم عشرات القرارات الدولية..

المؤامرة الدولية أسقطت كل الأنظمة العربية التي قد تحمي المقاومة، ونصبت حكومات عميلة للدولة المحتلة.. تم ذلك عبر انقلابات عسكرية متواصلة منذ سبعين سنة أو أكثر..

لقد منعت هذه الأنظمة العميلة الماء والهواء والدواء عن أهل فلسطين إرضاء للدولة المحتلة، تلك الدولة التي أصبح رضاها هو الضمان الوحيد لبقاء هذه الأنظمة في السلطة، هذه الدولة التي تتبجح بجرائم الحرب أمام الشاشات في حروب متصلة لا تنقطع.. هذه الدولة التي لا أستطيع أن أتلفظ باسمها.. لأنني لو تلفظت باسمها قد تطير مني كل صفحاتي على السوشيال ميديا، وهي وسيلتي الوحيدة لإبداء رأيي، ووسيلتي الوحيدة للوصول إلى مئات الآلاف من المتابعين..

لقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق الفيتو عشرات المرات لكي تحمي هذا الاحتلال، واعترفت بالقدس عاصمة لتلك الدولة برغم كونها محتلة طبقا للقرارات الدولية..

إن جميع أسلحة العالم ضد من يقاومون هذا الاحتلال، وجميع استخبارات العالم تتآمر على هؤلاء المقاومين بتبادل المعلومات، وبتسهيل الاغتيالات والاختراقات..

الدول العربية بالنسبة لفلسطين أقرب بكثير من الناتو وأوروبا لأوكرانيا.. ورغم ذلك.. تعامل الأنظمة العربية الفلسطينيين أسوأ معاملة، سواء كانوا لاجئين أو مجرد عابرين في الموانئ والمطارات.

واليوم.. يكاد لا يستطيع أي حر في العالم أن يكتب كلمة تأييد للمقاومة الفلسطينية، أو كلمة إدانة للاحتلال!

لقد حذفت مئات الصفحات التي كان عليها مئات الملايين من المتابعين.. بالتهم التي نعلمها جميعا..

عزيزي المواطن الأمريكي الأوروبي الغربي..

إن غالبية شعوب العالم مع الحق الفلسطيني، ومع المقاومة الفلسطينية، وهي بالطبع ضد الاحتلال.. وأنا أرسل إليك عزيزي المواطن هذه الرسالة لكي أقول لك: لا تنتخب مجرمين موالين للاحتلال.. وتأكد أن انتخابك لهم عبر سنوات وسنوات هو ما تسبب في ما يحدث اليوم في أوكرانيا، وهو ما تسبب في قلق العالم كله من الفناء على يد مجموعة من الأنظمة الإجرامية التي تتاجر بالسلاح وبالبشر، ولا تبالي بالحقوق مهما كانت واضحة..

أقول ذلك ولا أقصد روسيا التي تحاول احتلال أوكرانيا فقط.. بل أقصد قبلها غالبية الدول التي تحاول إيقاف هذا الاحتلال.. لكي تمارس هي احتلالا من نوع آخر.. بطريقة أخرى أكثر ذكاء!

عزيزي المواطن الأمريكي الأوروبي الغربي..


بإمكانك إيقاف هذه الحرب.. وكثير من الحروب.. لو عرفت السلاح الذي في يديك وأنت تقف أمام صندوق الاقتراع!


twitter.com/arahmanyusuf
موقع الكتروني: www.arahman.net

الأحد، 14 أكتوبر 2018

اعرف عدوك ولا تنس نفسك!


اعرف عدوك ولا تنس نفسك!


عبد الرحمن يوسف

يقول لي بعض الأصدقاء إن التعجل في إعلان استشهاد الكاتب جمال خاشقجي لم يكن عملا حكيما، بل هو "تسرُّع" غير محمود. وقد يكون للكلام منطق من وجهة نظر صحفية تتعلق بثبوت الخبر، وبعواقب ذلك على مؤسسات إعلامية يرصدها العالم، ولكن البعض يتحدث عن أن الحدث مشكوك فيه أصلا، بمعنى "لماذا تقتل المملكة هذا الرجل؟ وهل يُعقل أن يكون هناك دولة بهذا الغباء؟ وماذا سيحدث إذا ظهر أن الرجل على قيد الحياة؟"!

هنا... لا بد أن نقول: "اعرف عدوك"!

* * *

يقول البعض: هل يمكن أن ترتكب الدولة السعودية هذا العمل الإجرامي؟

الإجابة المجمع عليها أنهم قتلة سفاحون، وأنهم لا عهد لهم، وأن القتل ديدنهم.. ولكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن يكون إجرامهم بهذا الشكل الأحمق؟ لا بد أن هناك فخا ما في الأمر!

الحقيقة إن الأمر أغبى من أن يكون حقيقيا (It’s too stupid to be true)!

ولكن... هل خصمنا ذكي؟

هنا مربط الفرس... يظن البعض أننا نتعامل مع خصم ذكي، ويدلل على ذلك بالنتائج، فهذا العدو تمكن من هزيمتنا، وهو يقتلنا، يعتقلنا، ويشردنا، ويبطش بنا بكافة أشكال البطش، كما أنه عدو معترف به من كل دول العالم، وهذا العدو يظهر على الشاشات مع أذكى الأذكياء، يقف جنبا إلى جنب مع نوابغ العالم (بيل جيتس، ومارك زوكربرج، وأحمد زويل... إلخ)، ولكن الحقيقة أن هذه "النتائج" ليست دليل ذكائه، بل دليل غبائنا!

إن أسوأ ما في الاعتراف بغباء الخصم هو أننا بالضرورة نعترف بأننا أغبى منه.


* * *

غباء خصمنا يتبدى في مؤهلاته العقلية (الآي كيو)، وفي مؤهلاته الدراسية العلمية المتواضعة، وفي "سيستم" تسيير الدولة الذي اختاره، وهو قائم على الفساد والمحسوبية بلا أي كوابح لهذا الفساد، وفي نوعية رجال الدولة والمستشارين الذين يقدمهم على أهل التخصص والعلم، وفي عشرات الأمور الأخرى التي لا مجال لذكرها في هذه العجالة.

لو أخذنا المملكة السعودية مثالا، سنرى أننا نتحدث عن دولة كانت تملك رجال دولة حقيقيين، فأشخاص مثل الملك فهد، ومن بعده الملك عبد الله، والأمير نايف، ومن بعده الأمير محمد بن نايف، والملك سلمان... وغيرهم.. كل هؤلاء رجال دولة أيا كان رأينا فيهم، ولكن ما هو حال المملكة اليوم؟

إن المملكة تدار من مكتب ولي العهد محمد بن سلمان، وهو شخص أقل ما يقال فيه أنه لا علاقة له بالسياسة وشؤون الحكم من قريب أو بعيد، كما أنه شخص ذو إمكانات عقلية شديدة التواضع، بشهادة غالبية من تعاملوا معه، وبطريقة إدارته للأزمات (أزمة سعد الحريري مثالا)، ومكتبه يديره شخصان؛ أولهما شخص يدعى سعود القحطاني، والثاني تركي آل الشيخ، وهذان شخصان فاشلان في كل شيء، ولديهما - وحدهما - سلطات ليست لدى أي مسؤول في المملكة!

إن الدولة التي تقبل أن تدار من صبية كهؤلاء... لا شك أنها سترتكب أخطاء في غاية الغباء، مثل قتل جمال خاشقجي بهذه الطريقة المبكية المضحكة.

* * *

هؤلاء الأغبياء يحكموننا، والخلاص منهم ليس أمرا صعبا، ولكن الله ابتلانا بنخب أعماها حقدها، وأطماعها الشخصية في المال والسلطة، وكل ذلك يستغله "الأغبياء" أفضل استغلال.

إن توحد المعارضين لحكم الأغبياء كفيل بإسقاطهم في زمن قياسي، وتحويل المعركة إلى معركة ذكاء هو أفضل السبل لذلك... ولكن البعض يصر على أن الحق تلزمه القوة، وبالتالي لا بد من حمل السلاح، ومعسكر الغباء يتفوق في حمل السلاح، فالسلاح لا يحتاج إلى ذكاء، بل يحتاج إلى كل شيء سوى الذكاء.

الحق تلزمه قوة... والقوة أكبر من أن تختزل في قوة الرصاص، فهناك قوة الحجة، وقوة الجماهير، وقوة المقاطعة، وقوة العصيان الجماعي، وقوة الحصار الاقتصادي، وقوة الإعلام البديل... هناك عشرات الأشكال من القوة التي يمكن أن تحول رصاص الأغبياء إلى ملعب هامشي في المعركة الكلية بين الحق والباطل.

إن الانجرار إلى ميدان السلاح يعني أن ينتصر الأغبياء، فهم أقدر على التعامل بالسلاح، إنه ميدانهم، وهم أقوى منا فيه... أما المقاومة السلمية... فنحن فيها أقوى، ومعركتنا الوحيدة التي انتصرنا فيها (في ثورات الربيع العربي) هي المعركة التي أجبرنا فيها عدونا على مصارعتنا في الميدان الذي نتفوق فيه... لا في الميدان الذي يتفوقون هم فيه.

* * *

أما مسألة أن يعرف الإنسان نفسه... فهو نداء لكل من هم في مثل حالة الشهيد جمال خاشقجي، إلى كل الشخصيات العامة... احترسوا، ولا تكونوا فريسة لأنظمة غبية، ولا تحسنوا فيهم الظن.

لقد دخل خاشقجي القنصلية برجليه، وهو معذور... هذه الأنظمة تستغل حاجاتنا البشرية التي لا نستطيع أن نعيش دونها! مثل حاجة الإنسان إلى شهادة ميلاد لمولود جديد، إلى شهادة زواج، إلى جواز سفر سار، إلى ختم على شهادة وفاة، إلى توكيل محام... كل هذه الحاجات الإنسانية البسيطة أصبحت قطعة الجبن التي توضع لنا في مصيدة المنفى.

لا بد أن يعرف المرء نفسه، وأن يعرف أنه مستهدف، وأنه بالنسبة لهؤلاء السفاحين مجرد نقطة في معركة طويلة... ولا بد لكل من قرر مواجهة تلك الأنظمة الإرهابية أن يتذكر أن هؤلاء السفاحين لا يتورعون عن فعل أي شيء.

أما إذا اعتمدت على أن جريمة الإيقاع بك أغبى من أن يرتكبها أحد، ففي هذه الحالة ربما تكون أنت السبب في كتابة شهادة وفاتك!!!

نسأل الله أن يكشف هذه الغمة عن الأمة، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن ينصرنا على هؤلاء الأغبياء... وأن يرزقنا البصيرة لكي لا نكون أغبى منهم!

موقع الكتروني: www.arahman.net
بريد الكتروني: arahman@arahman.net

الجمعة، 24 فبراير 2017

لقاء الكواكبي مع “سيسي”!

لقاء الكواكبي مع “سيسي”!

 عبد الرحمن يوسف القرضاوى

يجلس الشيخ “عبد الرحمن الكواكبي” بسكينة، أمامه فنجان القهوة.. 
قيل له: “لقد وصل”.

فقال: “أدخلوه”.

قيل له: “أتجالس هذا السفاح وتحاوره يا شيخنا؟”.

قال: “أما المجالسة فلا، فما هو بجليسي، بل هو الحوار، وإن الله سبحانه جل في علاه وتقدست أسماؤه وصفاته.. قد حاور إبليس الرجيم، ولولا ذلك لما حلّتْ عليه اللعنة، ولما استحق العذاب، قال تعالى: “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى? يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَى? يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)”..سورة ص، ولم يقلها سبحانه إلا بعد أن حاوره!

أدخلوه.. فوالله لو طلب إبليس لقائي لأجبته!”.

دخل الجنرال.. ينظر إلى السقف مثل عادته.. ابتسم ابتسامة بلهاء، ثم مد يديه مصافحا، ثم قال:
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

فأجاب الكواكبي: “أما المصافحة فلا.. فأنا لا أصافح إلا الرجال.. وأما السلام فلن أكذبك.. عليك ما قلت إن كنت له مستحقا.. قل ما عندك واختصر.. واعلم أنني أعلم من أنت، وما أنت، وكيف أنت، ولم أنت، ومن أين مجيئك، وأين قرارك، وإلى أين مستقرك”.

كتم الجنرال غضبه ثم قال: “لماذا هذا اللقاء الجاف يا أستاذ عبرحمن؟ حضرة النبي كان بشوشا حتى مع أعدائه!”.

أجاب الكواكبي: “أنا الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، لعن الله من فهمك أن الناس كلهم إما لواء وإما أستاذ”!!!

استغرب “سيسي”، وقال: “وبعدين بقى.. أنا حالاقيها منك ولا من ميكافيللي”؟! (اقرأ نصائح ميكافيللي إلى سيسي من هنا).

الكواكبي: “لله في خلقه شؤون.. قل ما عندك يا جنرال”.

الجنرال: أريد أن أصلح شؤون البلاد والعباد، ولذلك أريد أن أبقى أطول فترة في الحكم!

الكواكبي: لو أردت الإصلاح لتركت الحكم فورا، ولاعتزلت الناس إلى آخر عمرك تطلب الصفح من الله، ثم تطلب الصفح من الناس، ولأعدت المليارات التي سرقتها.. ولكنك تريد الثانية.. تريد البقاء في الحكم!

الجنرال: أنا ما سرقتش حاجة!!!

الكواكبي: انظر يا جنرال.. لقد بدأت حكمك بالدم، وبالدم ستستمر، وبالدم ستنتهي، وعاقبة مثلك في الآخرة جهنم، وفي الدنيا أنت ونسلك ملعون إلى يوم الدين، وإن لم تدفع ثمن الدم أنت، فتأكد أن من نسلك من سيدفع إن عاجلا أم آجلا.

واعلم أن عمرك في الحكم قصير.. ومهما فعلت ستظل خائفا مرعوبا من مطاردة الجماهير لك لكي تصلبك أو تخوزقك!

نظر الجنرال باندهاش، وقال: “أنا مش خايف من حد.. أنا مش خايف من حد.. صحيح.. باقولها تاني.. أنا مش خايف من حد!!!”.

قال الكواكبي بصوت ملؤه الثقة:

((إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.

كلما زاد المستبدُّ ظلما واعتسافا، زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق.

وإذا صادف وجود مستبدّ غير أحمق فيسارعه الموت قهرا إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمة وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرَّد أنهم لا يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم!)). “1”

قال الجنرال بتهتهة: “أنا عايز مصلحة الوطن.. وربنا يشهد”.

قال الكواكبي: “طبعا.. أنت تظن أن الله يشهد!!!

لقد قلتُ: ((إنَّه ما من مستبدّ سياسيّ إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله. ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضاً، فتتهاتر قوَّة الأمّة ويذهب ريحها، فيخلو الجوّ للاستبداد ليبيض ويُفرِّخ)). “2”

الجنرال: كده الموضوع كبر وأنا مش حاعرف أسِدِّ مع سيادتك!!!

يصرخ الجنرال: هاتوا لنا الشيخ “أحمد نجاسة” بسرعة.

يدخل الشيخ نجاسة مطأطئ الرأس، منحني الظهر، ذليلا كأن على رأسه الطير، ثم يقول بصوت خفيض: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. تحت أمر حضرتك يا جنرال.

الجنرال: “تعبتني يا فضيلة الإمام.. ده أنا باحبك.. ليه بتتأخر عليَّ يا شيخ “نجاسة”؟

يرد الشيخ بتوتر: “أنا مع حضرتك أهو”!

الجنرال: “رد على الشيخ الكواكبي.. بيقول كلام صعب أوي”!

يقول الشيخ “نجاسة”: أيوه.. لقد سمعته.. والحقيقة أن كلام الشيخ الكواكبي لا ينطبق على حضرتك.. فأنت لم تستعن بنا في الشر أبدا، بل أنت تتخذ بطانة صالحة تعينك على العدل، وتنصحك بالحق، تأمرك بالمعروف وتنهاك عن المنكر.. والله يشهد!

الكواكبي: “وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ” صدق الله العظيم!!!

الجنرال: ما ترد يا شيخ “نجاسة”.. ولا أنت بس شاطر تتعايق بالعمة والجبة وساعة الجد بتجيب ورا!!!
يقول الشيخ “نجاسة”: “كيف تقول ذلك؟ لقد بنى الجنرال تكايا ومساجد ومدارس…”.

يقاطعه الكواكبي: كذبت.. والله ما بنى إلا سجونا! اخرج من هنا.. يا لك من رجل هو واسمه سواء.. اسمك ينقض الوضوء.. أما كلامك فينقض الإيمان!!!

يقول الجنرال: “بس أنا مش حاقدر عليك لوحدي.. أنا لازم استعين بصديق”!

الكواكبي: “استعن بما شئت.. ستقف يوم القيامة وحدك.. ولن ينفعك شيخ ولا قائد حرس ولا قائد ياوران ولا رئيس وزراء.. ولا حاخامات اليهود”!

يصرخ الجنرال: “امشي انت دلوقتي يا شيخ “نجاسة”.. ونادي لي على الشيخ “عجينة اليمني” بسرعة!

يدخل الشيخ “عجينة اليمني” متظاهرا بالسكينة.. يضع على رأسه عمامة ضخمة كأنها حوض سمك، ويرتدي عباءة مطرزة بخيوط الذهب، كأنها بدلة تشريفات ملكية من عصر الملكة فيكتوريا، ويمسك في يده مسبحة ألفية من الكهرمان، لو رأيتها لظننت أنها عقد حريمي في مزاد في قاعة تحف في باريس، تفوح منه رائحة دهن العود من مسافة مائة متر..

نظر إلى الشيخ الكواكبي فحيّاهُ بابتسامة اصطنع بها الوقار.. ثم نظر إلى الجنرال، وقال: السلام عليك يا جنرال.. والله إنني كلما رأيتك حمدت الله أن أنعم بك على أرض الكنانة.. لولاك لهلك الجيش يا جنرال !!!

قال الكواكبي: لعن الله الجيوش يا من تدعى “عجينة”!

((إن أسوأ ما تبتلى به الأمم هو جهالة الأمَّة، والجنود المنظَّمة، وهما أكبر مصائب الأمم وأهمّ معائب الإنسانية، وقد تخلَّصت الأمم المتمدّنة -نوعا ما- من الجهالة، ولكنْ؛ بُليت بشدة الجندية الجبرية العمومية؛ تلك الشّدة التي جعلتها أشقى حياة من الأمم الجاهلة، وألصق عارا بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد، حتّى ربّما يصح أن يقال: إنَّ مخترع هذه الجندية إذا كان هو الشّيطان؛ فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أنْ ينتقم!

إن الجندية تُفسد أخلاق الأمّة؛ حيثُ تُعلِّمها الشّراسة والطّاعة العمياء والاتِّكال، وتُميت النّشاط وفكرة الاستقلال، وتُكلِّف الأمّة الإنفاق الذي لا يطاق؛ وكُلُّ ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم: استبداد الحكومات القائدة لتلك القوَّة من جهة، واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى)). “3”

يصرخ الشيخ عجينة اليمني: قال صلى الله عليه وسلم “تكون فتنة لا ينجو منها إلا الجند الغربي”.

يصرخ الكواكبي: كذبت يا عدو الله.. هذا حديث ضعيف بكل طرقه.. وما أنت إلا رجل بال بولة فظنها نهرا، فظل يشرب من بولته حتى تنجست أمعاؤه، ووالله الذي لا إله إلا هو لو كان لجيش أن يشهد له الرسول الكريم فحتما لن يكون هذا الجيش الذي باع أرضه إلى أعدائه بدراهم معدودات.. لقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا واحدا لا سواه.. مدح الجيش الذي يفتح القسطنطينية لا غير، وكل ما سوى ذلك كذب، فالزم حدك ولا تتعالم، ولا تزور دين الله أيها الجاهل الخبيث!

((لست أدري من أين جئتم يا فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبتم لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبتم الصبر عليهم إذا ظلموا، وعددتم كل معارضة لهم بغيا يبيح دماء المعارضين؟!)). “4”

يسكت الشيخ عجينة اليمني سكوتا مطبقا!
يلتفت له الجنرال قائلا: إيه الحكاية؟ شكلك اتكبست!

يقوم الشيخ عجينة مسرعا وهو يتمتم بكلام غير مفهوم!

في هذه اللحظة.. يمسك الكواكبي فنجان القهوة لأول مرة ثم يقول:

أترى هذا الفنجان يا جنرال؟ هذا فنجان القهوة المسموم الذي شربته هنا في القاهرة منذ أكثر من قرن من الزمان.. لم أكمل فنجاني.. كان سما قويا.. وكان ذلك عقابي لأنني حذرت الناس من أمثالك!

الجنرال: يا فضيلة الشيخ.. أنا مش عايز أستدعي أي مواجهة مع أي حد.. تنصحني بإيه؟

نظر له الشيخ ثم قال: لك مني نصيحة واحدة…
الجنرال: إيه.. أنا معاك!

ابتسم الشيخ ابتسامة ساخرة ثم قال:

هناك اختراع ظهر في عصركم اسمه الطائرة الهيلوكبتر، وهو اختراع رائع وعظيم، وأنا أنصحك أن تحتفظ في أي مكان تذهب إليه -حتى ولو لفترة قصيرة- بطائرة هليوكبتر على أهبة الاستعداد، وأن يكون مكان الطائرة لا يبعد عنك أكثر من عشر دقائق على أقصى تقدير.

صرخ الجنرال قائلا: برضه؟؟؟.. انت كمان؟؟؟

ضحك الكواكبي ثم قال: يا جنرال.. أنت مخلوع أو معزول أو مقتول!

وإياك أن تعتقد بأنك في منصبك بذكائك.. أنت في موقعك بفضل غباء خصومك من الإسلاميين والليبراليين وتفرقهم.. والله لو اتفق خصومك من التيار المدني والإسلامي عليك لما صمدت أمامهم شهورا عدة أو أسابيع.. وليس لك من إنجاز في الحكم سوى أنك تعمل ليل نهار على الوقيعة بينهم في كل مناسبة، وبلا مناسبة!

لذلك.. لا تستهر بنصيحة الهيلوكوبتر.. إنها ملاذك الأخير!

هنا وقف الجنرال قائلا: أنا ما اسمحلكش بكده.. وخلي بالك.. انت هنا عندي.. قبرك هنا في مصر القديمة!

نظر الكواكبي نظرة تحد، وقال: قبري؟ أتخوفني بقبري؟ هل تعلم أن قبري في عهدكم يا عساكر الغبرة قد أصبح قهوة بلدي؟ بماذا تخوفني؟ إن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها يا هذا!

صرخ الجنرال: إيه؟؟ حايسلخوني بعد ما يدبحوني؟؟؟

هنا.. أمسك الكواكبي بفنجان القهوة، ثم قال: لا يمكن أن يكون هناك أحد بهذا الغباء المطبق!!!

ثم شرب ما بقي من الفنجان المسموم جرعة واحدة ثم قال: ((اللهم إن المستبدين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير الدين الذي أنزلت، فلا حول ولا قوة إلا بك)).

 عبد الرحمن يوسف القرضاوى

الأحد، 5 فبراير 2017

نصائح ميكافيللي إلى "سيسي"


نصائح ميكافيللي إلى "سيسي"


عبد الرحمن يوسف
في ليلة ليلاء ... أمسكت كتاب (الأمير) لـ"نيكولا ميكافيللي" ووضعته إلى جوار كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) للمفكر العربي المغدور به "عبدالرحمن الكواكبي" ... ثم أشرت إلى كتاب الأمير ... وقلت لمن حضروا : (هذا هو السم ... والكتاب الثاني هو الترياق) ! 

أتخيل اليوم ... لو أن "ميكافيللي" و"الكواكبي" قابلا عبدالفتاح "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر ... فبماذا سينصحه كل منهما؟

لنر سويا ! 

دخل الجنرال إلى بهو القصر ... ينظر للسقف كعادته !

يحاول أن يحتفظ بنظارته الشمسية التي خُيِّلَ له أنها تعطيه وقارا وغموضا، ولكنه لم يستطع، فإضاءة القصر ضعيفة، ولا تحتمل نظارة شمسية.

"ميكافيللي" جالس في حجرة واسعة، إضاءتها أفضل من البهو، وحين دخل الجنرال لم يقم له، بل أشار له أن اجلس، ثم قال له :

أنا أعلم من أنت ... وأعلم كل ما فعلته منذ التحاقك بالكلية العسكرية مرورا بدراستك في أمريكا وصولا إلى دخولك المجلس العسكري ثم توليك مقاليد الحكم في بلدك.

هدفي من النصائح هو تحقيق هدفك الأعلى في الحياة وهو أن تستمر في حكم مصر مهما كان الثمن، وهذه النصائح سأقدمها لك بمنطق المنفعة، بغض النظر عن أي مرجعية أخلاقية، وأنا أعلم جيدا أن مسألة الأخلاق لا علاقة لها بتصرفات شخص مثلك.

الملاحظ أنك بدأت حكمك يوم 3 يوليو 2013 بظهير شعبي ضخم، وبتأييد إقليمي كبير، وتنسيق دولي قوي مع بعض الدول، ومتوسط مع دول أخرى ... (قوي مع إسرائيل وروسيا وبعض الدول العربية، ومتوسط مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا).

الآن ... تآكل ظهيرك الشعبي بشكل شبه كامل، وخسرت التأييد الإقليمي إلى حد ما، وتنسيقك الدولي متعثر بسبب سوء إدارتك، وقلة كفاءتك، وانعدام خبرتك.

والحقيقة إن خسارتك لكل ذلك في تلك الفترة الزمنية القصيرة يعتبر معجزة في حد ذاته !

حاول "سيسي" أن يدافع عن نفسه قائلا : (يا افندم أهل الشر كانوا دايما ...)

أشار "ميكافيللي" بيديه بعصبية ثم قال :

هذا الكلام تقوله في التلفاز للبسطاء ... أنا لست عبيطا لكي تقول لي هذا الكلام !

استمع لنصائحي بهدوء ثم انصرف ... نحن لسنا هنا لنتناقش في أي شيء، لقد دفعت ثمن الاستشارة خذها ثم ارحل وإياك أن تهين ذكائي !

"سيسي" : حاضر يا أستاذ "ميكافيللي" ... حاضر

يرد عليه بعصبية ... أنا لورد ... مش أستاذ ... لعن الله من فهمك أن الناس إما لواء وإما أستاذ !

"سيسي" : حاضر يا باشا

"ميكافيللي" : لورد ... باشا دي بقت دلع لكلمة لواء برضه ... افهم !

"سيسي" : حاضر ... حاضر يا لورد

"ميكافيللي" : النصيحة الأولى :

هناك اختراع ظهر في عصركم اسمه الطائرة الهليكوبتر، وهو اختراع رائع وعظيم، وأنا أنصحك أن تحتفظ في أي مكان تذهب إليه – حتى ولو لفترة قصيرة – بطائرة هليكوبتر على أهبة الاستعداد، وأن يكون مكان الطائرة لا يبعد عنك أكثر من عشر دقائق على أقصى تقدير.

"سيسي" : ليه حضرتك بتقول كده؟

"ميكافيللي" : هذا سيسهل هروبك يا جنرال ... الملفات التي قدمتها لي تقول إن كل شيء وارد وفي أي لحظة

"سيسي" : طيب ... أنا عندي سفرية لروسيا الشهر الجاي ... هل آخد معايا هليكوبتر برضه؟

"ميكافيللي" : هذا سؤال شديد الغباء يا جنرال !

الهدف من الطائرة أن تهرب للخارج ... فلماذا تأخذ الطائرة وأنت في الخارج؟

عموما ... بالنسبة لسفرية روسيا ... هذه نصيحتي الثانية :

لا تغادر البلد هذه الأيام !

صرخ "سيسي" ببلاهة : ليه؟؟؟ حايحصل حاجة؟؟؟ قل لي الله يكرمك !!!

"ميكافيللي" : افهم يا جنرال ... أنا مستشار سياسي مش عرّاف !

الوضع الداخلي يقول إن التخلص منك أصبح مطلبا ملحا، ولا بد من الحذر، وعدم وجودك داخل حدود الدولة فرصة مناسبة للتخلص منك.

"سيسي" : معقول؟ بعد كل ما فعلته لهم؟

"ميكافيللي" : لكنك ورطتهم في أمور لا يطيقها أحد يا جنرال ... أنا أستغرب من أنهم ما زالوا محتفظين بك حتى الآن أصلا ... لو طلبوا نصيحتي لنصحتهم بالتخلص منك منذ عام 2014 ولكن من الواضح أن خيالهم فقير جدا ... لقد تأكدت من ذلك بعد لقائك ...!

"سيسي" يبتسم ويظن أنه يمدح : شكرا لحضرتك يا أستاذ "ميكللي"

"ميكافيللي" : اسمي اللورد "ميكافيللي" ... وقسما عظما لو غلطت فيّ تاني مش حايحصل طيب ... ده انا من فلورنسا !!!

النصيحة الثالثة : لا تكثر من الظهور في التلفاز

"سيسي" يكاد يبكي ويقول : ليه بس؟ هو انا زعلتك في حاجة؟ دي أحلى حاجة في الحكم !

"ميكافيللي" : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ... يا جنرال افهم ... انت لا تحسن الخطابة، ولا حتى الكلام العادي، والكاميرا لا تحبك، وكلما ظهرت تتحدث في أمور تظهر حقيقة ضعفك وتهافتك وتفاهتك، بإمكانك أن تظهر يوميا على التلفاز إنه ملكك ... ولكن ذلك يضرك ... أنا أقدم لك المشورة ... وأنت حر !

"سيسي" : طب والنبي شوف لي حل في الموضوع ده ... أنا ما اقدرش على الموضوع ده !

"ميكافيللي" : طيب ... هناك حل

"سيسي" : لافيني بيه انا في عرضك

"ميكافيللي" : اظهر ... ولكن حين تتحدث لا ترتجل ... اقرأ من الورقة فقط، وإياك أن تستطرد أو أن تستظرف

"سيسي" : طيب ... حاحاول

"ميكافيللي" : النصيحة الرابعة :

حاول أن تقيم علاقات دولية طويلة المدى ... جميع علاقاتك الدولية – باستثناء إسرائيل – محكوم عليها بالفشل على المدى الطويل.

"سيسي" : ازاي؟

"ميكافيللي" : يعني موضوع روسيا وإيران ده فاكس جدا يا جنرال !

عموما ... لا زال بإمكانك أن تستعيد علاقاتك مع غالبية الدول الغربية ... خصوصا لو تصرفت بذكاء في موضوع "ريجيني" ... بالمناسبة ... حد يعمل عملة زي دي؟ انا عمري ما شفت إجرام بالغباء ده الصراحة !!!

"سيسي" : يعني اعمل ايه في موضوع "ريجيني"؟

"ميكافيللي" : لا بد أن تسلمهم شخصية كبيرة في جهاز أمني كبير، وطبعا أضعف جهاز أمني هو وزارة الداخلية ... أنا لو مكانك اسلمهم رتبة كبيرة في الداخلية.

"سيسي" : ولكن ... كده اكون خسرت وزارة الداخلية تماما !

"ميكافيللي" : وفي نفس الوقت ستكون قد بدأت صفحة جديدة مع المجتمع الدولي كله ... مكاسبك من هذا الموضوع أكبر من خسائرك الداخلية.

"سيسي" : هذه سابقة في تاريخنا المصري ... صعب !

"ميكافيللي" : انت أبو "السوابق" كلها ... (تيران وصنافير، رابعة وأخواتها، اتفاقية الغاز مع اليونان وقبرص، إزالة رفح من الوجود).

وقبل أن يستطرد يقاطعه "سيسي" : خلاص ... انت حاتعد عليّ !

"ميكافيللي" : النصيحة الخامسة :

خف ع الناس شوية الله يكرمك ... انت ايه؟ ما فيش في قلبك رحمة؟

يعني ايه كيلو العدس يبقى باربعين جنيه يا كافر؟؟؟

"سيسي" : شروط الصندوق ... اعمل ايه؟؟؟

"ميكافيللي" : عموما ... إذا استمر الضغط على الناس بهذا الشكل فتأكد أنك سوف تستخدم النصيحة الأولى في وقت قياسي.

"سيسي" : معلش ... النصيحة الأولى اللي بتقول ايه؟

"ميكافيللي" : الهيلكوبتر يا جنرال !

"سيسي" : أيوه ... افتكرت

"ميكافيللي" : النصيحة السادسة :

ممنوع القتل ... لأي سبب !

لا بد حاليا من إظهارك كحاكم محترم في المجتمع الدولي، وهذا لا يمكن أن يحصل مع استمرار الضرب في المليان، والاختفاء القسري، ومصادرة الأموال، خصوصا أنك لست مضطرا لهذا الأمر حاليا.

"سيسي" : بالنسبة لخصومي السياسيين ... أنا محتار اعمل معاهم ايه؟ تعبوني اوي !

"ميكافيللي" : غريبة ... هذا الموضوع بالذات أنت من يمكن أن تعطي فيه محاضرات ونصائح !

لقد نجحت في تفتيت كتلة المعارضة التي ضدك بشكل غير مسبوق ... المهم أن يستمر هذا الوضع لأطول فترة ممكنة ... وهذا هو المتوقع لأن قيادات المعارضة عندك في غاية الغباء.

المهم أن لا يتحقق أي اصطفاف وطني ضدك من أي نوع.

"سيسي" : إزاي؟

"ميكافيللي" : بسيطة ... استمر في تأجيج صراعات الماضي ... وتأكد من استمرار أمرين ... الأول شتم البرادعي من الإسلاميين كلما تحدث ... والثاني : استمرار لجانك الإلكترونية في عملها في كل المناسبات الثورية (باعونا في محمد محمود ... باعونا في رابعة والنهضة) وهكذا ...

وتأكد أنه طالما ظل البرادعي ومن معه من التيار المدني بعيدا عن الإسلاميين، وطالما ظل الإخوان ومن معهم من الإسلاميين بعيدين عن البرادعي والتيار المدني ... ستظل أنت في السلطة بدون أي خطر ... وسيبقى كل ما عليك أن تراضي المجتمع الدولي، وأن ترمم علاقاتك الإقليمية ... وهذه أمور لها ثمن ولكنك في النهاية لن تدفعه من جيب أبيك !

وبالمناسبة ... أسهل طريقة لتوحيد المعارضة ضدك هي أن يتخلص الإسلاميون والليبراليون من قياداتهم التي شاخت والتي سيطرت عليها أجهزتك الأمنية ودرست خيالهم المحدود ... إذا تغيرت قيادات المعارضة بقيادات شبابية أو إذا اتحد الثوار ضدك ... فهذا أمر لا حل له إلا النصيحة الأولى !

"سيسي" : النصيحة الأولى اللي هي ايه؟

"ميكافيللي" : امشي من هنا يالا ... يلعن أبو غباءك !

وهكذا ... ينتهي اللقاء ... أما لقاء "سيسي" مع "عبدالرحمن الكواكبي" فله حديث آخر إن شاء الله.

عبد الرحمن يوسف


موقع إلكتروني:  www.arahman.net
بريد إلكتروني:   arahman@arahman.net

السبت، 16 أبريل 2016

اليوم التاسع عشر !


اليوم التاسع عشر !



عبد الرحمن يوسف


ثمانية عشر يوما قضيناها في ميدان التحرير في عام 2011، ثم انصرفنا تاركين الحل والربط لتسعة عشر سفاحا أُطلق عليهم اسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية !

الجيش المصري (بتاريخه) بريء من هؤلاء !

لماذا لم يطلقوا الرصاص حينذاك؟ حموا الثورة؟ تحيزوا للشعب؟

لا والله ... بل لأنهم لو أصدروا الأوامر في عام 2011 للضباط والجنود لما أطاعوهم، ولربما جاء الأمر بنتيجة عكسية، فترى الجنود ينقلبون على قُوَّادِهِم الذين أمروهم بقتل الأبرياء.

لذلك كان لا بد أن يجلس هؤلاء الضباط في الشوارع أكثر من عامين، وأن يحتكوا بالمتظاهرين، وأن تتم الوقيعة بين المتظاهرين وبين الجنود.

كان لا بد أن يشاهد الضباط كل ليلة السيد توفيق عكاشة، والسيد أحمد موسى، وغيرهم من ضباع السلطة، لكي يصلوا في النهاية إلى تصورات (أحمد سبع الليل) عن الوطنية، فيصدقوا أن هؤلاء المتظاهرين مرتشون، وعملاء، وخونة، تمولهم إسرائيل وأمريكا وحماس، وأن هدفهم إسقاط الدولة ... والخ.

كان لا بد أن تملأ أدمغتهم أفكار وأوهام تتعلق بتعاطي الترامادول، وما يجري من فسق في خيم ميدان التحرير ... لكي تأتي اللحظة الحاسمة، وتأمره قيادته بإطلاق الرصاص، فيطلق الرصاص وهو فخور بنفسه، يشعر بأنه يجاهد في سبيل الله والوطن، ويصدق أي أفاك يقول له (طوبى لمن قتلهم وقتلوه) !
كان لا بد أن يمر ثلاثة أعوام لكي يصدق الجميع أنهم خدعوا، وأنه لا حل إلا باصطفاف وطني كامل، تمحى فيه الفروق بين المصريين.

كان لا بد أن يمر ثلاث سنوات لكي يعرف المدني والعسكري عواقب تسليم البلد لمجموعة من الخونة.

كان لا بد أن تمر ثلاث سنوات لكي يعلم القاصي والداني بما لا يدع مجالا للشك أنهم خونة.

لا أحب التخوين ... ولكن هل هناك اسم آخر لما حدث؟ إذا لم يكن بيع أرض الوطن (كاش) خيانة ... فما هي الخيانة إذن !؟ هاتوا لي اسما آخر أصف به ما حدث !

لقد سقطت مؤسسات الدولة كافة بلا استثاء يذكر في بئر الخيانة، وباعت مقدرات الوطن وثرواته، وإرادته، واستقلاله، وفي نهاية الأمر باعت جسد الوطن، فوقف لها الشعب كله صفا واحدا، بالرغم من كل الأحقاد والاستقطاب والخلافات التي لا أول لها ولا آخر.

لقد سقطت النخب كلها، من كافة التيارات والاتجاهات، واتضح أننا بلد بلا كبراء !

لقد سكت الشعب ... ثم تكلم في اللحظة الحاسمة، وها هو يمسك زمام المبادرة مرة أخرى، وهذا الشعب الذي يفعل ذلك لا يمكن إلا أن يوصف بأنه شعب عظيم !

في النهاية ... هل يعتبر ما يقوم به المصريون اليوم نهاية المطاف؟

أقول بكل ثقة:
إن ما يحدث اليوم قد يؤول إلى فشل آخر إلا إذا اعتبرنا أن هذا اليوم الجمعة 15 إبريل 2016 هو اليوم التاسع عشر من أيام ثورة يناير المجيدة، لا بد من تصحيح الخطأ التاريخي، حين انسحب الثوار في اليوم الثامن عشر من أيام الثورة يوم الحادي عشر من فبراير 2011 تاركين أمر الوطن والثورة في يد مجموعة من القتلة السفاحين !

لا بد من إسقاط النظام كما هتف المتظاهرون في شوارع القاهرة والمحافظات في 25 يناير 2011، وكما هتفوا في جمعة الأمس.

ما يحدث اليوم في الشوارع امتداد لما بدأ في يوم الثلاثاء الخالد 25 يناير 2011، والهتافات والمطالبات كلها ليست أكثر من إكمال لتلك المسيرة الخالدة.

لا بد من إعادة السيادة كاملة للشعب، ولا بد من تحقيق القصاص الكامل من كل السفاحين القتلة، ولا بد من نظام عدالة انتقالية يحقق مصالحة اجتماعية أولا، لكي نتمكن من تحقيق مصالحة سياسية بعد ذلك.

تحية لكل الصامدين في الشوارع، تحية لكل الذين صمدوا في مقاومة هذا الانقلاب العسكري الغاشم ثلاث سنوات حتى وصلنا إلى هذه اللحظة الحاسمة، تحية لكل الذي تعالوا على الخلافات، وتساموا على الجراح من أجل أن لا تباع مصر لإسرائيل.

ملحوظة : لا يوجد خلاص لـ"سيسي" إلا بالوقيعة بين الثوار، ومن يغفل عن ذلك فسوف يلدغ من الجحر نفسه للمرة الألف !

فلنكن على مستوى المسؤولية، ولنقف صفا واحدا أمام هذا النظام الذي يبيع الوطن، ويقتل المواطن.
عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

عبدالرحمن يوسف
موقع إلكتروني : www.arahman.net
بريد إلكتروني : arahman@arahman.net

الأحد، 10 أبريل 2016

تيران وصنافير.. عملية خصي الأسد

تيران وصنافير.. عملية خصي الأسد

عبد الرحمن يوسف

ما يحدث الآن في مصر بسبب وجود رئيس يرتكب الخيانة العظمى يوميا كما يتناول قهوة الصباح.. هو ترتيبات لمحاصرة مصر وتعجيزها عن خوض أي حرب، أو إنجاز أي تنمية.

لقد وضعت اتفاقية كامب ديفيد مصر في قفص، ولكنها كانت أسدا في قفص، وفي فترة مبارك بدأ التمهيد لإضعاف هذا الأسد (مع تشديد إجراءات حبسه).

كانت فترة مبارك تعتمد على تجويع الأسد، ومحاولة إطعامه طعاما فاسدا، فأصبح أسدا هزيلا لا يملك أي قدرة على الهجوم، لا يملك أي رغبة في الصراع.


***

في عهد مبارك تم وضع القفص داخل قفص أكبر، ثم أكبر، ثم أكبر، حتى أصبح الأسد داخل مجموعة أقفاص لا أول لها ولا آخر، وفي جميع الأحوال كان السيد مبارك يقف على باب القفص ومعه المفاتيح، وينفذ سائر ما تريده إسرائيل، ولا يكاد أحد يتخيل أن هذا الأسد يشكل أي خطر على أي أحد، بفضل الكنز الاستراتيجي القابع على الكرسي.

***

وجاءت المفاجأة ظهيرة يوم الخامس والعشرين من يناير عام 2011، فقد زأر الأسد، وكسر الأقفاص واحدا تلو الآخر، وأثبت أنه ما زال أسدا، وأنه يستطيع أن يفترس، وأن بإمكانه أن ينتج سلالة من الأسود الأصيلة، وبالفعل وخلال عدة شهور أنتج أشبالا رائعة، ولو تُرِكَ سيعود ملكا للغابة كما كان في أغلب مراحل عمره.

ما يحدث الآن هو محاولة نزع مخالب الأسد، وخلع أسنانه وأنيابه، وسمل عيونه، وإفقاده السمع، وقطع لسانه، وأهم من كل ذلك.. خصيه، لا بد أن يصبح هذا الأسد مخصيا، لكي يضمن أعداؤنا أن لا يخرج من صلب هذا الأسد أشبال قادرون على الدفاع عن حقوقهم.

ما يحدث الآن هو محاولة قتل أشبال هذا الأسد.. بزرع اليأس في جيل الثورة، وقتلهم، واعتقالهم، وتشريدهم في أقطار الدنيا.

***


لقد أظهرت مصر حين ثارت في يناير 2011 أنها ما زالت مصر التي تستطيع أن تكون رقما في معادلات العالم، واليوم لا بد من إخراج مصر من هذه المعادلات.

إن لسان حال أعداء مصر بعد ثورة يناير (أما زلتم بعد كل ما فعلناه بكم قادرين على الثورة؟؟؟ والله لنسلطن عليكم أراذلكم حتى يمحى ذكركم إلى يوم الدين)!

المهمة المطلوبة هي جعل مصر دولة غير قادرة على الحرب، وغير قادرة على التنمية، حتى لو تغيرت القيادة السياسية، أي محاصرة الحاضر بنظام حكم عميل، ومصادرة المستقبل بإجراءات لا تخطر على بال أحد!

إنها محاولات لرسم المستقبل البعيد مصر، وليس مجرد استفادة عابرة من ضعف مؤقت تمر به البلاد.
تخيل أنك في حالة مرض، فجاء عدو من أعدائك وقطع ذراعيك ورجليك، وحكم عليك بالعجز، وصعَّب عليك حياتك اليومية، فما بالك لو أردت أن تخوض معركة، أو أن تحصل على حقوقك!

***


لقد حوصرت مصر في الشمال بترسيم حدودها البحرية مع قبرص واليونان، فطارت منها ثروة من الغاز تُقدر بأكثر من ثلاثمائة مليار دولار، وها هي إسرائيل تجني ثمار ذلك هنيئا مريئا!

وحوصرت مصر في الجنوب باتفاقية مذلة، ستحرمها من نصيبها في مياه النيل، وستتسول مصر قطرة الماء من دول تنسق مواقفها السياسية مع إسرائيل بشكل كامل.

وحوصرت مصر في الشرق بإسرائيل، ثم بحالة الفوضى التي أصبحت في سيناء.

واليوم.. باع هذا الخائن المدعو "سيسي" جزيرتي "تيران" و"صنافير" للملكة العربية السعودية، بحجج واهية، والحقيقة التي لا يماري فيها أحد أن هذه الجزر مصرية منذ آلاف السنين، وهي داخل حدود جمهورية مصر العربية قطعا.
***


إن الأهمية العسكرية لهاتين الجزيرتين تجعل من التنازل عنهما عملا غبيا لا يقوم به إلا أحمق، قبل أن يكون خيانة عظمى بكل تأكيد!

لقد احتلت إيران جزرا إماراتية في مدخل الخليج العربي (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى)، لأنها جزر مهمة استراتيجيا وعسكريا، وادعت زورا أنها جزر إيرانية، وهي جزر تتبع إمارة رأس الخيمة قطعا.

احتلت إيران هذه الجزر في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 أي بعد خروج القوات البريطانية من الإمارات، وقبل إعلان استقلال الإمارات بيومين فقط.

(ملحوظة: الجزر الإماراتية احتلتها إيران في عهد الشاه، وقبل الثورة الإيرانية، أي أن مصالح الدول الاستراتيجية لا تتغير بتغير الأنظمة).

بمعنى آخر.. لو أن "تيران" و"صنافير" جزر غير مصرية فيجب علينا احتلالها لما لها من خطورة على أمننا القومي، فما بالك بجريمة التنازل عن هذا الموقع الاستراتيجي من أجل حفنة دولارات!!!

هذه الجزر هي مدخل خطوط الملاحة للكيان الصهيوني في البحر الأحمر، وهي مخلب لكل من يريد أن يهاجم سيناء، وفي جميع حروبنا مع الكيان الصهيوني كان لهذه الجزر دورا في المعارك مع العدو، والتفريط فيها يبدو وكأنه هدية مجانية لإسرائيل لتتفوق علينا عسكريا بسبب فقداننا للسيطرة على مدخل خليج العقبة!
***

لقد ثبت أن وضع الأسد المصري في قفص مثل (كامب ديفيد) لا يجدي، لذلك لا بد من خصي هذا الأسد، وتقطيع جسده، وتشويه حواسه، لكي يصبح أسدا لا يرى، ولا يسمع، لا يشم، ولا يملك مخالب أو أنياب، والأهم من ذلك كله.. قتل أشباله لكي لا يملك الإرادة المستقلة التي تغريه بممارسة دور الأسد هو أو أبناءه من بعده!

إن هذه المهمة القذرة التي يقوم بها أشخاص مصريون وصلوا لسدة الحكم بالحديد والنار لا يمكن أن يقوم بها محتل أجنبي، فالمستعمر لا يملك جرأة أن يفعل ذلك، ووجود أمثال هؤلاء الحثالة في سدة الحكم هو الحل الأمثل وهو الفرصة السانحة لإسرائيل ولسائر قوى الشر المتربصة بمصر لكي يضمنوا أن لا ترفع هذه الأمة رأسها مرة أخرى.

الكارثة القادمة ستكون بتدويل أزمة سيناء (وتذكروا ذلك).
***

واجب الأمة المصرية الآن أن تقف ضد هذه الخيانات كلها، وأن يتوحد الجميع من أجل منع هؤلاء الخونة من (خصي الأسد)!

لا مجال اليوم للحديث عن خلافاتنا، لأن تمكين هؤلاء من تنفيذ مخططاتهم يعني أن القادم أسود، ويعني أن انتصاراتنا عليهم قد تصبح بلا جدوى!

في الختام، لا بد أن أقول إن كل ما يجري الآن سينتهي قريبا، وإن هذه الأمة العظيمة التي تمكنت بعد ثلاثين عاما من حكم الخائن المدعو مبارك من النهوض والثورة، ستتمكن من التخلص من حكم الخائن التافه المدعو "سيسي" هو ومن معه من العساكر.

كل من ساعد هذا النظام الفاشي الفاشل على إذلال مصر، أو استغل فرصة وجود هؤلاء الخونة من أجل نهش لحم مصر.. سيدفع الثمن غاليا.. وستذكرون ما أقول لكم!

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..

موقع إلكتروني: www.arahman.net
بريد إلكتروني: arahman@arahman.net

السبت، 9 أبريل 2016

أسرار الدولة المصرية على قارعة الطريق

أسرار الدولة المصرية على قارعة الطريق

عبد الرحمن يوسف



يتساءل كثيرون كيف استطاعت أجهزة الأمن الإيطالية أن تحصل على أدلة إدانة لضباط بعينهم في قضية الإيطالي المغدور "جوليو ريجيني" رحمه الله؟

تقول القصة:

تعاقدت أجهزة الأمن المصرية مع شركة هاكينج تيم (Hacking Teamالإيطالية (وهي شركة متخصصة في مجال تكنولوجيا المراقبة والاختراق)، إنها شركة تعمل في صميم الأعمال القذرة المتعلقة بالتنصت لصالح الحكومات، والزبون الأول لهذه الشركة هو الأنظمة المتخلفة المستبدة، مثل النظام المصري!

وفي يوم 5 \ 7 \ 2015 تم اختراق شركة (هاكينج تيم) ذات نفسها، وتسربت وثائق وعقود بين حكومات مختلفة وهذه الشركة التي تقوم بــ (dirty job) لصالح الأنظمة المستبدة، وتم أيضا تسريب البرنامج الذي دفعت فيه الحكومات (ومنها حكومة العسكر في مصر)، ملايين الدولارات سنوياRemote Control System أو RCS!

يمكنك من خلال هذا اللينك الاطلاع على كامل التسريبات، ويمكنك أيضا البحث لترى نصيب كل دولة، اكتب اسم أي دولة وسترى جميع الإيميلات بين حكومة هذه الدولة والشركة، ولا تندهش حين ترى أسماء شخصيات أمنية رفيعة في الإيميلات، وتواريخ واتفاقات سرية للغاية لتفعيل هذه البرامج الخبيثة للتجسس على المواطنين ومراقبتهم.
يمكنك زيارة موقع وزارة الدفاع المصرية لتجد إيميلات رسمية بين الشركة ومسؤولين بوزارة الدفاع!

هذه خريطة الدول المتعاونة مع الشركة بالتفصيل.
حسب المعلومات السابقة ... فالأجهزة الأمنية متورطة في شراء برامج خبيثة من هذه الشركة للتنصت على المواطنين، واختراق حساباتهم، وخصوصياتهم، وأشهر هذه البرامج هو برنامج RCS الذي يستهدف الموبايلات، وأجهزة الكمبيوتر، وكاميرات المراقبة، فبمساعدة هذه البرامج يمكن تسجيل المكالمات والرسائل، بل وتسجيل مقاطع فيديو وتحديد أماكن الموبايل الشخصي وغيرها.

بإمكانك مشاهدة هذا الفيديو القصير، وهو عبارة عن فيديو دعائي أصدرته شركة هاكينج تيم لتوضيح إمكانيات البرنامج.


شاهده لتر خطورة هذه الأنظمة التي اشترتها الدولة المصرية.
من أخطر التسريبات التي خرجت إلى العلن هو الإيميل المرسل بتاريخ 4 إبريل 2012 للشركة الإيطالية من محمد منعم بعنوان:

Egyptian Army Pilot – HT أي الجيش المصري مرحلة أولى أو تجربة أولى (pilot هنا ليست بمعنى طيار، ولكن في عالم التكنولوجيا معناها مرحلة أولى)، في هذا الإيميل تبليغ للشركة بأنه قد تم الاتفاق مع (ISP) أي مع مزودي الخدمة لبداية تنزيل البرامج في الأسبوع القادم، ويقصد بمزودي الخدمة هنا أو ISP هو المسؤول عن تزويد خدمة الإنترنت أو البيانات لمصر كلها (يعني الماسورة الأم بالبلدي)، أي إن هذه البرامج الخبيثة كانت تتجسس على كل مصر، ولا توجد كلمة ولا حرف ولا إيميل ولا فيديو ولا أي شكل من أشكال المعلومات يتم إرساله أو استقباله داخل مصر، دون أن يكون هناك إمكانية التجسس عليه من هذه الشركة (إلا ما رحم ربي)!


نص الإيميل الكارثة:
By the way the customer already arranged with the ISP for this implementation and almost budget is reserved and waiting for the pilot results.
Thank you


راجع هذه الوثيقة وفيها الإيميل
تتضمن التسريبات كذلك مجموعة من تذاكر الدعم الفني التي طلبها الجانب المصري من الشركة الإيطالية لكي يدخلوا على النظام ويصلحوا خطأ ما، أو دعمهم في تعديل أو تحديث لتلك البرامج الخبيثة، وهذا معناه أن الجانب الإيطالي كان يملك كل الصلاحيات من موقعه في إيطاليا، بمعنى آخر كانت مصر كلها في أيديهم تقنيا، وبإمكانهم التجسس على أي شخص وأي جهة دون حتى علم الطرف المصري، أي إننا منحناهم حق التجسس علينا واختراقنا ودفعنا لهم ملايين اليوروهات أيضا!

نص تسريب الدعم الفني من الجانب المصري بتاريخ 1 أبريل 2014.
عن طريق هذه البرامج تمكنت إيطاليا من معرفة آخر فيديو شوهد فيه المغدور "جوليو ريجيني" قبل تسلم ملفات القضية من مصر، وتمكنت من معرفة أسماء ضباط بعينهم متورطين في قتله، وكذلك ما قيل عن أن إيطاليا تملك أدلة ملموسة بالفيديو تدل على تعذيب الضحية، وكل ما يقال عن تسريبات تتعلق بتورط مناصب عليا في الدولة في هذا الموضوع مرجعه إلى أن أسرار الدولة المصرية كانت ملقاة على قارعة الطريق، تراها جميع أجهزة الأمن في العالم!

وهذا يفسر لنا كثيرا من الأحداث من ضمنها معلومات وصلت لأجهزة التخابر العالمية، تتعلق بوقت وكيفية حدوث حادثة الطائرة الروسية في سيناء، وكيف أنها قد سقطت داخل الأراضي المصرية، برغم إعلان السلطات المصرية عكس ذلك.

إن وجود هذا الاختراق الكبير يفسر لنا أيضا كيف انكشفت الدولة المصرية في حادثة الطائرة الروسية، وكيف أصبحت أجهزة المخابرات في العالم تتناقل المعلومات فيما بينها، بينما كان النظام المصري يتسول المعلومات منهم؟!

آخر التسريبات
كان من عدة أيام، في يوم 6 إبريل 2016، حيث سرت أنباء عن أن الشركة الإيطالية توقفت عن دعم البرامج المصدرة لمصر لسبب غير معلوم حتى الآن، ويبدو أن مصر قد اكتشفت أخيرا أن مصدر المعلومات الذي تحصل عليه إيطاليا في قضية "ريجيني" هو شركة هاكينج تيم (Hacking Team)، ويبدو أن مصر هي التي ألغت التعاقد.

المضحك المبكي في الأمر أن أجهزة الأمن المصرية استعانت بهذه البرامج الخبيثة لكي توقع بالضحية "جوليو ريجيني"، أي إن "طباخ السمّ لا بد له من أن يتذوقه يوما"، ولا بد أن نقول لكل الدول التي تدعم مثل هذه الشركات ستدفعون الثمن أنتم أيضا!

يقول الخبراء إن هذا الاختراق من الصعب أن يمر على أجهزة الأمن المصرية، وأنه لا بد من وجود شخص أو مجموعة أشخاص خانوا البلد وسلموها لأجهزة التخابر العالمية بهذا الشكل المهين.

وهناك من يؤكد أن هذه الخيانة كانت من قيادات عليا، وأن الأوامر قد صدرت (من فوق)!

في نهاية هذه المقالة أحب أن أؤكد أن كاتبها ليس متخصصا، ولكنه قد نقل (بشكل دقيق) ما وصل إليه من شرفاء داخل النظام، ولا يفوت الكاتب أن يشكر جميع من تحركت ضمائرهم من ذوي الخلفيات المدنية أو سواهم لتوصيل هذه الرسالة لجماهير الأمة المصرية.

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين...


موقع إلكتروني: www.arahman.net

بريد إلكتروني:  arahman@arahman.net