الثلاثاء، 1 مارس 2022

خونة كربلاء يتجددون في عصرنا!!

 خونة كربلاء يتجددون في عصرنا!!

 أسامه شحادة

قتل الحسين -رضي الله عنه- في كربلاء، في يوم عاشوراء، كان من أعظم الفواجع التي أصابت المسلمين عبر تاريخهم، ففي فاجعة كربلاء قُتل سبط النبي صلى الله عليه وسلم وسيّد شباب أهل الجنة على يد الخونة من أهل الكوفة الذين أرسلوا له الرسل والرسائل بنصرته وتأييده، وزعموا محبتهم واتّباعهم لأهل البيت، فلما جاءهم الحسين نكصوا على أعقابهم من أجل المال الذي أغراهم به عُبيد الله بن زياد، والي يزيد بن معاوية.

وقد اعترف بهذا علماءُ الشيعة فقال محسن الأمين: "بايع الحسين عشرون ألفاً من أهل العراق، غدروا به وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه" (أعيان الشيعة 1/34).

وقال كاظم الإحسائي: "إن الجيش الذي خرج لحرب الإمام الحسين -رضي الله عنه- ثلاثون ألفاً، كلهم من أهل الكوفة ليس فيهم: شامي ولا حجازي ولا هندي ولا باكستاني ولا سوداني ولا مصري ولا أفريقي، بل كلهم من أهل اكوفة قد تجمعوا من قبائل شتى" (الإحسائي، عاشوراء،89).

وقال حسين الكورانى: "أهل الكوفة لم يكتفوا بالتفرق عن الإمام الحسين، بل انتقلوا نتيجة تلوّن مواقفهم إلى موقف ثالث، وهو أنهم بدءوا يسارعون بالخروج إلى كربلاء وحرب الإمام الحسين. وفي كربلاء كانوا يتسابقون إلى تسديد المواقف التي ترضي الشيطان وتغضب الرحمن، مثلاً: نجد أن عمر بن الحجاج الذي برز بالأمس في الكوفة وكأنه حامي حمى أهل البيت، والمدافع عنهم، والذي يقود جيشا لإنقاذ العظيم هانئ بن عروة، يبتلع موقفه الظاهري ليتهم الإمام الحسين بالخروج عن الدين!" ( كتابه رحاب كربلاء، 60).

وموقف أهل السنة من قتل الحسين يلخصه شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: "وأما مقتل الحسين -رضي الله عنه- فلا ريب أنه قتل مظلوماً شهيداً، كما قتل أشباهه من المظلومين الشهداء، وقتل الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله أو أعان على قتله أو رضي بذلك، وهو مصيبة أصيب بها المسلمون من أهله وغير أهله وهو في حقه شهادة له ورفع حجة وعلو منزلة، فإنه وأخاه سبقت لهما من الله السعادة التي لا تنال إلا بنوع من البلاء، ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما فإنهما تربيا في حجر الإسلام في عز وأمان، فمات هذا مسموما وهذا مقتولا لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء". (منهاج السنة 4/550).

وقد انتقم الله عز وجل من قتلة الحسين -رضي الله عنه-، كما روي عن الإمام الزهري قوله: "لم يبق ممن قتله إلا من عوقب في الدنيا إما بقتل، أو عمى، أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدة يسيرة".

لقد كان مقتل الحسين -رضي الله عنه- بسبب دفاعه عن مبادئ الإسلام السامية، فقد كان -رضي الله عنه- مدافعاً عن حق الأمة في تولية الأصلح من خلال الشورى، وهو الاتفاق الذي تم به الصلح بين الحسن ومعاوية -رضي الله عنهما.  

ولقد بقي موقف الحسين -رضي الله عنه- قدوة للمخلصين عبر القرون بالصدع بالحق والثبات عليه مع استحضار الحكمة، حيث أنه حين حيل بينه وبين الوصول ليزيد بن معاوية طلب أن يعود إلى مكة أو يواصل طريقه لثغور الجهاد، لكن القتلة المجرمين أصروا على أسره فقاتلهم مضطراً.

وبعد هذه الخيانة من أهل الكوفة للحسين -رضي الله عنه- وقتله، زعموا الندم على ذلك وزعموا حب الحسين وأوحت لهم شياطينهم بإقامة العزاء عليه تكفيراً عن خطيئتهم، وبقيت الشياطين تزين لهم حتى تطور هذا العزاء فأصبح (كرنفالاً) تُقام فيه العروض المسرحية ويحتفلون به في كل عام، وأضيفت له الكثير من الطقوس الوثنية والنصرانية فأصبحنا نرى السجود للقبور والتلطخ بالطين وضرب الرؤوس والأبدان بالسيوف والجنازير حتى مع الأطفال، وهذا كله من المنكرات والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي تشوه صورة الإسلام.   

وأصبحت هذه المواسم لا تقتصر على يوم عاشوراء بل تمتد لأكثر من أسبوع تتسابق فيها الهيئات الشيعية على استقدام الوعاظ المؤثرين لتهييج العواطف وشحنها عبر شعارات طائفية مثل: "هيهات مِنّا الذلة" و"كل يوم عاشوراء" و"الموت لقتلة الحسين" و"لبيك يا حسين" وغيرها من الشعارات المستفزة، لكونها موجهة للمعاصرين من السنة وإلا فقتلة الحسين -رضي الله عنه- أصلا هم من الشيعة وهم قد عوقبوا من الله عزوجل قبل أكثر من ألف عام!! فما هو الهدف من هذا الشحن الدموي كل عام؟؟

ونحمد الله أن الفضائيات كشفت حقيقة ما يسمونه "المجالس الحسينية" في موسم عاشوراء، وأنها موسم للمتاجرين من أصحاب العمائم بحب آل البيت -رضي الله عنه-م، والذين لا يهمهم من هذا الحب لآل البيت نصرة مظلوم أو إعانة مكروب، وإنما يكفيهم من ذلك الحب المزعوم لآل البيت بضعة مجالس وعْظية يملؤونها بالخرافات التي تطرب الآذان وتستقطب العواطف، ومن ثم ينكبّون في النهار على جمع "مال الخمس" بالباطل من الجماهير الشيعية المخدوعة - والتي لا تملك من أمرها شيئاً- بالافتراء على الله ورسوله بقولهم "أعطني حق جدي"!! وفي الليل ينكبّون على شهواتهم بفِرية أخرى سموها "المتعة".

والعجيب أنهم يزعمون أن اهتمامهم بموسم عاشوراء هو بقصد إشاعة وترسيخ مدرسة التضحية والفداء ونصرة المظلوم، ولذلك يقول حسن نصر الله، زعيم حزب الله الشيعي، في شرح معنى شعار "لبيك يا حسين": "لبيك يا حسين يعني أنك تكون حاضراً في المعركة ولو كنت وحدك ولو تركك الناس واتهمك الناس ولو خذلك الناس، لبيك يا حسين يعني أن تكون أنت ومالك وأهلك وأولادك في هذه المعركة، لبيك يا حسين أن تدفع الأم بولدها ليقاتل فإذا استشهد وقتل واحتز رأسه وألقي به إلى أمه، وضعته في حجرها ومسحت الدم والتراب عن وجهه، وقالت له راضية محتسبة: بيض الله وجهك يا بني كما بيضت وجهي عند فاطمة الزهراء يوم القيامة".

واليوم لو تفحصنا موقف من يدعون نصرة الحسين -رضي الله عنه- وحب آل البيت، من كربلاء عصرنا في سوريا حيث يُذبح الشعب السوري وهو صائم ومصلٍّ مثل الحسين -رضي الله عنه-، وحيث يقتل الشعب السوري لأنه يطالب بحقه في الحرية والشورى والحكم الصالح كالحسين -رضي الله عنه-، وحيث لا يفرق المجرمون بين الرجال والنساء والأطفال فيقتلون الجميع بوحشية ذكرتنا بما سطرته كتب التاريخ عن فظائع التتار!!

ولو قارنا بين موقف الشعب السوري وبين موقف حسن نصرالله وحزبه لوجدنا أن الشعب السوري هو الذي يطبق اليوم معتى شعار " لبيك يا حسين "، وأن حسن نصر الله يتاجر به!!

فكيف تقيمون مواسم عاشوراء اليوم وتبكون على ما جرى في كربلاء قبل أكثر من ألف عام، وأنتم مشاركون في كربلاء عصرنا: كربلاء الشام!!

لقد كان من صيحات الحسين -رضي الله عنه- التي تتشدقون بها: "إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما"، وهذا ما اختاره الشعب السوري الأبيّ الذي يسير على خطى الحسين -رضي الله عنه- حقاً، بخلاف ما كشفت عنه الثورة السورية من اصطفاف إيران وحزب الله وإسرائيل صفاً واحداً خلف بشار!!

في زمن الحسين -رضي الله عنه- ادّعوا نصرته وراسلوه ودعوه ثم خانوه وقتلوه، وأحفادهم اليوم زعموا نصرة المستضعفين ثم خانوهم فساروا في ركاب الظالم وقتلوا المظلومين!!


 . أسامه شحادة

 2011/12/05

المساواة والتمكين| كيف برّأت النسوية اليهودية "ليليث"؟ (10)

 المساواة والتمكين كيف برّأت النسوية اليهودية "ليليث"؟ (10)

حسب بعض الأساطير اليهودية كان لآدم -عليه السلام- زوجة أولى تدعى ليليث ثم أصبحت شيطانة (ديابلو)

محمود عبد الهادي

وجدت الحركة النسوية اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية في أسطورة "ليليث" ضالّتها، لتستند إليها في تعزيز أسسها الفكرية والاجتماعية والدينية، ودعم مطالبها في الحرية والمساواة والتمكين. وإمعانًا في ترسيخ النموذج وتسويقه أميركيًّا وعالميًّا عمدت إلى تغيير صورتها الشيطانية المرعبة التي تتصيّد الرجال وتقتل الأطفال، وتقديمها كنموذج للمرأة القوية المتمسكة بمساواتها مع الرجل، وتسعى للحصول على حقوقها بكل السبل مهما كان الثمن. وكما ذكرنا في المقال السابق، فقد كان لمجلة "ليليث" اليهودية النسوية التي صدرت عام 1976م دور كبير في تسويق ذلك.

قامت النسوية اليهودية بإعادة إحياء أسطورة ليليث، وتبرئتها، وإعادة الاعتبار لها لتكون الصورة المثالية للمرأة "النسوية" القويّة التي تصرّ على المساواة الكاملة مع الرجل في كل شيء، وفي جميع المجالات، ومستعدة للتضحية في سبيل ذلك بأي شيء بغض النظر عن العواقب.

ليليث "النسوية"

كما تجرأ الحاخام "بن سيرا" في العصور الوسطى في الافتراء على الله سبحانه وتعالى، واختلاق أسطورة ليليث، وزعم أنها زوجة سيدنا آدم الأولى، التي تمردت عليه وتزوجت بالشيطان، فعلت الدكتورة جوديث بلاسكو، النسوية اليهودية والعالمة الدينية، والعضوة المؤسسة في مجلة "ليليث"، فعلت مثلما فعل، وقامت بإعادة إحياء أسطورة ليليث، في مقال لها عام 1972 بعنوان "عودة ليليث" اختلقت فيه قصة مغايرة لقصة بن سيرا، قدّمت فيها ليليث، وقامت بتبرئتها وإعادة الاعتبار لها، لتكون الصورة المثالية للمرأة "النسوية" القويّة التي تصرّ على المساواة الكاملة مع الرجل في كل شيء، وفي جميع المجالات، ومستعدة للتضحية في سبيل ذلك بأي شيء بغض النظر عن العواقب.

قصة بلاسكو المختلقة عن ليليث صُمّمت بحيث تكون متطابقة تمامًا مع أفكار وقيم النسوية اليهودية خاصة والعالمية بشكل عام، هي زوجة سيدنا آدم الأولى، التي خلقت معه في وقت واحد من التراب نفسه، فهما متساويان في جميع النواحي. ولكن آدم لم يعجبه هذا الأمر، فقال لها في إحدى المرات إنه سيذهب ليقطف التين، وطلب منها أن تنتظره، وتنشغل بمهام الحياة اليومية في الحديقة، فرفضت ليليث ذلك، وهجرت آدم، وطارت بعيدًا عنه خارج سور الحديقة، فأرسل الرب لها ملائكة تطلب منها العودة إلى آدم أو تواجه عقابًا شديدًا، ولكنها فضّلت أي شيء على العيش مع آدم الذي يتعالى عليها، فقررت البقاء في مكانها خارج الحديقة. فخلق الرب لآدم من أحد ضلوعه زوجة ثانية هي حواء، عاش معها سعيدًا، ولكنها كانت تشعر أحيانًا بقدرات دفينة داخل نفسها، إلا أنها كانت راضية بشكل أساسي عن قيامها بدور زوجة آدم ومساعدته، وكان الشيء الوحيد الذي أزعجها هو القرب بين آدم والرب.

وفي هذه الأثناء، كانت ليليث تحاول، من وقت إلى آخر، الانضمام إلى المجتمع البشري في الحديقة، فحاولت اختراق الجدار، ولم تستطع في المرة الأولى، وذلك جعل آدم يبني الجدار بشكل أقوى وكانت حواء تساعده في ذلك، وكان يخبرها قصصًا مخيفة عن الشيطانة ليليث التي تهدد النساء أثناء الولادة وتسرق الأطفال من مهدهم في منتصف الليل. وفي المرة الثانية التي جاءت فيها ليليث، اقتحمت بوابة الحديقة، واندلعت معركة كبيرة بينها وبين آدم هُزمت فيها أخيرًا. لكن ليليث هذه المرة، قبل أن تبتعد، حصلت حواء على لمحة عنها ورأت أنها ليست شيطانًا، وإنما امرأة مثلها، فبدأت بذور الفضول والشك تنمو في ذهن حواء: هل كانت ليليث مجرد امرأة أخرى؟ وكيف بدت ليليث جميلة وقوية وتقاتل بشجاعة هكذا! وبعد بضعة أشهر لاحظت حواء أن أحد فروع شجرة التفاح ممتد فوق جدار الحديقة، فتسلقته وانتقلت إلى الجانب الآخر، حيث كانت ليليث تنتظر، فتذكرت حواء حكايات آدم وخافت، لكن ليليث استقبلتها بلطف، وتعارفتا فيما بينهما، وجلستا تتحدثان معًا عن الماضي وعن المستقبل ساعات عديدة، وتكرر ذلك مرات ومرات، تتعلم كل منهما من الأخرى أشياء كثيرة، وروتا لبعضهما قصصًا، وضحكتا معًا، حتى نمتْ رابطة الأخوة بينهما.

تناولت النسوية اليهودية في الولايات المتحدة الضغوط التي كانت على المثليين والمثليات في المجتمع اليهودي في ذلك الوقت، وطرحت أفكارًا عن الخروج إلى العلن، وتأسيس معابد يهودية للمثليين والسحاقيات، والافتراضات المتغايرة في النصوص اليهودية، والطرق التي تفرض بها المثلية الجنسية إعادة تقييم المفاهيم اليهودية التقليدية للحياة الأسرية.

وهكذا، وبعد أن حذفنا من القصة المقاطع التي تتجرأ فيها الكاتبة على الله سبحانه وتعالى، نجد بلاسكو قد كتبت قصتها لتقديم ليليث بصورة نسوية مثالية، فهي ترفض الخضوع لآدم رمز الأبوية، المتحصن بالدين والتأييد الإلهي، رغم أنهما متساويان، وهي امرأة قوية، عنيدة، إيجابية، متعاونة، بنّاءة، اجتماعية، تعتمد على نفسها، وقد عمدت بلاسكو إلى تبرئتها من جميع ما لحق بها من أفعال شريرة، وأوصاف مرعبة، امتلأت بها الروايات العديدة التي تناقلتها الأجيال على مرّ العصور. لقد أعادت بلاسكو كتابة الأسطورة، موهمة العامة بأنها أكسبت أسطورة ليليث رداء دينيًّا جديدًا يعطي لمطالب الحركة النسوية المشروعية الدينية في أوساط النساء والفتيات اليهوديات وغير اليهوديات، ويشجعهن على الاقتداء بليليث، من دون خوف أو تردد، حيث تتمتع النصوص الدينية بقدر كبير من الاحترام عند عامة الناس.

النسوية "المثلية"

تعدّ بلاسكو إحدى رائدات الحركة النسوية اليهودية في الولايات المتحدة، وهي من النساء اللواتي أسهمن بدور حاسم في تطوير الفكر النسوي اليهودي الديني، وقد رأت أن غياب وجهات النظر النسائية في التاريخ اليهودي كان له تأثير سلبي على الدين، وحثّت بشدة النسويات اليهوديات على استعادة مكانتهن في التوراة والفكر اليهودي، ويعدّ مقالها "عودة ليليث" من أوائل النصوص اللاهوتية النسوية اليهودية، بل يراها البعض من أهم النصوص اليهودية في القرن الـ20.

وتعتقد بلاسكو، مثل كثيرات من رائدات النسوية اليهودية، أن الأخلاق والنشاط الجنسي يُعدّان جزءا لا يتجزأ من اليهودية، وذلك أثر على إسهاماتها في الأخلاق النسوية، وكانت نموذجًا كاملًا لذلك، فقد ظهرت بصفتها "مثلية" في الثمانينيات من القرن الماضي، وأثار كتابها الصادر عام 1989 بعنوان "مبارك مرتين: أن تكون مثليًّا ويهوديًّا" نقاشًا طويلًا في الأوساط الدينية اليهودية في الولايات المتحدة على وجه الخصوص. والكتاب يتناول الضغوط التي كانت على المثليين أو المثليات في المجتمع اليهودي في ذلك الوقت، ويطرح أفكارًا عن الخروج إلى العلن، وتأسيس معابد يهودية للمثليين والسحاقيات، والافتراضات المتغايرة في النصوص اليهودية، والطرق التي تفرض بها المثلية الجنسية إعادة تقييم المفاهيم اليهودية التقليدية للحياة الأسرية. وبعد أن أظهرت بلاسكو مثليتها عام 1984 انفصلت عن زوجها، عالم الحاخامية روبرت غولدنبرغ، لتعيش حياتها مع شريكتها النسوية اليهودية مارثا أكيلسبيرغ، حتى اليوم منذ 30 عامًا.

تقول أفيفا كانتور زوكوف، العضوة المؤسسة لهيئة تحرير مجلة ليليث والمنظمة النسوية اليهودية والاتحاد الصهيوني الاشتراكي، عن المرأة والمساواة المرتبطة بأسطورة ليليث والكتاب المقدس "لقد أنشأ اليهود على نحو دوري حركات للعودة إلى المصادر اليهودية، والتاريخ اليهودي حافل بمثل هذه الجهود. عندما نكافح من أجل المساواة بين المرأة والرجل ونرى ليليث على أنها تجسيد لهذا النضال، فإننا جزء من هذا التقليد بالعودة إلى المصادر الدينية اليهودية، والبناء من أساسها النقي غير الملوث. لقد كان إنشاء المجلة اليهودية النسوية (ليليث) أول فرصة للنسوية اليهودية، ولاحقا للنسوية بشكل عام، من أجل المضي قدمًا، وكانت أسطورة ليليث بمنزلة إطلاق لهذا التطور المثير للاهتمام".

وقد علّق موقع "Centre of Excellence" على توظيف الحركة النسوية اليهودية لأسطورة ليليث، بقوله "إن الحركة النسوية قامت بإلقاء نظرة ثانية على قصة ليليث، لأنها ترى أنه تمّت شيطنة ليليث بشكل غير عادل، من قبل الأساطير اليهودية لرفضها الخضوع لآدم. ولكن مع استمرار الكفاح من أجل التحرر من أدوار الجنسين في الستينيات، أصبحت ليليث رمزًا نسويًّا يمثل التمرد والتحرير، فهي الآن لا تُعدّ مخلوقًا شريرًا، لكنها امرأة ذات قوة شرسة، ازدُريت لسعيها للمساواة والهروب من الهيكل الأبوي الذي قُيّدت به".

لم ترد أسطورة ليليث في التوراة، ولكن قيام بن سيرا بجمعها من موروثات الحضارات السابقة، وكتابتها وتقديمها كتفسير ديني أكسبها قداسة خاصة لدى عامة اليهود. وكذلك فعلت جوديث بلاسكو، في إعادة كتابة الأسطورة، وتقديم رؤية تفسيرية مختلقة مغايرة تمامًا لِبن سيرا، تنطلق من الأفكار والقيم النسوية التي تؤمن بها الكاتبة والحركة النسوية اليهودية، هذه الرؤية تقود الآن الحركة النسوية العالمية، والمؤسسات الأممية، والأجيال البشرية منذ سبعينيات القرن الماضي، وتستحث الخطى قدمًا كي تحقق سائر أهدافها على مرأى ومسمع من الجميع. فكيف حدث ذلك؟ وإلى أين؟

يتبع… (النسوية العالمية بعد تبرئة ليليث)




المساواة والتمكين| النسوية اليهودية وإعادة إحياء ليليث (9)

حقيقة حملة محمَّد علي على الحجاز ونجد… نحو قراءة تاريخية جديدة

 حقيقة حملة محمَّد علي على الحجاز ونجد… نحو قراءة تاريخية جديدة



بقلم د. علي الصلابي

إِنَّ الحرب بين محمَّد علي، وأتباع الشَّيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب لم تكن بين قوَّات يدين طرفاها بالإِسلام، كما لم تكن حرباً عربيَّةً، كما يحاول البعض أن يصفها، بل إِنَّ هذه الحرب كانت بين قوَّة إِسلاميَّةٍ ليست لها أيَّة أطماعٍ سياسيَّةٍ، ولكنَّها أبدت غيرةً، وحرصاً على العودة إِلى المبادئ الأساسيَّة للدِّين الإِسلاميِّ، وهي القوَّة السُّعوديَّة، كما أظهرت حماساً في دفع خطر المستعمرين (الكفَّار) عن الدِّيار الإِسلاميَّة، أمَّا القوَّة الَّتي حاربتها، والمرسلة من قبل والي مصر ـ والَّتي لم تكن مصريَّة بأيِّ صورةٍ من الصُّور؛ فأغلبها من الأرناؤوط، وبعض الأتراك، والنَّصارى، وبعض الضُّبَّاط الفرنسيِّين، ولا يحمل أغلب قادتها من الإِسلام سوى الاسم، ويصوِّر لنا المؤرِّخ الجبرتي طبيعة هذه القوَّة من خلال تعليق مَنْ وصفه بالصَّلاح، والورع، وهو شاهد عيانٍ، على هزيمة هذه القوَّات في البداية أمام أتباع الدَّعوة السَّلفيَّة، فيقول:

(أين لنا النَّصر.. وأكثر عساكرنا على غير الملَّة! وفيهم من لا يتديَّن بدينٍ، ولا ينتحل مذهبنا، وصحِبَتْنا صناديق المسكرات، ولا يسمع في عرضينا أذانٌ، ولا تقام به فريضةٌ، المؤمنون ينتظمون صفوفاً خلف إِمامٍ واحدٍ بخشوعٍ وخضوعٍ، وإِذا حان وقت الصَّلاة والحرب قائمةٌ؛ أذَّن المؤذِّن، وصلُّوا صلاة الخوف، فتتقدَّم طائفةٌ للحرب، وتتأخَّر الأخرى للصَّلاة، وعسكرنا يتعجَّبون من ذلك؛ لأنَّهم لم يسمعوا به فضلاً عن رؤيته، وينادون في معسكرهم هلمُّوا إِلى حرب المشركين، المحلِّقين الذُّقون، المستبيحين الزِّنى، واللِّواط، الشَّاربين الخمور، وكشفوا عن كثيرٍ من قتلى العسكر، فوجدوهم غلفاً عير مختونين، ولمَّا وصلوا بدراً، واستولوا عليها، وعلى القرى، والخيوف، وبها خيار النَّاس، وبها أهل العلم الصُّلحاء؛ نهبوهم، وأخذوا نساءهم، وبناتهم، وأولادهم، وكتبهم).

إِنَّ محمَّد علي لم يكن متقيِّداً بشرع الله في حربه، بل كان مخالفاً للشَّرع، متعدِّياً على حدود الله تعالى، غير مبالٍ بأحكام الإِسلام، فهذا جيشه يقتل، ويدمِّر، ويأخذ الأموال، ويهتك الأعراض من المسلمين الموحِّدين.

فهذا عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ في موقعة الجمل يقول لأصحابه: (لا تتبعوا مدبراً، ولا تُجهزوا على جريحٍ، ومن ألقى سلاحه فهو آمنٌ).

وقال: (.. وإِيَّاكم والنِّساء، وإِن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم، وإِنَّ الرَّجل ليتناول المرأة بالجريدة، أو الهراوة فيعيَّر بها هو، وعقبه من بعده…).

وعن أبي أمامة الباهليِّ ـ رضي الله عنه ـ قال: «شهدت صفِّين، وكانوا لا يجهزون على جريحٍ، ولا يقتلون مولِّياً، ولا يسلبون قتيلاً..».إِنَّ السُّلطان العثمانيَّ كان يكفيه خضوع الحجاز لحكمه، ومهاجمة الدِّرعيَّة لم تكن مطلباً ملحَّاً، أو ضروريَّاً للدَّولة العثمانيَّة، وكان محمَّد علي متشدِّداً في شروط الصُّلح ممَّا يدلُّ على حرصه على استمرار الحرب؛ لأنَّ هدفه من هذه الحرب خدمة أطماعه التَّوسُّعيَّة في إِطار ما تسمح به أهداف السِّياسة البريطانيَّة في المنطقة، بعد أن أصبحت الدَّولة السُّعوديَّة تشكِّل خطراً بالغاً على الوجود البريطاني في المنطقة بأسرها سواءٌ في البحر الأحمر، أم في الخليج العربيِّ، أم في وصولها إِلى الطَّريق البرِّيِّ عبر العراق، وأصبحت بريطانيا تحسُّ بتهديدٍ حقيقيٍّ لمصالحها في الشَّرق، ولهذا فإِنَّ وصف هذه الحملة بأنَّها حملة صليبيَّة في ثوبٍ إِسلاميٍّ يعدُّ وصفاً حقيقيَّاً.

عندما انهزم طوسون بن محمَّد علي أمام الأمير عبد الله بن سعود، وتحطم نصف جيشه؛ خرج محمَّد علي بنفسه إِلى الحجاز عام 1813 م، وقبض على شريف مكَّة غالب بن مساعد، واتَّهمه بالتَّآمر مع السُّعوديِّين، وصادر كلَّ ما يملك من أموالٍ، وأثاثٍ، ومتاعٍ، وبذلك أصبح شريف مكَّة من موظَّفي محمَّد علي في الحجاز. 

ولم يلبث أن انتصر محمَّد علي في يناير 1815 م على القوَّات السُّعوديَّة في موقعة بسل، وهي الموقعة الَّتي يعتبرها البعض «من أكبر وقائع الحرب الوهَّابيَّة، بل من أهم المعارك في تاريخ مصر الحربيِّ».

ولم يمكث محمَّد علي في الجزيرة العربيَّة ليتابع النَّصر الَّذي أحرزه، بل عاد إِلى مصر تاركاً ابنه طوسون بالحجاز، وسرعان ما تمكَّن طوسون من هزيمة السُّعوديِّين هزيمةً جديدةً لأوَّل مرَّةٍ، وأسرع بالزَّحف على القسم الشَّمالي من نجد، فبلغ في زحفه مدينة الرَّسِّ، ثمَّ احتلَّ الشَّبية، وأصبح الطَّريق إِلى الدِّرعيَّة مفتوحاً أمامه، وأسرع الأمير عبد الله بطلب فتح باب المفاوضات حقناً للدِّماء، وحماية للمدن، والقرى، ودارت المفاوضات بين الطَّرفين على مشروع الصُّلح بالشُّروط التَّالية:

1 ـ احتلال القوَّات المصريَّة الدِّرعيَّة.

2 ـ أن يضع الأمير عبد الله نفسه تحت تصرُّف طوسون باشا، فيسافر إِلى الجهة الَّتي يريده أن يسافر إِليها.

3 ـ أن يؤمِّن الأمير عبد الله سبل الحجِّ، وأن يكون خاضعاً لحكم المدينة من قبل محمَّد علي إِلى حين الموافقة على الصُّلح.

4 ـ ألا تصبح هذه الشُّروط ـ في حالة الاتِّفاق عليها ـ نافذة المفعول إِلا بعد إِقرارها من محمَّد علي.
غير أنَّ هذه الشُّروط لم تقبل من جانب الأمير عبد الله، وقرَّر إِرسال وفد إِلى مصر للتَّفاوض مع محمَّد علي مباشرةً حول شروط الصُّلح، إِلا أنَّ الوفد فشل في مسعاه بسبب تشدُّد الباشا، وتأهَّب السُّعوديُّون للحرب، والقتال، فأرسل محمَّد علي حملةً جديدةً عام 1816 م بقيادة ابنه إِبراهيم باشا.

وزحف إِبراهيم باشا بقوَّاته من الحجاز صوب نجدٍ، ونجح في الاستيلاء على مدن عنيزة، وبريدة، وشقراء، وإِخضاع كلِّ منطقة القصيم، واتَّبع إِبراهيم في زحفه سياسة الملاينة مع القبائل، وهي سياسةٌ كان من شأنها استمالة عددٍ كبيرٍ من أهل نجد؛ إِذ كان يعقد دائماً المجالس، ويمنح الهبات للنَّاس، واتَّخذ في بداية الأمر أسلوباً استعطف به القبائل، فمنع النَّهب، والسَّلب، واستطاع بخبرائه العسكريِّين الفرنسيِّين أن يواصل زحفه حتَّى الدِّرعيَّة الَّتي ضرب الحصار عليها لمناعتها، وكان حصاراً طويلاً استمرَّ من 6 أبريل إِلى 9 سبتمبر 1818م، وانتهى باستسلام الأمير عبد الله بن سعود، ودخول إِبراهيم الدِّرعيَّة، حيث أرسل من هناك الأمير السُّعودي في حراسةٍ مشدَّدةٍ إِلى مصر، ثمَّ أرسل من القاهرة إِلى إِستانبول لقد شُهِّر بالأمير عبد الله في شوارع إِستانبول ثلاثة أيَّامٍ كاملة ثمَّ أمر بإِعدامه شنقاً، فرحمة الله على ذلك المظلوم وستظهر حقيقة مقتله يوم الأشهاد. 

إِنَّه الَّذي دعا إِلى الصُّلح صلح أهل الجزيرة من خلال رسالةٍ وجَّهها الشَّيخ أحمد الحنبلي إِلى طوسون، لقد بيَّنوا: أنَّهم يعترفون بإِمارة السُّلطان العثماني، وأنَّهم لا يخرجون على دولة الخلافة، فَلِمَ إِذاً كان الإِصرار على توجيه القوَّات إِلى جزيرة العرب؟ وهكذا أزهقت أرواح المسلمين بأيدي بعضهم البعض، نتيجة كيد الأعداء.

لقد قام أهل الجزيرة بمساندة مسلمي مصر عندما احتلَّها الفرنسيُّون، فلماذا هذا الاعتداء المتعمَّد؟! 

إِنَّ محمَّد علي استطاع بواسطة الزُّعماء الَّذين يُنسبون إِلى الإِسلام أن يُقنع كثيراً من عوامِّ النَّاس بأنَّهم يفعلون ذلك امتثالاً لأمر خليفة رسول الله، الَّذي له عليهم حقُّ السَّمع، والطَّاعة، وأنَّ الهدف من ذلك منع جزيرة العرب من الانفصال عن جسد دولة الخلافة.

إِنَّ قضيَّة الولاء، والبراء كانت غائبةً تماماً عن محمَّد علي، بدليل: أنَّه أعطى ولاءه لأعداء الإِسلام، وسمح لهم بأن يقودوه، ويقودوا الأمَّة معه إِلى حتفها، وهذه نتيجةٌ عمليَّةٌ لوصول تاجر دخان ظلَّ غير معروف النَّسب إِلى سدَّة الحكم في بلاد المسلمين.

لقد كانت سعادة بريطانيا كبيرةً عندما علمت بسقوط الدِّرعيَّة، عاصمة الدَّولة السُّعوديَّة الأولى في أيدي قوَّات إِبراهيم باشا، فقد كانت هي الدَّولة السَّلفيَّة الَّتي دعمت القواسم في جهادهم ضدَّ بريطانيا في الخليج العربي، ممَّا يعني تهديد المصالح البريطانيَّة في الهند، كما أسلفنا، وهنا يجدر بنا أن نسأل، خاصَّةً في تلك الأحداث الَّتي عاشها العالم الإِسلاميُّ في تاريخه الحديث، لنقول: لو أنَّ جيوش محمَّد علي، وجيوش الدَّولة العثمانيَّة تعاونت مع الدَّولة السُّعوديَّة الأولى بدلاً من أنْ تحاربَها، لِتَقِفا معاً في وجه الأطماع الأوربيَّة بشكلٍ عامٍّ، وبريطانيا بوجهٍ خاصٍّ، إِنَّه لو تمَّ ذلك لتغيَّر وجه التَّاريخ، خاصَّةً: أنَّ الدَّولة السعوديَّة دولةٌ مسلمةٌ أقامت دعائمها على المبدأ السَّلفي الصَّحيح، والعالم الإِسلاميُّ في تلك الفترة في أمسِّ الحاجة إِليها، وعلى أيَّةِ حالٍ فلقد أدركت بريطانيا مدى الاستفادة من هذه الظُّروف، فأسرعت بزفِّ التَّهاني إِلى إِبراهيم باشا، من مبدأ الاحتواء في ضوء المصالح الذَّاتيَّة لها، وبعثت بالكابتن جورج فورستر سادلير لتقديم التَّهنئة لإِبراهيم باشا لاستيلائه على الدِّرعيَّة، ولمحاولة إِيجاد قاعدةٍ يمكن من خلالها التَّنسيق بين قوَّات الباشا البرِّيَّة، والقوَّات البريطانيَّة البحريَّة للقيام بعملٍ حربيٍّ مشتركٍ ضدَّ القواسم، أتباع الدَّولة السُّعوديَّة الأولى.إِنَّ العلاقة بين بريطانيا، ومحمَّد علي قديمةٌ، وفي بداية حكمه دخل في مفاوضاتٍ معهم استمرَّت أربعة أشهر أكَّد فيها محمَّد علي جدِّيَّته، ورغبته المخلصة في الارتباط بهم، بل وطلب وضع نفسه تحت حمايتهم، وهو ما يؤكِّده تقرير فريزر الَّذي تولَّى التَّفاوض معه، الأمر الَّذي أدَّى ـ بعد اقتناعهم بذلك ـ إِلى تخلِّيهم عن أصدقائهم من المماليك، وقد تضمَّن التَّقرير الَّذي أعدَّه قائد الحملة فريزر الَّذي تفاوض مع رسل محمَّد علي، والَّذي أرسله إِلى الجنرال مور في 16 أكتوبر سنة 1807م أهمَّ جوانب هذه المفاوضات، فقد جاء فيه: (أرجو أن تسمحوا لي بأن أبسط لكم؛ ليكون.. موضع نظركم فحوى محادثةٍ جرت بين باشا مصر، والميجر جنرال «شريوك» والكابتن «فيلوز» أثناء قيامهما بمهمَّتهما لدى سموه 

ـ ولديَّ ما يجعلني أعتقد أنَّ هذه المحادثة 

ـ ومن اتِّصالاتٍ خاصَّةٍ كثيرةٍ أخرى كانت لي معه ـ بأنَّه جادٌّ، وصادقٌ فيما يقترحه 

ـ لقد أبدى محمَّد علي باشا والي مصر رغبته في أن يضع نفسه تحت الحماية البريطانيَّة، ووعدناه بإِبلاغ مقترحاته إِلى الرُّؤساء في قيادة القوَّات البريطانيَّة؛ كي يقوم هؤلاء بإِبلاغها إِلى الحكومة الإِنجليزيَّة للنَّظر فيها، ويتعهَّد محمَّد علي من جانبه بمنع الفرنسيِّين والأتراك، أو أيِّ جيشٍ تابعٍ لدولةٍ أخرى من الدُّخول إِلى الإِسكندريَّة من طريق البحر.

 ويعد بالاحتفاظ بالإِسكندريَّة كصديقٍ، وحليفٍ لبريطانيا العظمى، ولكنَّه لا مناصَ له من الانتظار أن تعاونه إِنجلترا بقوَّاتها البحريَّة؛ إِذا وقع هجومٌ عليه من جهة البحر؛ لأنَّه لا يملك سفناً حربيَّةً، ويوافق محمَّد علي باشا في الوقت نفسه على تزويد كلِّ السُّفن البريطانيَّة الَّتي تقف على بعدٍ من الإِسكندريَّة بما قد تحتاج إِليه من ماء النِّيل عند إِعطائها إِشارةً يصير الاتِّفاق عليها).

وقد علَّق القنصل الفرنسي «دروفتي» على ما بلغه من معلوماتٍ حول الاتِّفاق بين محمَّد علي والإِنجليز؛ الَّذي هو من نوع معاهدة بأنَّ (مثل هذه المعاهدة عند إِبرامها سوف تحقِّق الأغراض الَّتي توخَّاها الإِنجليز من إِرسال حملتهم على مصر إِن لم يَفُق أثرها من هذه النَّاحية كلَّ ما كان يتوقَّعه هؤلاء من إِرسال هذه الحملة).

ولم يشأ الإِنجليز الإِعلان عن كلِّ ما احتوته بنود هذه الاتِّفاقيَّة في أعقاب توقيعها، وإِخلائهم الإِسكندريَّة، وتسليمها إِلى باشا مصر، حيث رأت بريطانيا ضرورة التَّريُّث في ذلك لما تحتويه من إِعلان العداء الواضح للدَّولة العثمانيَّة، لمساندتها لحاكم يريد الاستقلال عنها في وقتٍ كانت الدِّبلوماسيَّة الإِنجليزيَّة لها مصالحها الكبرى مع دولة الخلافة، والاستفادة منها ومن عميلها الجديد لبسط نفوذها على المنطقة؛ إِن أمكن.

مراجع:

– علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م، ص. ص (287-291).
– محمَّد أديب غالي ،من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي، ، دار اليمامة السُّعودية، ط1 سنة 1975م، ص 110.
– زكريا سليمان بيومي،قراءة جديدة في تاريخ العثمانيِّين ،عالم المعرفة، الطَّبعة الأولى 1411هـ/1991م، ص 189.
– عبد الرحيم عبد الرحيم، الدَّولة السُّعوديَّة الأولى، جامعة القاهرة – معهد البحوث والدراسات العربية, 1975، ص (199 ـ 235).
– اسماعيل أحمد ياغي،العالم العربي في التَّاريخ الحديث، مكتبة العبيكان، السعودية/ 1418هـ/1997م، ص 174.
– جمال عبد الهادي، وفاء محمد رفعت جمعة، علي أحمد لبن، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، مصر. الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م.ص 96.
– عايض بن خزَّام الرُّوقي ،حروب محمَّد علي في الشَّام، وأثرها في شبه الجزيرة العربيَّةـ، مركز بحوث الدِّراسات الإِسلاميَّة، مكَّة المكَّرمة.1414ه، 1993م، ص112



بداية العلاقات بين المسلمين والروم

بداية العلاقات بين المسلمين والروم

عندما ظهر الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي، كان هناك دولتان كبيرتان تقتسمان الزعامة على العالم المعروف يومئذ، وهما دولتا الفرس والروم. فقد كان الروم يبسطون سلطانهم على الشام ومصر- منذ قرون عديدة- وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية- مهد الإسلام- من الشمال والشمال الغربي، وكان الفرس يبسطون سلطانهم على اليمن والعراق، وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية من الجنوب والشرق.

وقد ظهر الإسلام في الوقت الذي كانت الحرب فيه مشتعلة بين الفرس والروم فالعداء بن الدولتين قديم ومزمن.

هزيمة الروم أمام الفرس

وفي أثناء هذا الصراع الأخير بينهما تغلب الفرس على الروم في البداية، وقهروهم واكتسحوا أهم وأغنى ولاياتهم في الشرق، وهي الشام ومصر، ووصلوا في زحفهم إلى مدينة الإسكندرية عام 619 م 1 . وقد ألحق الفرس بالروم إهانة كبيرة عندما استولوا على فلسطين- مهد المسيحية- ونقلوا الصليب المقدس إلى بلادهم- كان كل ذلك يجري «إبّان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة والمشركين، ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب، دينهم النصرانية وكان الفرس غير موحدين دينهم المجوسية فقد وجد المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألا حسنا لانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان»2.

ومعنى هذا أن العرب في شبه الجزيرة العربية، والمسلمين والمشركين على السواء كانوا على علم بما يدور حولهم بين الدولتين الكبيرتين. وكان المشركون فرحين بانتصار الفرس على الروم، وفي نفس الوقت كان المسلمون يحبون أن ينتصر الروم على الفرس.

انتصار الروم على الفرس وتحقق وعد الله عز وجل

ودخل المسلمون في نقاش وجدل حول هذه القضية، ولمن تكون الغلبة في النهاية. فحسم القرآن الكريم الأمر في سورة من سوره المكيّة التي سميت باسم سورة الروم فقال تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 1- 5] .

جاءت هذه الآيات الكريمة «تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين»3.

وقد تحقق ما تنبأ به القرآن الكريم، وكان حتما أن يتحقق ما أنبأ به العليم الخبير فمع بداية العقد الثالث من القرن السابع الميلادي، بدأ تيار الحرب يتجه ليسير لصالح الروم، وأحرزوا انتصارات كبيرة على الفرس، وطردوهم من مصر والشام، في أقل من ست سنوات (622- 627 م) ولاحقوهم في بلادهم ذاتها «وفتحت معركة نينوي (سنة 627 م) في العراق، التي اندحر فيها الفرس الطريق أمام البيزنطيين- الروم- للزحف على بلاد فارس»4.

انشغال الفرس والروم عن الدعوة الوليدة .. تدبير إلهي

وهنا نلاحظ وجود توافق أو اتفاق بين أحداث تاريخية كبيرة فهل كان هذا التوافق مجرد مصادفات؛ أو أنه يسير وفق قوانين كونية وتدبير خفي لا يعلمه إلا علام الغيوب وحده سبحانه وتعالى؟!!.

فقد بعث النبي محمد صلّى الله عليه وسلم (سنة 610 م) . وهي نفس السنة التي اعتلى فيها هرقل عرش الإمبراطورية البيزنطية، وأخذ يهيئ الدولة لحرب الفرس وبدأ هجومه عليهم (عام 622 م) وهو نفس العام الذي هاجر فيه النبي صلّى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وتمكن هرقل من هزيمة الفرس- كما أسلفنا- ووقّع معهم (سنة 628 م) معاهدة صلح استعاد بمقتضاها كل المناطق التي استولوا عليها، ثم استرد الصليب المقدس5 وعاد هرقل من جولته مع الفرس منتصرا، قاصدا بيت المقدس ليرد الصليب المقدس إلى مكانه، ويحج إلى القدس شكرا لله على انتصاره على الفرس.

وهنا جاءته رسالة من النبي محمد صلّى الله عليه وسلم، يدعوه فيها إلى الإسلام، وكان ذلك بعد صلح الحديبية الذي كان في نهاية العام السادس الهجري.

فهل توافق كل هذه الحوادث الكبيرة والخطيرة، والتي غيرت مجرى التاريخ العالمي كله، وأثرت في مصير البشرية، ووجهته وجهة جديدة، هل كان هذا التوافق مجرد مصادفات، أو أن في الأمر تدبيرا إلهيّا يريده الله ولا ندرك نحن أبعاده؟ … الله وحده هو الذي يعلم حقيقة ذلك.

على كل حال كان من حسن الحظ- كما أسلفنا- أن الإسلام ظهر وقوي واشتد عوده ومضى على ظهوره ما يقرب من عشرين عاما، قبل أن يتنبه الفرس والروم كلاهما لخطورة ما حدث، ولم يقدروا أبعاده، ولم يستطيعوا أن يفهموا أن دينا جديدا قد نزل، وأن دولة جديدة قامت على أساس هذا الدين. وأن العرب- الذين كانوا يحتقرونهم بالأمس- سوف يخرجون من جزيرتهم تحت راية هذا الدين. وسوف يدعونهم للدخول في دينهم، فإن أجابوا فهم إخوانهم؛ لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن رفضوا وقاوموا الدين وصدوا الناس عنه؛ فسوف يحاربونهم ويقهرونهم جميعا، وينتزعون منهم سيادة العالم، وسوف يخلصون الشعوب من نير حكمهم واستغلالهم، ويوجهون مصيرها وجهة صالحة نافعة، ويخرجونها من ضلالات الوثنية والشرك بالله إلى توحيده توحيدا خالصا من كل شائبة، وسوف يقيمون العلاقات الإنسانية على أسس فاضلة ومثل عليا. فلما بدأ الفرس والروم جميعا. يدركون أن الإسلام خطر على سلطانهم، وأرادوا مقاومته كان الوقت متأخرا جدّا بالنسبة لهم. ففي خلال هذه السنوات التي انشغل فيها الفرس بالروم والروم بالفرس، استطاع النبي صلّى الله عليه وسلم أن ينشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية. وأن يؤسس دولة الإسلام الفتية. وأن يخرج بالإسلام من شبه الجزيرة العربية إلى العالم، فالإسلام لم يأت للعرب وحدهم، وإنما لكل الجنس البشري، وهنا بدأت العلاقات بين المسلمين والروم.

المسلمون قبل اتصالهم بالروم

في الفترة المكية من حياة الإسلام، كان النبي صلّى الله عليه وسلم مشغولا بأمر قريش ودعوتها إلى الإسلام، ومقاومتها للإسلام. فلم يكن ممكنا ولا منطقيّا أن يخاطب العالم الخارجي ويدعوه للإسلام، قبل أن يسلم أهل مكة وهم أهله وعشيرته الأقربون.

ولم يحدث اتصال- في تلك الفترة- بأمم أخرى غير العرب، سوى ذلك الاتصال الذي حدث مع الحبشة عند هجرة المسلمين إليها في العام الخامس من البعثة النبوية6.

تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش

كذلك في السنين الأولى بعد الهجرة، لم تتهيأ الفرصة أمام النبي صلّى الله عليه وسلم للاتصال بالعالم الخارجي؛ لأنه كان أمامه مهمات شاقة كان لا بد أن ينجزها قبل أن يخاطب العالم، ليبلغ رسالته للناس جميعا. كان أمامه أمر بناء الدولة الإسلامية وإرساء دعائمها، وكانت أمامه قريش، التي لا زالت مصرة على مقاومة الدعوة وصد الناس عنها. والحقيقة أن موقف قريش من الإسلام كان في غاية الخطورة؛ لأن بقية العرب كانوا يتربصون بإسلامهم أمر قريش؛ لأن قريشا كانوا أئمة العرب وأهل البيت الحرام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك. ولذلك كان النبي صلّى الله عليه وسلم يعطي لأمر قريش الأولوية على سواه. «فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله …»7.

تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة

وكان أمام النبي صلّى الله عليه وسلم مشكلة اليهود، وتأمرهم على الإسلام والمسلمين، وكيدهم لهم. وقصة اليهود مع الإسلام منذ ظهوره قصة طويلة، فمنذ هاجر النبي صلّى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بدأت فصول هذه القصة التي لم تنته بين الإسلام واليهود حتى الآن.

وعند هجرة الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة عاهد اليهود واعتبرهم مواطنين في دولة الإسلام، وضمن لهم حرية عقيدتهم وشعائرهم الدينية وأحسن معاملتهم8. ولكنهم لم يحسنوا هذه المعاملة؛ لما جبلوا عليه من لؤم الطبع والمكر والخيانة؛ فهم شر الدواب الذين ينقضون عهدهم في كل مرة، ولا يرعون عهدا ولا وعدا.

يهود بني قينقاع

فبعد الانتصار الرائع للرسول صلّى الله عليه وسلم على قريش في غزوة بدر الكبرى، في رمضان من السنة الثانية للهجرة، تحركت أحقاد يهود بني قينقاع وحزنوا على هزيمة قريش، وأظهروا استياءهم لانتصار المسلمين، وأخذوا يتحرشون بهم، ولم يراعوا ما بينهم وبين المسلمين من عهود، فنقضوها ونكثوا بها، فأجلاهم النبي صلّى الله عليه وسلم عن المدينة9.

يهود بني النضير

ثم جاء دور بني النضير بعد غزوة أحد في العام الهجري الثالث، وتأمرهم لقتل النبي صلّى الله عليه وسلم، مما جعل طردهم من المدينة أمرا ضروريّا؛ جزاء هذا المكر الخبيث، وتخليص عاصمة الإسلام من هذا الميكروب اللعين10 . ولكن بني النضير لم يتعظوا بما حل بهم، فقد استمروا في التأمر ضد الرسول والمسلمين، ولعبوا دورا خطيرا في تأليب قريش وحلفائها لمهاجمة المدينة فيما عرف بغزوة الأحزاب في نهاية العام الخامس للهجرة.

يهود بني قريظة

كما تولى زعيمهم حيىّ بن أخطب أمر تأليب بني قريظة وحملهم على نقض عهودهم مع النبي صلّى الله عليه وسلم، والانضمام إلى قريش والأحزاب في محاولة استئصال المسلمين، وأوقعهم في ارتكاب الخيانة العظمى ضد الدولة الإسلامية في وقت الحرب. الأمر الذي جعل لزاما على النبي صلّى الله عليه وسلم أن يعاقبهم العقاب العادل، فلم يكد الأحزاب يرجعون خائبين، حيث ردهم الله تعالى بغيظهم لم ينالوا خيرا، حتى تحرك الرسول بسرعة وحاصر يهود بني قريظة وقضى عليهم11 .

يهود خيبر

ولكن دسائس اليهود وأحقادهم لم تنته بطرد بني قينقاع وبني النضير من المدينة، واستئصال بني قريظة، بل استمروا في التأمر من خيبر12 وغيرها من المستعمرات اليهودية في شمال المدينة، الأمر الذي كان يشكل عقبة كبيرة في طريق انطلاق الدعوة الإسلامية، وكان وجود اليهود في خيبر وما جاورها من واحات يهودية في شمال المدينة بينها وبين الشام، يعد خطرا على الدعوة الإسلامية التي لا بد أن تسلك هذا الطريق لتخرج إلى العالم. ولذلك لم يكد الرسول صلّى الله عليه وسلم يعود من الحديبية في نهاية العام السادس للهجرة حتى تحرك لحصار اليهود في خيبر، والقضاء على أخطر وكر من أوكار الخيانة والغدر ضد الإسلام في شبه الجزيرة العربية. داهم الرسول صلّى الله عليه وسلم اليهود في خيبر، وصاح الصيحة التي زلزلت الأرض تحت أقدامهم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ»13 بدأت المعارك في خيبر شرسة، ولكن تحت ضربات جند الله القوية، أخذت حصون خيبر المنيعة تتساقط في أيدي المسلمين بما فيها ومن فيها، وأذعنوا واستسلموا وطلبوا الصلح، هنا يقدم لنا النبي صلّى الله عليه وسلم مثلا رائعا في العفو والتسامح والإنسانية، فقد كان قادرا على إبادتهم نهائيّا ومحوهم من الوجود. ولكنه لم يأت ليدمر ويبيد الناس، وإنما جاء هاديا ورحمة للعالمين، ومعلما للدنيا كلها. ولم يكن ليهدف إلا لإزالة العقبات من أمام الدعوة الإسلامية حتى تشق طريقها للناس في حرية وأمان. فقبل مصالحتهم وأبقاهم في أرضهم وديارهم، ولم يصنع أحد قبل النبي صلّى الله عليه وسلم، ولا بعده مثل هذا الصنيع مع عدو ماكر خبيث، فلو أن أي قائد آخر وقف مثل هذا الموقف، لما كنا ننتظر منه سوى القضاء عليهم قضاء تامّا، ولكنه الرحمة المهداة للبشرية كلها. انتهى أمر اليهود في خيبر على هذا النحو، كما انتهى أمر اليهود الآخرين في المستعمرات اليهودية القريبة الآخرى في فدك وتيماء ووادي القرى على نحو مشابه وخضعوا لمثل ما خضع له يهود خيبر14 ، ولكنهم دائما تحت المراقبة الحذرة من جانب المسلمين.

اتصال المسلمين بالروم…إرسال السفراء إلى الملوك والأمراء

في بداية العام السابع للهجرة، بدأت تتهيأ للرسول صلّى الله عليه وسلم الفرصة للخروج بالدعوة الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية. فبمعاهدة الحديبية أمن جانب قريش، وبفتح خيبر أخضع اليهود لسلطانه، ولم يعد يخشاهم، وفكر في الدعوة والعالم.. فقام بإيفاد مبعوثيه إلى معظم زعماء العالم المعروف يومئذ، يحملون رسائله التي يعرض عليهم فيها الإسلام، والدخول في دين الله الحق.

فأرسل إلى كسرى فارس، وإمبراطور الروم، ونجاشي الحبشة، وإلى المقوقس في مصر، وإلى أمراء العرب في شمال وجنوب وشرق شبه الجزيرة العربية15 .

أول اتصال رسمي بين الإسلام والعالم المسيحي

والذي يهمنا هنا ونحن بصدد العلاقات بين المسلمين والروم هو أمر رسالته إلى هرقل- إمبراطور الروم- تلك الرسالة التي تعتبر أول اتصال رسمي بين الإسلام والعالم المسيحي، وأن هذه الرسالة وما ترتب عليها من آثار أو أعقبها من نتائج أثرت ولا تزال تؤثر في تاريخ العالم. فإن الروم الذين كانوا يمثلون العالم المسيحي يومئذ، لم يقبلوا الإسلام كدين جاء خاتما للأديان السماوية، وعامّا للبشرية كلها. بل قاوموه وحاولوا إبادته، وهو لما يزل وليدا بعد.

إن موقف الروم هذا بعد وصول رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم إلى هرقل. جعل الرسول صلّى الله عليه وسلم يعطي لجبهة الحدود بين شبه الجزيرة العربية وبين الشام- التي كانت تحت حكم الروم- الأولوية على ما عداها. ويهتم بأمرها غاية الاهتمام. والواقع أن الرسول صلّى الله عليه وسلم لم يكن غافلا عن الجهة الشمالية فهي منفذ أساسي يسلكها الإسلام إلى العالم ولابد من تأمين هذا الطريق وإزالة كل عقبة تعترض سير الدعوة الإسلامية وكشف ما يكنه الناس في هذه الجهات للإسلام. فإذا هداهم الله وقبلوا الدين وآمنوا به. فهذا ما يريده الرسول، وما جاء من أجله وإذا قاوموه ورفضوه وصرفوا الناس عنه، فلا بد من أن يجبرهم على إخلاء السبيل أمامه.

غزو دومة الجندل

ولذلك نرى الرسول صلّى الله عليه وسلم يقوم بنفسه بغزو دومة الجندل16 في مطلع العام الخامس الهجري17. ودومة الجندل واحة كبيرة من الواحات الواقعة على الحدود ما بين الحجاز والشام. وسبب هذه الغزوة أن أهل دومة الجندل كانوا يغيرون على القوافل التجارية التي كانت تسلك هذا الطريق إلى الشام. ولكنهم لما علموا بمسير الرسول صلّى الله عليه وسلم تولاهم الفزع وهربوا، وغنم الرسول إبلهم وأغنامهم وعاد إلى المدينة.

وتوالت سرايا الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى هذه الجهات الشمالية، لفرض هيبة الإسلام، وإرهاب أعداء الله، وإنذارهم بأن يخلوا بين الدعوة الإسلامية وبين الناس. فكانت سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب سنة ست من الهجرة18.

ثم سرية عبد الرحمن بن عوف في شعبان من نفس السنة إلى دومة الجندل.

يقول ابن سعد: «فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان رأسهم وكان نصرانيّا، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية»19.

فأنت ترى أن عين الرسول صلّى الله عليه وسلم كانت مفتوحة على هذه الجهة، يراقب كل التحركات فيها، كما فتح عليها عيون أصحابه، ولفتهم إلى خطورتها، ولقد جاءت الأحداث بعد هذا مصدقة لنظرة الرسول صلّى الله عليه وسلم. فبعد سنوات قليلة سوف يسلك المسلمون هذا الطريق لقهر الروم- أصحاب السلطان عليها- في خلافة الصديق رضي الله عنه فلابد أن تكون هذه المناطق خالصة لهم، ولا بد أن يهزوا نفوذ الروم ويقضوا على هيبتهم فيها.

قصة رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم إلى هرقل.

وصلت رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم إلى هرقل- إمبراطور الروم- حملها له دحية بن خليفة الكلبي وكان نصها: 

«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين20.

(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64 ] .


فماذا كان ردّ هرقل على هذه الرسالة التي جاءته من نبيّ الإسلام، يدعوه فيها وقومه إلى دين الله الحق، دعوة سلمية بالحكمة والموعظة الحسنة، خالية من أي تهديد بالحرب، أو استخدام القوة؟

تذكر بعض مصادرنا التاريخية أن هرقل استقبل رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم استقبالا حسنا، بل مال إلى الإسلام، ولكنه لما عرض ذلك على رجال الدين المسيحي رفضوا وعارضوه بقوة21، فردّ على النبي صلّى الله عليه وسلم ردّا مهذبا واعتذر عن عدم قبول الإسلام؛ بسبب موقف رجال الدين المسيحي الذين لم يكن في استطاعته إغضابهم. وبعض مصادرنا التاريخية الأخرى لا تشير إلى رد هرقل على رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم. ونستطيع أن نقول: إن تطور العلاقات بين المسلمين والروم بعد وصول رسالة النبي إلى هرقل يدل على أن الروم قد أخذوا جانب عداء الإسلام ومقاومته.

والذي يبدو لنا أن هرقل لم يحفل كثيرا برسالة النبي ولم يقدر خطورتها، فهو كان عائدا- عندما تسلم الرسالة- من حربه مع الفرس، تلك الحرب التي أشرنا إليها والتي انتصر فيها على فارس انتصارا ساحقا؛ لذلك لم يكن يتصور أن ما يحدث في شبه الجزيرة العربية يمكن أن يشكل خطورة على إمبراطوريته المترامية الأطراف.

وعلى كل حال فمنذ بداية العام السابع الهجري بدأت العلاقات بين المسلمين والروم تتطور متصاعدة على طريق المواجهة العسكرية، فبدأ الروم بتأليب القبائل وتحريضها، إلى الاشتراك معها في غزوة مؤتة في حرب المسلمين وبهذا يكون الروم قد أعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين.

الهوامش



(1) د. عبد القادر أحمد اليوسف- الإمبراطورية البيزنطية (ص 94) .

(2) سيد قطب- في ظلال القرآن (21/ 22) .

(3) سيد قطب- في ظلال القرآن (21/ 22) .

(4) د. عبد القادر أحمد اليوسف- الإمبراطورية البيزنطية (ص 95) ، وانظر كذلك سانت موسى- ميلاد العصور الوسطى (ص 233) .

(5) الإمبراطورية البيزنطية د. عبد القادر أحمد اليوسف (ص 95) .

(6) انظر قصة الهجرة إلى الحبشة في ابن هشام (1/ 343) وما بعدها.

(7) البداية والنهاية- ابن كثير (5/ 40) وانظر كذلك الروض الأنف- السهيلي (7/ 357) ، والكامل ابن الأثير (2/ 286) .

(8) راجع نصوص معاهدة المدينة- ابن هشام (2/ 119) وما بعدها، محمد حميد الله- الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة (ص 41) وما بعدها، وحياة محمد. د. هيكل (ص 225) وما بعدها.

(9) انظر في أمر بني قينقاع سيرة ابن هشام (2/ 426) . وابن كثير- البداية والنهاية (4/ 3، 4) .

(10) انظر في أمر بني النضير ابن هشام (2/ 191) وانظر كذلك ابن كثير (4/ 74) .

(11) انظر في أمر بني قريظة ابن هشام (3/ 252) وانظر كذلك محمد أحمد باشميل- غزوة مؤتة (ص 7، 8) ومنتجومري وات- محمد في المدينة (ص 324) . ود. هيكل- حياة محمد (ص 32) وما بعدها.

(12) منتجومري وات- محمد في المدينة (ص 332) .

(13) ابن هشام (3/ 380) .

(14) ابن الأثير- الكامل (2/ 222) .

(15) انظر في موضوع رسائل النبي إلى الملوك والأمراء المصادر الآتية: ابن حجر- فتح الباري بشرح صحيح البخاري (1/ 32) وما بعدها. وصحيح مسلم بشرح النووي (12/ 107) ، وتاريخ اليعقوبي (2/ 77) . ابن الأثير- الكامل (2/ 145) . ومحمد حميد الله- مجموعة الوثائق السياسية (ص 81) وما بعدها. وأحمد زكي صفوت- جمهرة رسائل العرب (1/ 32) وما بعدها. ود. هيكل- حياة محمد (ص 383) وما بعدها.

(16) دومة الجندل … على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول. انظر: ياقوت- معجم البلدان (2/ 487) .

(17) ابن سعد- الطبقات (2/ 62) ، وابن الأثير- الكامل (2/ 177) .

(18) ابن سعد- الطبقات (2/ 89) ، ابن الأثير (2/ 208) .

(19) ابن سعد- (2/ 89) ، وابن الأثير (2/ 209) .

(20) الأريسيين- وجاء مكانها في بعض الروايات الأكاريين- أو الفلاحين- ويبدو أن المقصود بها هنا رعايا هرقل الروم وغيرهم.

(21) تاريخ اليعقوبي (2/ 77) .

المصدر

“بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة”

 للدكتور عبد الشافي عبد اللطيف، ص107-117.


أوكرانيا ليست سوريا!

 أوكرانيا ليست سوريا!
سيف الهاجري

 بالرغم من قرار القوى الغربية بدعم الشعب الأوكراني بالسلاح وفتح باب التطوع لمواجهة المحتل الروسي، وهي التي حرمته من قبل على الشعب السوري، لمواجهة المحتل نفسه فإنها لن تغير من سياساتها اتجاه الأمة وشعوبها وستواجه أي شعب يثور سواء بدعم الأنظمة المستبدة أو بالتدخل المباشر.

فهي كقوى صليبية ترى الأمة ودينها مهددا حقيقيا وتاريخيا، ولا زالت الحملات الصليبية وتاريخها وحروبها تشكل العقلية السياسية والعسكرية في الغرب والشرق المسيحي على حد سواء ولو دارت بينهم الحروب كما نشاهد اليوم في أوكرانيا.

فأحداث التاريخ منذ الحروب الصليبية تؤكد هذا وخاصة ما واجهته الخلافة العثمانية من حملات وحروب حتى أسقطتها الحملة الصليبية البريطانية الفرنسية الروسية في الحرب العالمية الأولى ودخول قواتها القدس عام ١٩١٧ لتدق كنائس ألمانيا حليفة الدولة العثمانية نواقيسها فرحا بدخول الجنرال البريطاني اللنبي القدس!

النظام الدولي

ومع هذا التاريخ والذي لا زلنا نعيشه أحداثه وآثاره فلازال هناك في ساحات ثورة الربيع العربي،

من ينتظر من قوى النظام الدولي الدعم لمواجهة نظامه المستبد،

ويتطلع لهذه القوى الصليبية أن تنصفه وتمنحه الحقوق التي نصت عليها المواثيق الدولية

ولا يدرك، إن أحسنا الظن به، بأن هذه المواثيق الدولية إنما وضعتها القوى الدولية الاستعمارية لتحافظ على هيمنتها العالمية بعد قرون من الحملات الصليبية

لتسقط الخلافة وتخرج الإسلام من المعادلة الدولية!

إن ثورة الربيع العربي بحاجة إلى وعي عميق بطبيعة النظام الدولي والمنظومة العربية الوظيفية من دول وجماعات ونخب،

ولا نغتر بسياسة القوى الغربية بوقوفها مع الشعب الأوكراني المظلوم ضد المحتل الروسي،

فهذا ليس تحولا في سياستها الخارجية بل هو متناغم مع تفسيرها الفلسفي والأخلاقي لمنظومة القواعد والقوانين الدولية النابعة من قلب الحضارة الغربية المسيحية،

فهو تؤمن بأنها وضعت لحماية هذا الحضارة سواء من الداخل بمنع الحروب بين دولها

أو من الخارج بمنع أي مهدد لهيمنتها على الحضارة الإنسانية.

فما يجري في أوكرانيا هو من لطف الله عز وجل بهذه الأمة بأن دخلت روسيا الصليبية في حرب في أوربا،

فسواء انتصرت أو انهزمت فقد انهار أمن الغرب من الداخل،

وانتقل الصراع بين القوى الصليبية من مناطق النفوذ الخارجية إلى داخل أوربا نفسها،

وهذا بحد ذاته سيجعل هذه القوى تنكفئ على نفسها لتؤمن حدودها،

مما سيؤدي بطبيعة الحال إلى انهيار هيمنتها على العالم العربي وانكشاف كل القوى الوظيفية فيه له،

وسيكون أمام قوى الثورة الحقيقية فرصة لاستعادة الثورة المخطوفة من قوى وظيفية مؤمنة بالفكر السياسي الغربي وبروح استشراقية ولا علاقة لها بالإسلام وأحكامه.

‏﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ


الاثنين ٢٧ رجب ١٤٤٣هـ

٢٨ / ٢ / ٢٠٢٢م

الغزو الروسي لأوكرانيا “نَظْرَةٌ سُنَنِيَّة”

 الغزو الروسي لأوكرانيا “نَظْرَةٌ سُنَنِيَّة”

د. عطية عدلان

لا يَسَعُنا شعوريا تجاه الشعب الأوكرانيّ إلا أن نشفق عليه ونتعاطف معه؛ إذْ ليس على الشعوب ذنب فيما تقترفه الأنظمة من إجرام، فواقع الأوكرانيين أنّهم واقعون بين فكي سبع ضارٍ، الغَشَم الروسي والمكر الأمريكي، وإذا كانوا غير مسلمين فإنّهم -من وجهة نظر شرعية لها حظّ من النظر- قوم يعيشون في “فَتْرَة” ولم تبلغهم دعوة الإسلام على وجهها الصحيح؛ فأمرهم في الآخرة إلى باريهم، وليس لنا من هذا الأمر شيءٌ؛ كيف وقد قال الله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بشأن قوم بلغتهم دعوة الإسلام بأبلغ البيان: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (آل عمران: 128)، فلم يبق -إِذَنْ- تجاههم إلا المشاعر الإنسانية الفطرية.

فإذا فرغنا من ذلك وأردنا أنْ نعالج المسألة معالجة سُنَنِيَّة، وجدنا أنفسنا أمام حشد كبير من السنن الإلهية الجارية، ازدحمت على فم الحدث، وتنافست في الإفصاح عن نفسها. ولعل بعض مفكري الغرب قد أشار في لهجة تشاؤمية إلى واحدة من هذه السنن، فهذا على سبيل المثال “ريتشارد كوك” و”كريس سميث” في كتابهما الشهير “انتحار الغرب” يُنْذِران: “وهناك نص فرعيّ أشدّ ظلمة، وهو يكمن في الحماسة التبشيرية والتطرف الثوريّ الْمُوَرَّث للغرب والعالم من المسيحيين الأوائل… وحين يعاد توحيد مورثات التعصب المفرق مع الأصولية الدينية فإنّ هذه المورثات تبقى تهديدًا قويًّا للغرب، لا من الخارج فقط بل من الداخل الذي يعتبر أكثر تهديدًا” (ص: 88-89).

العداوة والبغضاء

إنّ الفترة التي عاشتها أوربا بعد نهاية الحرب الباردة لم تكن سوى هدنة بسيطة؛ لتعود العداوة والبغضاء التي كُتبت عليهم إلى يوم القيامة، حسب السنّة الإلهية الجارية فيهم: {فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ} (المائدة: 14)، ولعل ما أَغْفَلَنَا عن هذه السنة هو نسياننا لتلك المآسي التي عاشتها أوربا في تاريخها كله؛ ففي العصر الحديث فقط دارت رحى الحرب العالمية مرتين بين أقطاب أوربية، فحصدت الملايين من أبناء البشر من قلب القارة الأوربية، ممن لا ذنب لهم إلا أنّهم يعيشون تحت أنظمة نكدة قادت العالم ولا تزال إلى الدمار والخراب، هذا سوى حرب السنوات السبع (1756-1763)، ومن قبلها حرب السنوات التسع (1688-1697)، ومن قبلهما حرب الثلاثين عاما (1618-1648)، بخلاف الحروب الدينية البروتستانتية الكاثوليكية والحروب الأهلية إبان الثورات، وغير ذلك من الحروب التي دارت رحاها على الساحة الأوربية قبل غيرها.

وها هي المسيرة تعود من جديد بعد هدنة كانت خاتمة للحرب الباردة، وبغض النظر عمّا تبديه الأطراف المتصارعة من أسباب ظاهرة، فإنّ الثقافات المختلفة والإرث الحضاري لكل طرف من أطراف الصراع هو الذي سوف يذكي الحرب في الفترة القادمة، تماما كما تنبأ صمويل هنتنجتون في كتابه الشهير “صدام الحضارات” حيث قال بوضوح: “عالم ما بعد الحرب الباردة هو عالم مكون من سبع أو ثمان حضارات، والعوامل الثقافية المشتركة والاختلافات هي التي تشكل المصالح والخصومات، وتقاربات الدول” (ص 48)، وقد سمعنا خطاب الرئيس الروسي ورأينا كيف كان طافحا باللغة التبشيرية.

فإذا وسَّعْنا زاوية النظر قليلا للتاريخ الأوربيّ والسلوك الغربيّ في العصر الحديث، فسوف تتجلى لنا سنة أخرى يغفل عنها كثير من الناس، فقد سلك الغرب إبّان نهضته سلوكا منحرفا يتنافى مع الإنسانية، وذلك عبر سلسلة من المجازر بدأت بالكشوف الجغرافية التي لم تكن في حقيقتها سوى حملات استعمارية، وانتهت بمأساة الإبادة الجماعية للهنود الحمر والاستعباد المهين لـ210 ملايين من الأفارقة وغير ذلك من المآسي، فأخذهم الله ببأساء الحربين الكُبْرَيَيْن وضرائهما؛ لعلهم يتضرعون إلى الله وينتهون عن ظلم العباد، فلما قست قلوبهم وزين لهم الشيطان غزو العالم الثالث واستعمار البلاد وسحق العباد؛ فتح الله عليهم أبواب كل شيء من معطيات الحضارة والمكنة، فكان النصف الثاني من القرن العشرين عصر ازدهار ورفاهية إملاءً وإمهالا، حتى إذا فرحوا بانتهاء التاريخ على شواطئهم وتفردهم بسيادة العالم بلا منازع جاءهم أخذ الله بغتة، وهذا أول الأخذ.

وفي هذا يقول الله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} (الأنعام: 42-44)، ويقول عزّ وجل في سورة الأعراف: {وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} (الأعراف: 94-95)، فهذان السياقان حكاية عن سنن عاملة وجارية لا عن قصص منتهية ومنقضية.

نهاية التاريخ

ولعل كثيرا ممن رفضوا نظرية “فوكوياما” في “نهاية التاريخ” قد انطلقوا في رفضهم من إيمانهم العميق بأنّ التفرد بالهيمنة ليس أمرا طبيعيا ومن ثم فلن يكون مستمرا، أمّا الأمر الطبيعيّ فهو التدافع، وهي سنة إلهية ماضية، قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ} (البقرة: 251)، هذه السنة مرت عليها سحابة عابرة فحجبتها بصفة مؤقتة لأسباب قد تتعلق بغياب أمتنا عن دورها في الحياة، ولكنّها لم تأفل، لأنّ أفولها سيكون مع أفول الحياة الدنيا، هذه السنة عادت لتمضي من جديد فتفتح للمستضعفين طريقا وهامشا ومساحة للحركة، بشرط العمل والسعي.

وتتمثل السنة الخاتمة في هذه الحركة الكونية المنتظمة التي ربما غفلنا عنها كثيرا: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران: 140)، وعلى هذه السنة الإلهية القرآنية قامت القاعدة “الخلدونية” الخالدة التي تقضي بأنّ الحضارات إذا بلغت شيخوختها فإنّها تأذن بالرحيل، وهذا ما يتنبّأ به كثير من مفكري الغرب.