الصليبيون الجدد (9)
كاتبة روائية،وعضو بالمجلس الرقابي الأعلى للاتحاد العالمي للمثقفين العرب
المصريون في عيون الصليبين:
عام 1099 وبعد ثلاث سنوات من الزحف والعراقيل وصل الصليبيون الرملة عاصمة فلسطين الإسلامية كما سمتها كارين ورأوا القدس بأسوارها وتداعت مشاعرهم الدينية تجاه الأرض المقدسة وفي ذلك تقول:
“كانت المدينة المهيبة الرابضة على التلال بأسوارها المنيعة تهيمن عليها صورة الجامعين الكبيرين المسجد الأقصى وجامع عمر بن الخطاب، ولابد أن عظمة وجلالة هذين الصرحين الذين هما أكثر مهابة بكثير من أي شيء آخر في العالم المسيحي آنذاك، شكلا على ما بدا لهم إهانة للرب والدين الحق، ويمكن أن يكونوا قد شعروا بما يشبه الرهبة التي انتابت أليعازر بن يهودا بعد ثمانمائة عام حين شاهد العرب مرتحاين كأنهم في بيوتهم تماما على أرض آبائه وأجداده، لقد قيل للصليبين أن المسلمين يحتلون المدينة المقدسة، وهاهم يستطيعون رؤية ذلك بأم أعينهم، فبوسعهم سماع أصوات المآذن تتردد عبر الروابي والأودية المجاورة، وبدت لهم كما أنها إهانة متعمدة وتهديد عميق لمشروعهم كله الذين راهنوا عليه بأرواحهم ذاتها، إن هؤلاء المسلمين بديانتهم الغامضة والزائفة إنما يلوثون التراب المقدس، لقد كانوا من مصر وقد نظر إليهم الصليبيون على نحو يختلف كثيرا عن نظرتهم للأتراك في آسيا الصغرى، ليس لأسباب عرقية، بل لأنهم في أورشاليم، ولذلك لابد أن يكونوا أعداء الرب”
ثم نفذوا مذبحة هائلة وأصبح قتل المسلمين عندهم قربى للمسيح وتمجيده وكانوا يلقونهم من فوق الأبراج وعذبوا أياما وحرقوا بالنار وامتلأت الشوارع بأكوام الرؤوس والأقدام والأيدي، أما من نقلت عنه كارين تلك الرواية فقد سمى المسجد الأقصى بهيكل سليمان حيث قال:
“أخشى إن أنا أخبرتكم بالحقيقة أن لا تصدقوها، حسبي أن أقول لكم على الأقل أنه في هيكل سليمان ورواقه غاص الرجال حتى الركب وأعنة الخيل في الدماء، وقد كان حكما إلهيا عادلا ورائعا أن يمتلئ هذا المكان بدماء الملحدين، وهو الذي عانى كثيرا من تجديفاتهم وتدليساتهم”
ماذا لو قارنا بين سلوك الصليبين وبين سلوك عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي (البدو الأجلاف الهمج البربر) مع نفس الصليبيين بل واليهود أنفسهم، فلن يسعنا إلا الاعتراف بما هو معلوم بالضرورة في علم النفس وهو “الإسقاط” هذه هي صفاتهم ويسقطوها علينا.
في عام 1097 عندما شرع الصليبيون لإقامة مملكة إنطاكية بانتزاعها من الأتراك والعرب وأحدثوا الأهوال منها عصابة طافور وهو جندي كان من القادة وفقد حصانه وتبعا لذلك جرد من رتبه العسكرية، فقام بتكوين عصابة من الفقراء القادمين من أوروبا حتى إذا أحرزوا نصرا في بقعة ما قاموا بعمليات سلب ونهب وقتل وتعذيب ليكللوا نصرهم بسمعة سبقتهم إلى كل الممالك والإمارات الإسلامية عن قوتهم وجسارتهم حتى إذا واصلوا الزحف والتقدم قام الأمراء وولاة الأمر بفتح المسالك لهم قبل العوام لتزويدهم بما يحتاجون إليه من المؤون والذخائر والأغذية.
واليوم الذين يديرون دفة الحرب العالمية الثالثة (ضد الملحدين) هم أحفاد هؤلاء الأبرار!!!!! آنفي الذكر.
استقيموا يرحمكم الله:
عندما جاءت جحافل التتار إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية كان الخليفة وبطانته غارقين في الملذات والمعاصي، فأتى الله لهم بالتتار كي يتوبوا وينوبوا ويعودا إليه، كان الجندي التتري يوقف المسلم بالشارع ويقول له انتظرني هنا حتى أأتي بالسيف كي أقتلك، وكان ينتظره.
وهن الإيمان يصيب النفس بانتكاس الفطرة فلا تتأثر بالمنكرات والولوغ في المعاصي، ولم تظهر فرقة من المؤمنين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وانصرف العوام عن علماء الدين وانتهكت الحرمات وارتكبت الرذائل والكبائر وانحنت الهامات لكل مومس فاضلة، جاء العدو ماكثا في البلاد يحكم ويصير الأمور ويسومنا سوء العذاب، فمن لم يفعله جهد العلماء فليفعله جهد البلاء ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ضعف النفوس من ضعف الإيمان، من لا يصمد أمام الفتن والاغراءات ولذة المعصية لن يصمد أمام العدو، والعدو على الأبواب، من يظن أن الغاية إيران فقط فهو واهم، ومن العجيب أن الانقسام مازال يمارس بين المثقفين رغم الخطر الداهم، فماذا عن حال عوام الناس؟!
طبول الحرب تقرع:
عندما كان أبنائي بالمرحلة الابتدائية كان مقرر عليهم نص في كتاب القراءة لو منح الغباء قلما ليكتبه ما كان تناوله بهذه السذاجة والجمود المفرط، فحوى النص أن النار اشتعلت في بيت رجل مسيحي فقام جاره المسلم بالإسراع في إطفاء النار، لا أعرف كاتبه كيف طوعت له نفسه هذا التناول العبيط، ولو كان بين المسلم وجاره المسيحي ما صنع الحداد قطعا سيشارك في الإطفاء، إنها نار إن لم يتم تداركها ستمتد وتحرق المسلم والمسيحي.
وبالمثال يتضح المقال، الوضع الآن يفوق كل الخلافات حتى ولو كانت خلافات أسرية، بالفعل النار التي يشعلونها على مهل ستحرق الكل، وهو ما يجعلنا نقول كل الدعم لإيران.
امتداد لطوفان الأقصى:
مازالنا في بلادنا العربية لا نعرف دلالة ما يحدث وعلاقته ب 7/10/2023
هو وثيق الصلة ولا ينفصل عنه، سبق تناولي هنا على مهل طبيعة النظام العالمي الآني، ولا مانع من التذكير، الصليبيون القدامى أدركوا أن بقاء الخلافة الإسلامية (الكتلة) ليس إلا تهديد مباشر لوجودهم ولكي ينتفي التهديد عنهم كان ولا بد من القضاء عليها، فاستغرق الأمر مدة أربعمائة عام على مهل، أما المائة الأخيرة منها فكان عمل اليهود في فلسطين على مهل أيضا بينما الخطط مدبجة دون أصوات زاعقة بل بدربة وحنكة في غفلة المشرزمين الوالغين في الإغارة على بعضهم البعض يسيطر عليهم الطمع والجشع الدنيوي دون النظر إلى المآلات الماحقة حتى سقط الصرح، وعلى الفور قام البديل (النظام العالمي الجديد) نظام رأسمالي ربوي شيطاني يزيد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا ومناهض لصيرورة الإسلام الحريص على تداول الثروات ونمائها ليعم خيرها على عموم الناس بدءا من قانون المواريث انتهاء بأروقة الدولة، ذلك العقبة الكئود الوحيدة لديباجة الشيطان الذي توعدنا منذ خلق آدم.
والنظام يلزمه فكر يكون دعامته الصلبة التي تحافظ على ديمومته، فظهر ما يسمى بالعلمانية والليربالية والشيوعية والرأسمالية وكلها إبداع يهودي صهيوني بحت (باعترافهم) مستقاة من تلمودهم، لينفرط عقد الكتلة إلى دولا قومية.
واليوم هم يعلمون أن نظامهم العالمي قد ترهل وأن الدول القومية آلية إلى السقوط حتما لا محالة بعد اكتشاف زيف وبهتان ما هم فيه منذ مائة عام، ولن أبالغ إذا قلت أن طوفان الأقصى كان كاشفا للكل وهو مزيد من التعرية الإلهية للحقيقة التي كان يصدح بها قلة، واليوم هي ماثلة على الأشهاد، ونصرهم الله نصرا عزيزا وإن ضبب عليكم الصورة إعلام الرايات الحمر فما صنع إلا لتضليلكم وتزييف الوعي الجمعي (كما قال وزير هتلر)
نعم المقاومة في غزة أوغرت صدورهم لأنها إسلامية وهم لديهم حساسية مفرطة تجاه كل عمل يصطبغ بالإسلام لأنه الماحق لنظام الشيطان الذي أراد أن يثبت ذاته مرة أخرى فقام بالإعلان عن نفسه مجددا (يقلب الترابيزة) وأظهر جزيرة إبيستن وروادها، جنته التي يمنحها لكل من يعمل خلافا للتعاليم الإلهية، لسان حاله يقول أنا هنا فلا دول ولا قوانين ولا مواثيق ولا حقوق طفل ولا حقوق مرأة ولا إنسانية ولا رحمة، هذه مملكتي وأنا ربكم الأعلى، كلها فقاعات صابون سرعان ما فضضها لتتجلى الحقيقة للكل.
عود على بدء:
العالم الإسلامي، كله، مسرح العمليات لرواد جزيرة إبيستن، حواري الشيطان وعباده، لابد من القضاء على الإسلام نفسه، الحرب الدائرة بأسباب ظاهرة لمزيد من التضليل لمن أصيب قلبه بالران والقفل والطبع.
لذا لا نملك إلا القول لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح أولها، كل النظريات الفكرية التي نشروها بيننا ليقطعوننا قطع متشظية ونصبح أقطابا متوازية تضعف بعضها البعض وهو ما حدث ونكفيهم عناء الإجهاز علينا إلا ونحن شراذم متشظية نتبادل السباب والاتهامات كي يأتي العدو ويحصدنا بضربة صاروخ، بعد أن ضاعت هيبتنا في قلوبهم لما هان علينا ديننا ونقضنا الإسلام عروة عروة ورفعنا قدر كل زنديق فاسق وكل من يبارز الله بالمعاصي على تنوعها فالنتيجة الحتمية إيغار العدو.
إلزم ثغرك، وعض على صحيح الدين بالنواجز، القادم الآن ومازلنا ننكره هو زمن الملاحم، فلننقي أنفسنا ونعود إلى الهدي الظاهر والباطن، ونمتنع عن ذنوب الخلوات لأنها الماحقة، هذه الحروب لتخييرك بين الكفر والإيمان، الآن سقطت كل الانقسامات والاختلافات فلم يعد سوى إما كفر وإما إيمان.
وللحديث بقية إن شاء الله


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق