10 دروس بعد المعركة.. حين تعيد الأمة قراءة ذاتها
حرب أمريكا وإيران.. وقفات مهمة
أ.د. جمال عبدالستار
الأمين العام لرابطة علماء أهل السنة
قبل أن تخمد نيرانُ المعارك، وقبل أن تنطوي صفحاتُ الأحداث، فإن الواجبَ الأَوْلَى ليس الانشغالَ بضجيج الوقائع، بل استخلاصُ سننها، واستنطاقُ دروسها، واستشرافُ ما وراءها؛ لأن الأمم لا تُهزم حين تخسر معركة، وإنما تُهزم حين تعجز عن قراءة معانيها.
وليس المقصود من ذلك تأييد طرفٍ أو معاداة آخر، بل تحرير العبرة من أسرِ الأشخاص، واستخراج الدرس من بين ركام المواقف؛ فالحكمةُ ضالةُ المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُّ بها؛ وليست كل خسارةٍ هزيمة، كما أنه ليس كل مكسبٍ نصرًا؛ فالعبرة بما تُنتجه التجربة من وعيٍ وتصحيحٍ وتراكم.
أول هذه الدروس: أن ما يجري في الأرض ليس فوضى عابرة، ولا عبثًا طارئًا، بل هو جارٍ على سننٍ إلهيةٍ محكمة، يُجريها الله تعالى لغاياتٍ كبرى، من أعظمها: التمييزُ والتمحيصُ وكشفُ السرائر، قال تعالى: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الأنفال: 42)، وقال سبحانه: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران: 179)، فالأحداث ليست مجرد صراع قوى، بل محاريب اختبارٍ تُكشف فيها القلوب قبل أن تُقاس فيها الموازين.
وهذه الدروس ليست أحداثًا متفرقة، بل هي تجليات لسنن الله في الاجتماع البشري؛ سننٍ لا تحابي أحدًا، ولا تتبدل بتبدل الشعارات، وإنما تجري على من أخذ بأسبابها، قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 62).
وليس من العدل أن نُحمّل الخارج كل أوزارنا، فإن كثيرًا من مواطن الضعف إنما نبتت في داخلنا، يوم فرّطنا في سنن القوة، واستبدلنا الأمانيّ بالعمل، والشعارات بالاتحاد!
وثانيها: أن الإعداد ليس ردَّ فعلٍ طارئ، وإنما فريضة سابقة على الخطر، ومستمرة معه وبعده؛ قال الله تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)، فالإعداد وعيٌ طويل، وعملٌ تراكمي، وصناعةُ أمةٍ قبل أن يكون صناعةَ سلاح، وما رأيناه من صمودٍ أو قدرةٍ على الفعل لم يكن وليد لحظة، بل ثمرةَ سنين من بناء الإرادة وتراكم الخبرة، فالشريعة لا تعترف بمن يُصاب ولا يرد، ولا بمن يُضرب ولا يدفع؛ فالتوازن سُنة، والقدرة شرط بقاء؛ (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون) (التوبة: 111).
والأمم الحيّة لا تعيش على ردود الفعل، بل تصنع الفعل، وتفرض إيقاعها، وتبادر قبل أن تُباغت، والأمم القوية لا تفكر بلحظة الانفجار، بل بعقود التراكم؛ فالمعركة الحقيقية تُحسم قبل أن تبدأ، يوم تُدار السنوات بحكمة.
وثالثها: أن الأنظمة لا تقوم بذاتها، بل تقوم بعمقها الشعبي؛ فالدولة التي تنفصل عن شعبها، أو تستعلي عليه، أو تُهدر طاقاته، إنما تُفرغ نفسها من سندها الحقيقي، وعند الأزمات، لا تثبت الأنظمة إلا بقدر ما تلتف الشعوب حولها، ولا تصمد إلا بقدر ما تسكن في وجدانها، أما الأنظمة التي عاشت في عزلةٍ عن شعوبها، مستغنية بمدد الخارج فإن ساعة الشدة تكشف هشاشتها، إذ لا تجد ظهرًا تسند إليه، ولا قلبًا يحتملها.
ورابعها: أن اختزال الأمة في قائد أو نخبة محدودة وهْمٌ قاتل؛ فالأمم الحيّة هي التي تُنتج القيادات كما تُنتج الثمار، وتُعدّ البدائل كما تُعدّ الخطط، وإن وفرة القيادات، وتعدد الخبرات، ووجود البدائل ليس ترفًا تنظيميًا، وإنما شرط من شروط البقاء، أما تحويل الأشخاص إلى أوطان، فذلك من أخطر ما يُصيب الوعي الجمعي، إذ يجعل مصير الأمة مرهونًا بأفراد، لا بمشروع.
وخامسها: أن ثروة الأمة الحقيقية ليست فيما تملك من موارد فحسب، بل فيما تملك من عقولٍ وخبراتٍ وطاقاتٍ بشرية، فالأمم التي تحفظ علماءها، وتستثمر مفكريها، وتُطلق طاقات مبدعيها، إنما تبني مناعتها الداخلية، وتُنشئ قدرتها على التجدد، أما التي تُضيّق على عقولها، أو تُهمّش كفاءاتها، فإنها تهدي كنوزها لغيرها، وتُضعف نفسها بيدها.
وسادسها: أن على الأمة أن تُدرك مصادر قوتها الحقيقية؛ فالقوة ليست في الاتكاء على الغير، بل في الاعتماد على الذات، وتفعيل الإمكانات، واستحضار الهوية، فحين تعي الأمة موقعها، وتعرف قدرها، وتستثمر مواردها البشرية والمادية والروحية، فإنها تقترب من موقع الريادة الذي خُلقت له.
وسابعها: أن الظلم والاستبداد آفةٌ تهدم الأمم من داخلها؛ إذ يُفرغها من طاقتها، ويُضعف جيوشها، ويُفسد علاقتها بذاتها، وقد أثبتت الوقائع أن دعم الاستبداد كان سببًا في تغييب قوى كبرى عن معادلات التأثير، حتى بدت وكأنها خارج التاريخ، بعد أن كانت في قلبه.
وثامنها: أن الفتوى في أزمنة الفتن تحتاج إلى حكمة وتؤدة وجمع للكلمة؛ فليس من دور العلماء أن يُغذّوا النزاع، أو يُسرعوا في إصدار الأحكام تحت ضغط الأحداث، بل أن يكونوا صمام أمان، يجمعون ولا يفرّقون، ويُرشدون ولا يُهيّجون، وإن من أخطر ما أصاب الأمة في مثل هذه الظروف التسرع، والتضارب، وتحويل المنابر إلى ساحات نزاع.
وتاسعها: أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة، وإن الضعف والهوان ليسا خيارًا شرعيًا يُتخيَّر، ولا مقامًا يُمدح، بل هما حالٌ تُذمّ إذا كان ناشئًا عن ترك الأسباب والتفريط في الواجبات؛ لأن الشريعة جاءت بإقامة القوة والعزة والتمكين، لا بالاستكانة والاستسلام، قال سبحانه ناهيًا عن الوهن والاستسلام: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، وقال تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (محمد: 35).
فجعل الوهن منافيًا لكمال الإيمان، ودلّ على أن العلوّ ثمرة الثبات والقوة، فحفظ الكرامة يقتضي امتلاك أسبابها، وصيانة الدين والنفس والعِرض لا تكون إلا بقوةٍ تحميها، وعزةٍ تصونها.
عاشرها: لا تقوم أمةٌ بلا مشروعٍ جامعٍ يلتف حوله الناس، تتوحد فيه الرؤية، وتتحدد فيه الأولويات، وتنتظم فيه الطاقات، وإن نجاح أي راية على مدار العصور تمثل في تحققها بتلك المعالم؛ مشروع جامع يؤمن به الجميع، وحملة أمناء يطورونه ويعمقونه وينشرونه، ثم سلطة سياسية تتبناه وتؤمن بها وتتحرك وفق قيمه ومقتضياته، بصرف النظر عن صحة الفكرة أم خطئها، فما بالك بأمة تحمل كلمة الإسلام وهدايات القرآن، وتحمل أمانة الميراث النبوي؛ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) (سبأ: 28).
وأخيرا: إن هذه الدروس لا ينبغي أن تبقى معاني تُتداول، بل يجب أن تتحول إلى برامج إعداد، ومشروعات وعي، وخطط بناء، تبدأ من الفرد، وتمر بالمجتمع، وتنتهي بالأمة.
وإن الأمة التي تقرأ سنن ربها، وتستجمع قواها، وتُحسن ترتيب أولوياتها، لا يمكن أن تبقى على هامش التاريخ؛ بل هي موعودةٌ -بقدر صدقها– أن تعود إلى مركز الشهادة؛ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143).
هذه بعضُ الدروس التي تفرضها الأحداث على من أراد أن يتعلّم، وهي ليست نهاية الطريق، بل بداية وعيٍ جديد؛ فإن أحسنّا قراءتها، كانت لنا منطلقًا لبعثٍ راشد، وإن أهملناها، كانت حلقةً أخرى في سلسلة التكرار.
وإنها لفرصة نادرة أن تعيد الأمة النظر في ذاتها، فتُصحح مسارها، وتستجمع قواها، وتستأنف دورها، على هدى من ربها، وبصيرة من سُننه.
نسأل الله أن يُلهمنا رشدنا، وأن يُرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يجعل هذه الأمة شاهدةً على الناس كما أراد لها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق