لا تتخلوا عن تركيا فتهلك وتهلكوا جميعًا
إضاءات سياسية وواجبات مصيرية
مضر أبو الهيجاءإن الحديث الممجوج الذي يُحرّض الشعوب العربية والإسلامية على الدفاع عن إيران -المعتدية والمحتلة- في مواجهة أمريكا الباغية وكيان إسرائيل المتوحش، لم يعد مجرد رأي سياسي قابل للنقاش، بل صار طرحًا مهترئًا يقفز عن حقائق عميقة في بنية الصراع، ويتجاهل مسارًا طويلًا من التفاهمات والتقاطعات التي حكمت العلاقة بين هذه الأطراف.
فالعلاقة بين الإدارات الأمريكية والنظام الإيراني لم تكن على امتداد مراحلها علاقة صدام خالص، بل قامت على تقاطعات وتخادمات أفضت إلى واقع إقليمي بالغ الاضطراب.
ومن هنا، فإن تصوير إيران بوصفها رأس حربة في مواجهة المشروع الغربي يتجاهل دورها الفعلي في إعادة تشكيل المنطقة على نحو استنزف شعوبها وبدد قدراتها وأهلك دولها.
إن كفيف البصر يرى أن حجم الاستنزاف الذي أصاب الأقاليم العربية والإسلامية، لا سيما في الشرق الأوسط، جاء نتيجة تفاعل مشروعين متوازيين: كيان إسرائيل من جهة، ومشروع ولاية الفقيه في إيران من جهة أخرى.
ورغم ما يبدو بينهما من تناقض، فإن نتائج فعلهما على الأرض التقت في نقطة واحدة:
تفكيك الدول، واستنزاف المجتمعات، ومنع أي نهوض حقيقي.
خطورة الخطأ في الموقف والانتماء
المشكلة اليوم ليست فقط في وجود هذه المشاريع، بل في الخطأ في تحديد موقع الاصطفاف منها. فمن المرعب — في المدى القريب والمتوسط — أن تعجز شعوب الأمة، وحركاتها، بل وحتى أنظمتها، عن إدراك أن المنطقة تقف على منعرج خطير، وأن سوء التقدير في هذه اللحظة قد تكون كلفته وجودية، ففي ظل توجيه الأنظار نحو الحرب التكتيكية في طهران تصوب الحراب الإستراتيجية نحو تركيا.
إن مسارات التهدئة والتفاوض بين إيران وأمريكا، بعد جولات من العمليات العسكرية، تكشف أن الصراع لا يُدار دائما بمنطق الحسم، بل بمنطق الضبط وإعادة التموضع. فالمطلوب ليس إنهاء المشروع الإيراني، بل تشذيبه، وإبقاؤه ضمن سقف محدد لا يتجاوز الخطوط المرسومة له، مع استمرار أدائه لدور وظيفي فاعل في استنزاف المنطقة.
وهذا ما يفسر استمرار هذا الدور خلال العقود الأربعة الماضية، كما يفتح الباب لتوقع استمراره بأشكال جديدة، في إطار إعادة ترتيب أدوار الفاعلين بما يخدم توازنات أوسع.
إيران ليست العراق… وتركيا هي المستهدفة
لم تُعامل إيران كما عومل العراق؛ فالعراق سُحق في لحظة، وأُخرج من معادلة التوازن، بينما جرى التعامل مع إيران بمنطق الاحتواء وإعادة التشكيل.
وهنا تبرز المفارقة الخطيرة:
فكما كان العراق في لحظة تاريخية صمام أمان للمنطقة، تبدو تركيا اليوم هي المرشحة، باعتبارها رافعة محتملة لتوازن إقليمي مختلف، وباعتبار إنتمائها لثقافة الأمة الواحدة.
إن تركيا —بحكم موقعها الجغرافي، وامتداداتها التاريخية، وتداخلها المباشر مع قضايا الشام والعراق وفلسطين— تمثل عقدة مركزية في معادلة الإقليم. وهو ما يجعلها، بالضرورة، عرضة لمحاولات الاستهداف، سواء عبر إضعافها سياسيًا، أو تطويقها إقليميًا، أو العبث بمحيطها الحيوي.
دروس العراق… وخطأ لا يجب أن يتكرر
إن ما جرى في العراق لم يكن مجرد حدث عابر، بل لحظة كاشفة لخطورة الفراغ الاستراتيجي. فحين تُرك العراق لتنهشه المشاريع الخارجية، دون معالجة عربية وإسلامية جادة، فُتح الباب أمام إعادة تشكيل المنطقة على أسس غربية جديدة.
ولا شك أن أخطاء داخلية جسيمة ساهمت في ذلك، لكن التخلي عنه كان خطأً تاريخيًا فادحًا، لا تزال الأمة تدفع ثمنه حتى اليوم.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يتكرر المشهد مع تركيا؟
تركيا: صمام الأمان وعقدة المسبحة
إن الخطأ التاريخي الذي ارتُكب بحق العراق يجب تفادي تكراره اليوم، من خلال إدراك موقع تركيا في معادلة التوازن، والالتفاف حولها باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في مستقبل المنطقة.
فتركيا لا تمثل مجرد دولة إقليمية، بل قوة واعدة ودولة منتمية ونقطة التقاء جغرافي وسياسي مع الأقاليم العربية، من العراق والشام إلى مصر، فضلًا عن قربها من فلسطين، وهو ما يمنحها قابلية عالية للتأثير في مسارات الصراع.
ولهذا، فإن محاولات استبعادها من بعض المسارات السياسية، أو تقليص دورها في ملفات التفاوض، لا يمكن فصلها عن إدراك غربي متزايد لخطورة حضورها في معادلة الإقليم.
خلاصة
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المشاريع المتصارعة، بل في الخطأ في قراءتها، وسوء تحديد الأولويات. فليس كل من يرفع شعار المواجهة هو في موقعها، وليس كل من يُستهدف بعيدًا عن جوهر الصراع.
إن إعادة ترتيب البوصلة لم تعد خيارًا، بل ضرورة مصيرية. وهي تبدأ بإدراك طبيعة التوازنات القائمة، وفهم مواقع الفاعلين فيها، بعيدًا عن الانفعال أو التبسيط.
وفي هذا السياق، فإن تجاهل موقع تركيا، وعدم الالتفاف حولها ودعمها، قد يعيد إنتاج أخطاء دفع ثمنها العراق من قبل.
فهل يتنبه العرب والمسلمون قبل فوات الأوان… أم يُعاد الخطأ مرة أخرى؟
مضر أبو الهيجاء بلاد الإسلام 11/4/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق