رانيا العباسي وأطفالها.. كبدُ الأمةِ المستباح!
إضاءاتٌ إنسانيةٌ أخلاقيةٌ ومُقارباتٍ سياسيةٌ
مضر أبو الهيجاء تعيشُ شرائحُ واسعةٌ من الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ حالةً من المرارةِ في عيدِ الأضحى المبارك، نتيجةَ استمرارِ المعاناةِ وتكاثرِ الضحايا المسلمين الذين يتساقطون في أكثرَ من ساحةٍ وميدان، في ظلِّ مشاهدَ متواصلةٍ من القتلِ والتشريدِ والاعتقالِ والفقدان في غزة واليمن ومصر والسودان ولبنان وسورية والعراق.
ومن بين هذه القضايا تبرزُ قضيةُ الدكتورةِ رانيا العباسي وأطفالِها، بوصفِها واحدةً من أكثرِ القضايا إيلامًا في الذاكرةِ السوريةِ المعاصرة، لما أحاط بها من غموض، وما ارتبط بها من أسئلةٍ إنسانيةٍ موجعةٍ لم تجد إلى اليوم إجاباتٍ شافية، إلا عند من يدركون تاريخَ وجوهرَ وطبيعةَ أهدافِ المشاريعِ الطائفيةِ المجرمة التي زادها الغربُ قوةً وصلابةً، ومكَّنها من وسائلِ القوةِ الخشنةِ والأرضيةِ السياسيةِ المصطنعة.
إنَّ استحضارَ هذه القضايا في مواسمِ الأعيادِ ليس استدعاءً للأحزانِ بقدرِ ما هو تذكيرٌ بواجبِ الوفاءِ للضحايا، ورفضِ النسيان، والتأكيدِ على أنَّ كرامةَ الإنسانِ وحقَّه في الحياةِ والأمنِ والعدالةِ ليست قضايا عابرة، بل هي من أعظمِ القيمِ التي ينبغي أن تجتمعَ عليها ضمائرُ الأحرار، كما يجب أن تؤيدَها الحكوماتُ النزيهةُ المنحازةُ لشعوبها.
إنَّ قضيةَ رانيا العباسي وزوجِها وأطفالِها ليست قضيةً سوريةً فحسب، بل هي قضيةٌ فلسطينيةٌ غزِّية، ويمنيةٌ صنعانية، وسودانيةٌ بامتياز، وكرديةٌ واسعة، وعراقيةٌ يعيها شعبُ العراق الذي تناهزُ آلامُه الصامتةُ مجموعَ آلامِ الأمةِ المعلنة.
وأمام أيقونةِ رانيا العباسي وأسرتِها، وهي صورةٌ شائعةٌ ومكررةٌ في أرجاءِ بلادِنا العربيةِ وأقاليمِنا الإسلامية، لا بدَّ من طرحِ سؤالِ الوقتِ الجادِّ، وهو:
كيف تخرجُ شعوبُ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ من حالةِ الذلِّ واستباحةِ أعراضِها ودمائِها على نطاقٍ واسع، في واقعٍ تداخلت فيه مشاريعُ الهيمنةِ والصراعاتِ المتعددة، حتى باتت المآسي تتكررُ في غزة وجنين ودمشق وحمص وصنعاء والخرطوم وبغداد، على نحوٍ جعل سقطَ المتاعِ وحطبَ جهنم يمارسون إجرامَهم بلا حسيبٍ ولا رقيب، ولا خوفٍ ولا وجل؟
الجواب:
لن تتوقفَ المذابحُ في شعوبِ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ ما دامت لا تملك مشروعًا سياسيًّا يعبرُ عن مجموعِها، لا سيما بعدما زال الإطارُ السياسيُّ الذي كان يعبرُ عن هويتها الثقافية. وفي ظلِّ وجودِ الدولِ الوطنيةِ التي صنعها الغربُ عن وعيٍ كبديلٍ عن الإطارِ السياسيِّ المعبرِ عن الأمةِ والجامعِ لها، فإنَّ المشروعَ الإسلاميَّ النهضويَّ يحتاجُ إلى عقولٍ فذَّةٍ، ونفوسٍ راقيةٍ، ومواقفَ جريئةٍ، يُغبِّشُ عليه اليومَ شريحةٌ من النخبِ التي ربطت على خصرِها زنارَ الرقص، وبدأت تميِّعُ شكلَ الواجبِ في سياقِ تزلُّفِها الرخيصِ لحكامِ الوقتِ العابرين.
وبكلمةٍ يمكنُ القولُ:
إنَّ واجبَ الوقتِ هو بلورةُ مشروعٍ سياسيٍّ عمليٍّ واقعيٍّ معبِّرٍ عن الأمةِ التي تجمعُها وحدةٌ ثقافيةٌ قائمةٌ على القرآنِ والسنة. ولعلَّ ما تعيشُه الأمةُ من ظروفٍ يجعلُ الأرضَ غايةً في الخصوبةِ لمثلِ هذا المشروعِ الذي تتعطشُ له الشعوب، وهي مستعدةٌ لأن تقدِّمَ أضعافَ ما قدَّمته في حقبةِ الربيعِ العربي، على أن ترى مشروعًا قويمًا واضحًا، وقيادةً تتميزُ بالفهمِ والصدقِ وشجاعةِ الموقفِ والانحيازِ لعمومِ الأمة.
الأمرُ الذي يشيرُ إلى موطنِ العَوَرِ الحقيقي، وهو عدمُ تشكُّلِ تلك القيادةِ كخطوةٍ رئيسيةٍ نحو مشروعٍ واعد، وأمةٍ تنتظرُه بشوقٍ كبير، ودماؤُها المسفوكةُ ما تزالُ تسيل.
أَزْمَةُ الأُمَّةِ في القِيادَةِ وَضَعْفُهَا فِي المَشْرُوعِ
أمام حجمِ الدماءِ المهدورةِ والأعراضِ المنتهكةِ في دمشقَ وغزةَ والخرطومِ وصنعاءَ وبغدادَ وكردستانَ وشرق الصين وبنغلاديش ومواطنِ الشدةِ الأخرى، لم تَعُدْ هناك مساحةٌ للمجاملةِ أو التراخي في قولِ الحقيقة. وأقولُ بكلِّ وضوحٍ:
إنَّ الجرأةَ والنَّباهة في طرحِ مشروعٍ نهضويٍّ عمليٍّ واقعيٍّ تراكميٍّ مسألةٌ واجبة، وهي في متناولِ كوكبةٍ متوفرةٍ من نخبِ الأمةِ الواعيةِ وعلمائِها الصادقين، غيرَ أنَّ الرقمَ الصعبَ في المعادلةِ هو تشكُّلُ القيادةِ المؤمنةِ الواعية التي لا بدَّ أن تتهيأَ لدفعِ الثمن بتجاوزها للأصنام الفكرية والحظوظ الدنيوية، ابتداءً من تجاوزِها لصنمِ القُطرية، وترفُّعِها عن الدونيةِ المالية، وتمسُّكِها بعزتِها واستقلالِ قرارِها أمام النُّظم الحاكمةِ وأمام ضغط واغراءات الأجنداتِ الخارجية.
وهنا فإننا سنجدُ أنفسَنا أمامَ نموذجين ربانيين: أصحابِ الكهفِ، وأتباعِ طالوتَ عليه السلام، وقد تجسَّدت معانيهما في أكملِ صورها في سيرةِ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وصحبِه الكرام المعدلين بنص القرآن الكريم. فهل نهتدي بهديهم، ونقتدي بهم من جديد؟
مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 31/5/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق