كيف أصبحت الرواية الإعلامية إحدى أدوات القوة الناعمة؟
لم يعد الإعلام الدولي مجرد وسيط ينقل الوقائع إلى الجمهور، بل أصبح أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الصورة الذهنية للدول والشعوب.
ففي عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتنافس الدول على كسب العقول قبل كسب الأسواق، وعلى ترسيخ روايتها في الفضاء العالمي بقدر تنافسها في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية.
ومن هنا، باتت المصداقية وجودة المحتوى والقدرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة ركائز أساسية لتعزيز المكانة الدولية وبناء قوة ناعمة مستدامة.
الصورة الذهنية.. رصيد إستراتيجي في العلاقات الدولية
شهدت العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في وظيفة الإعلام، إذ تجاوز دوره التقليدي في نقل الأخبار إلى التأثير المباشر في تشكيل الرأي العام العالمي، واستقطاب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، ودعم المواقف السياسية أو إضعافها.
وأصبحت الصورة الذهنية للدول أحد أهم الأصول الإستراتيجية التي تسهم في تعزيز حضورها على الساحة الدولية.
ومع التطور المتسارع لوسائل الاتصال الرقمية، لم تعد المنافسة بين الدول مقتصرة على الاقتصاد أو النفوذ السياسي، بل امتدت إلى التنافس على صناعة الرواية الإعلامية الأكثر تأثيرًا وإقناعًا، وهو ما يدفع العديد من الدول إلى الاستثمار في الإعلام الدولي، والدبلوماسية العامة، والإنتاج الثقافي، والمحتوى الرقمي متعدد اللغات.
الذكاء الاصطناعي يغيّر المشهد الإعلامي
أدخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في صناعة الأخبار والمحتوى الإعلامي، بعدما أصبحت تُستخدم في جمع البيانات، وتحليلها، وترجمة المحتوى، وإنتاج النصوص والصور والفيديوهات، الأمر الذي فتح آفاقًا واسعة أمام المؤسسات الإعلامية، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات تتعلق بالمصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، وانتشار المعلومات المضللة.
وخلال عام 2026م، واصلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تنفيذ برامجها الهادفة إلى تعزيز حرية الإعلام، وحماية الصحفيين، ومكافحة المعلومات المضللة، مؤكدة أن الإعلام المهني القائم على التحقق من المعلومات يمثل أحد أعمدة التنمية المستدامة والمجتمعات الواعية.
كما ناقشت الأمم المتحدة في اجتماعاتها المتخصصة التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإخباري ومستقبل العمل الصحفي.
القوة الحضارية قبل القوة الإعلامية
يكشف التاريخ أن الصورة الحضارية للعالم الإسلامي لم تُبنَ بالقوة العسكرية وحدها، بل أسهم في تشكيلها العلماء، والرحالة، والتجار، والمترجمون، الذين نقلوا إلى الشعوب الأخرى صورة عن ازدهار المعرفة في بغداد، والقاهرة، ودمشق، وقرطبة، وسمرقند.
وقد لعبت مؤلفات الرحالة المسلمين، وفي مقدمتهم ابن بطوطة، دورًا مهمًا في التعريف بالحياة العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، كما أسهمت كتابات عدد من الرحالة الأوروبيين في نقل صورة عن تلك الحضارة إلى مجتمعاتهم، بما رسّخ حضورها في الوعي العالمي آنذاك.
ويرى المؤرخ الأمريكي مارشال هودجسون أن انتشار التأثير الحضاري الإسلامي تحقق عبر التجارة والتعليم والثقافة بقدر ما تحقق عبر النفوذ السياسي، وهو ما جعل القوة الثقافية أحد أهم عناصر الحضور الإسلامي في التاريخ.
الإعلام الدولي بوابة القوة الناعمة
في العصر الحديث، أصبحت المؤسسات الإعلامية العالمية إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للدول، إذ تعتمد القوى الكبرى على شبكات إعلامية دولية، ومنصات رقمية، وأفلام وثائقية، وإنتاج ثقافي متنوع، لإيصال رؤيتها إلى الجمهور العالمي، وتعزيز صورتها في الخارج.
ويؤكد الباحث الأمريكي جوزيف ناي، صاحب مفهوم “القوة الناعمة”، أن التأثير الحقيقي لا يتحقق بالدعاية، وإنما بالمصداقية، لأن الجمهور أصبح يمتلك وسائل متعددة للتحقق من المعلومات ومقارنة الروايات المختلفة، وهو ما يجعل الثقة وجودة المحتوى العنصرين الأكثر تأثيرًا في بناء السمعة الدولية.
فرص أمام الإعلام العربي والإسلامي
تمتلك الدول العربية والإسلامية فرصًا واسعة لتعزيز حضورها الإعلامي عالميًا، من خلال توسيع إنتاج المحتوى بلغات دولية، ودعم الصحافة العلمية والثقافية، وإطلاق منصات رقمية متخصصة، والاستثمار في الأفلام الوثائقية والبرامج المعرفية التي تعكس تاريخ المنطقة وإنجازاتها العلمية والإنسانية.
كما يبرز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحوث بوصفه أحد المسارات المهمة لإنتاج محتوى يعتمد على البيانات والدراسات الموثقة، ويخاطب الجمهور العالمي بلغة علمية رصينة، بعيدًا عن الخطاب الدعائي أو الانفعالي.
وفي السياق نفسه، تزداد الحاجة إلى تطوير برامج تدريب الصحفيين في مجالات التحقق الرقمي، وصحافة البيانات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والتغطيات الدولية، إلى جانب إنشاء شبكات تعاون عربية وإسلامية لإنتاج التقارير والتحقيقات المشتركة، بما يعزز الحضور الإعلامي في القضايا الدولية.
مواجهة التضليل بالمهنية لا بالرقابة
تشدد اليونسكو على أن مكافحة المعلومات المضللة لا تتحقق بفرض القيود على تدفق المعلومات، وإنما عبر نشر ثقافة التربية الإعلامية، وتعزيز مهارات التحقق، ودعم المؤسسات الإعلامية المستقلة والمهنية، بما يسهم في رفع جودة النقاش العام وتعزيز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.
ويزداد هذا التوجه أهمية في ظل البيئة الرقمية الحالية، التي تسمح بانتشار الأخبار الزائفة بسرعة غير مسبوقة، وتفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير آليات أكثر كفاءة للتحقق والتدقيق قبل النشر.
تحديات المستقبل
رغم ما تتيحه الثورة الرقمية من فرص كبيرة، فإن الإعلام الدولي يواجه تحديات متزايدة، من أبرزها المنافسة الحادة بين المنصات، والانتشار السريع للمعلومات المضللة، وتراجع العائدات التقليدية للمؤسسات الإعلامية، والحاجة إلى ابتكار نماذج اقتصادية مستدامة، فضلًا عن التسارع المستمر في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويرى الباحث البريطاني نيك نيومان، من معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، أن مستقبل الإعلام يتجه نحو المحتوى المتخصص عالي الجودة، مع تنامي الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها، مع بقاء التحرير البشري والتحقق المهني عنصرين لا يمكن الاستغناء عنهما.
ويتوقع خبراء الإعلام أن تصبح القوة الإعلامية خلال السنوات المقبلة معيارًا رئيسيًا لمكانة الدول، ليس بعدد المنصات التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على إنتاج محتوى موثوق ومتعدد اللغات، يشارك بفاعلية في النقاشات الدولية حول القضايا السياسية والعلمية والثقافية.
القوة الناعمة
إن تحسين الصورة الذهنية للعالم العربي والإسلامي ليس مشروعًا إعلاميًا عابرًا، بل مسار حضاري طويل يقوم على المعرفة، والمهنية، والشفافية، والقدرة على مخاطبة العالم بلغته ومنطقه.
فحين يتحول الإعلام إلى منصة لإبراز الإنجازات العلمية والثقافية والإنسانية، ويستند إلى الحقائق بدل الشعارات، يصبح أحد أهم أدوات بناء القوة الناعمة وترسيخ الحضور الدولي، ويغدو الاستثمار في الإعلام استثمارًا في مستقبل الأمم ومكانتها بين الشعوب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق