الجمعة، 17 يوليو 2026

كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟

 كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟



محمد خير موسى

"من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟"                            


نشأت جماعاتٌ إسلاميةٌ كثيرةٌ في لحظةٍ مكسورةٍ من تاريخ الأمة؛ لحظة سقوط الخلافة وتمزّق المجال الإسلامي ووقوف المسلمين أمام خرائط جديدة حملت أسماء الدول والحدود والأعلام والجوازات، بعدما كانوا يرون أنفسهم جزءاً من أمةٍ واحدةٍ تمتدّ في العقيدة والقِبلة والشريعة واللغة الكبرى والمصير، فجاءت تلك الجماعات في أصل نشأتها جواباً على جرحٍ حضاريٍّ عميق، وصرخةً في وجه عالمٍ يريد أن يحشر الإسلام في زاوية الشعائر الفردية، وأن يجعل الأمة شعوباً متجاورةً في المناهج الدراسيّة ومتباعدةً في القرار ومتنافسةً في المصالح، ومحكومةً بحدودٍ رسمتها يد المنتصر العسكريّ في غرف السياسة الباردة.

ولكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود التي كان يفترض أن تكون عنده مجالَ ضرورةٍ تنظيميةٍ عابرة فتحولت شيئاً فشيئاً إلى أفقٍ نفسيٍّ وفكريٍّ وحركي، وصار سؤال الأمة في بعض العقول سؤالاً عاطفياً وسؤال القُطر سؤالاً مصيرياً، وأضحى الثغر الأقرب ذريعةً لضمور الأفق الأوسع بعدما كان الثغر الأقرب بوابةً إلى الأمة كلها.

المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود


لقد جاءت الدولة القُطرية الحديثة ومعها فلسفتها الكامنة؛ سيادة محصورة داخل الحدود ومواطنة تعيد ترتيب الانتماءات، وقانون يملك الكلمة الأخيرة ومؤسسات تصوغ الفكر والوعي، وتعليم يربّي الإنسان على أن العالم يبدأ من النشيد الوطني وينتهي عند ختم الجواز، فدخلت هذه الفلسفة إلى عقول بعض الإسلاميين من أبوابٍ كثيرة، بعضها من باب المشاركة السياسية وبعضها من باب الواقعية وبعضها من باب الخوف من الاتهام، وبعضها من باب طول الممارسة داخل مؤسساتٍ قامت على تصوراتٍ مغايرةٍ للتصور الإسلامي.

ومن أخطر مظاهر هذا التسرب أن ينتقل الحديث عن الإسلام من كونه شريعةً ذات سلطانٍ على الحياة إلى كونه منظومةَ قيمٍ عامةٍ تضفي على السياسة أخلاقاً رقيقة وتمنح المسؤول السياسي نصائح جميلة، ثم يُسحب من الإسلام مقامه في بناء القرار السياسي والحكم والعدل والسيادة والتشريع. وقد تسلّل هذا المعنى إلى شريحةٍ من شباب الحركات الإسلامية عبر بوابات العلمنة واللّبرلة التي دخلت عقولهم من المناهج الغربية لا سيما في  كتب العلوم السياسية، ومن خطاب الدولة الحديثة مع ضعفٍ ظاهرٍ في التكوين الشرعي والأصولي والمقاصدي، حتى صار بعضهم يجمع بين حرارة التدين الفردي وبرودة التصور السياسي، فيصلّي في المسجد بخشوعٍ صادق ثم يقول في قاعة النقاش: إن الإسلام جاء بالقيم العامة وأنه لا يحمل نظاماً سياسياً ولا يقدّم تصوراً للحكم، ولا يملك قولاً حاكماً في مصادر القانون وموازين السلطة وتموضعات التحالفات، وكأن الوحي جاء ليزكّي الروح في خلواتها ثم ترك نظام القوة والمال والسلطان والقرار السياسي للغلبة والتجربة والمزاج الدولي والخبرة البشرية المستقلة عن المرجعية العليا.

ومن صور القولبة الأخطر أن يتسرّب إلى بعض العقول الحركية وهمٌ نشأ في ظلّ الدولة الحديثة، خلاصته أن السياسة ميدانٌ للمصالح والمفاسد المجرّدة، وأن لغة الحلال والحرام فيها لغةٌ وعظيّةٌ ضيقةٌ تعيق الحركة وتربك المناورة، فصرنا نسمع عباراتٍ مثل: هذه مسألة مصالح ومفاسد وليست مسألة حلال وحرام؛ مع أن المصالح والمفاسد في أصلها الشرعي واقعةٌ داخل ميزان الحلال والحرام وفرعٌ عن مقاصد الوحي وأحكامه وليست مملكةً مستقلةً فوق النصوص.

فالمصلحة الشرعية مصلحةٌ لأن الشرع شهد لها والمفسدة مفسدةٌ لأن الشرع دلّ على فسادها، والموازنة بينهما عملٌ فقهيٌّ دقيقٌ داخل سلطان الوحي؛ يقدّر مراتب الواجبات والمحرمات ويوازن بين خيرين أو شرّين بميزان الدليل والمقصد والمآل. وحتى المصلحة المرسلة -على سعة بابها في السياسة الشرعية- إنما تعمل داخل مقاصد الشريعة وكلياتها عندما يفتقر المجتهد إلى نصٍّ جزئيٍّ خاصٍّ، فينزل إلى روح الشرع العامة وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ومراعاة العدل ورفع الحرج ودفع الضرر، فهي داخلة في ميزان الحلال والحرام من جهة المقصد والضابط والمآل، وليست ممراً حرّاً يخرج به السياسي من سلطان الحكم الشرعي.

وهذا الفصل بين "المصلحة" و"الحكم الشرعي" ضربٌ من التدليس البلاغي حين يصدر عن عارفٍ بمواقع الكلام، أو جهلٌ بحقيقة الشريعة إذا صدر عن عقلٍ ظنّ أن الفقه يقف عند العبادات والمعاملات الصغيرة ثم يترك مصائر الأمة والدولة والدماء والولاءات والمقدسات لمجرد الحساب السياسي العاري.

هنا تتولد آفةٌ أشدّ خطراً، وذلك حين يظن بعض القادة السياسيين في الجماعات والحركات الإسلاميّة أن وظيفة الشريعة أن تأتي بعد الفعل لتمنحه الختم، وأن مهمة العلماء أن يضعوا الغلاف الشرعي على قرارٍ اتُّخذ في غرف السياسة فتتحول الفتوى من نورٍ سابقٍ يهدي الطريق إلى توقيعٍ لاحقٍ يجمّل المسار وزيّنه في أعين الجماهير، ويتحوّل الفقيه إلى موظفِ تزكيةٍ يُطلب منه أن يجد للقرار مخرجاً بعد إعلانه، وأن يحضر محافل المحاججة عنه باسم الشريعة في وجه كلّ منتقدٍ أو معترضٍ.

وهذه صورةٌ مصغرةٌ من فكرة "الدين تحت الدولة" التي تحكم المنظومة التكوينيّة للدولة الحديثة؛ فكما تريد الدولة الحديثة من المؤسسة الدينية أن تبارك خياراتها الكبرى بعد صدورها فإنّ بعض الجماعات والحركات والأحزاب الإسلاميّة تريد من الشريعة أن تسير خلف تقديرات القيادة، وأن تجعل المصلحة اسماً فخماً لما استقرّ عليه القرار، وأن تجعل فقه الموازنات باباً واسعاً لتأجيل الواجبات وتخفيف المحرمات وتسكين الضمير أمام التنازلات عن أحكام الشرع، مع أنّ السياسة التي تطلب أن يكون الفقه شاهدَ تبرئةٍ بعد الفعل تكشف أن مرجعيتها الحقيقية صار القرار البشريّ المنفصل عن مرجعيّته ونوره، وليس الوحي الذي يُتَغزَّلُ به في المحافل بوصفه المرجعيّة العليا للجماعة.

والإنصاف يقتضي هنا أن يُقال: إن الحالةَ المشيخية في عموم الأمة مثقلةٌ بأوجاعها وأمراضه، وفيها من ضعف أدوات النظر السياسي وقصور قراءة الدولة الحديثة واضطراب تقدير موازين القوة ما جعل الطبقة السياسية داخل بعض الجماعات الإسلامية تشعر أن الشيخ يصلح للتزكية العامة والدعاء والتحشيد الوجداني؛ أكثر مما يصلح للدخول في تقدير القرار ومآلاته، غير أن هذا التشخيص مهما بلغ من الصواب في بعض مشاهده يعجز عن أن يمنح السياسي حقَّ مصادرة المرجعية الشرعية أو عزل العلماء عن موقع الشهادة على الفعل العام؛ ففي الأمة شريحةٌ من العلماء الكرام -وإن كانت الاستثناء- تجمع بين الرسوخ في فهم الحكم الشرعي وفقه النصوص والمقاصد، وبين إدراكٍ معتبرٍ لطبيعة الدولة والسلطة والواقع السياسيّ والمصالح والمآلات. وهؤلاء يحتاجهم السياسي في أصل تقديره لأن القرار الذي يتصل بالدماء والحقوق والعهود والولاءات ومصير الدعوة والأمة والمقدسات يحتاج عقلاً شرعياً سابقاً للفعل وحاضراً في صناعة السؤال، ومشاركاً في تفكيك الحيثيات وكاشفاً لما يستتر خلف لغة الضرورة والواقعية والمصلحة.

غير أن كثيراً من سياسيي الجماعات الإسلامية يروق لهم أن يكون العالِم داخل جماعتهم في موقعه من الحاكم داخل الدولة الحديثة؛ داعماً للقرار بعد صدوره وشاهِدَ تزكيةٍ على حكمته وصاحبَ ختمٍ شرعيٍّ يوضع في آخر الورقة، وليس شريكاً في بناء التصور ولا مختبراً لمسالكه ولا رقيباً على انحرافاته. وللأسف أنّ شريحة من العلماء والدعاة قد قبلت على نفسها هذا الموضع تحت عنوان الثقة بالقيادة، فصاروا يبصمون على اختياراتها باسم وحدة الصف وحسن الظن وحفظ المشروع، حتى جعلوا الحكم الشرعي يدور مع ما قاله السياسي وجوداً وعدماً؛ فإن تقدّم السياسي تقدّمت معه الفتوى وإن تراجع تراجعت وإن صمت صمتت، وإن غيّر وجهته وجدت اللغةُ الشرعية طريقاً إلى اللحاق به.

الحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس


وربما فعل كثيرٌ منهم ذلك بحسن نيةٍ وهم يتوّهمون أنهم يخدمون الشريعة بحماية الجماعة، فإذا هم يضعون أنفسهم في الموضع نفسه الذي طالما حذّروا النّاس منه عند ذمّهم علماء السلاطين؛ موضع العالم الذي يجعل الدين خادماً للقرار السياسي بدل أن يبقى الدين مرجعيةً حاكمةً عليه ونوراً يكشف له الطريق قبل أن تندفع العربة في العتمة.

فالحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس: من يحدد معنى الممكن وإطاره وحدوده؟ ومن يرسم حدود القضية وتفاصيل مسائلها؟ ومن يملك تعريف المصلحة والمفسدة؟ ومن يجعل القُطر خادماً للأمة أو يجعل الأمة ملحقاً عاطفياً بالقُطر؟ من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟ فهذا السؤال هو الفاصل بين جماعةٍ تستعمل أدوات الدولة وهي واعيةٌ بخطرها وجماعةٍ تستعملُها حتى تستعمِلَها الأدوات، وبين جماعةٍ تدخل السياسة لتشهد بالحق وجماعةٍ يدخل الحق عندها ليستأذن السياسة.

إن الخروج من هذه القولبة يبدأ باستعادة التصور الإسلامي الكامل؛ تصورٍ يرى الدين مرجعيةً للحياة كلها؛ فيرى السياسة مجالاً أخلاقياً وشرعياً محكوماً بالوحي، والمصلحة مصلحةً منضبطةً بالوحي، والقُطر ثغراً قريباً داخل أمةٍ واحدة، والمؤسسة الفقهيّة أداةَ بيانٍ وبناءٍ وتحرير، والجماعة الإسلامية خادمةً لمعنى الأمة وليست نسخةً متدينةً من الأحزاب الوطنيّة.

وتبقى الدولة الحديثة قادرةً على رسم الحدود في التراب وعاجزةً عن حبس الأفق الذي يفتحه الوحي في القلب؛ فالجغرافيا قد تُجزَّأ، والرايات قد تتكاثر، والجوازات قد تصير أختاماً على حركة الأجساد، غير أن العقيدة حين تستيقظ تردّ الإنسان إلى نسبه الأعلى، وتكشف له أن السياسة بلا شريعة قوةٌ عمياء، وأن المصلحة بلا وحي شهوةٌ مؤسسية، أما الإسلام فيعيد الإنسان عبداً لله تعالى وشاهداً بالقسط وحرّاً يحمل الدين من زاوية الشعائر إلى رحابة الحياة، حيث يظل سلطان الله تعالى فوق كل سلطان.

x.com/muhammadkhm

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق