قدّم أحمد دعدوش حلقة عن الهلوسات.. يحكي تجربة لعالم نفس أمريكي تعامل مع مسحورين، وأثبت أن: الطب النفسي لا يعالج المرض، ولا يعالج الأعراض، بل وله أعراض جانبية أقلها حالة من الهمود والخمول الشديد. بمعنى أن الطب النفسي عاجز عن التشخيص وعاجز عن العلاج ويسبب أضرارًا بعقاقيره في كثير من الحالات.
وأن عامة حالات الجنون هي من الشياطين.. هكذا تكلم هذا العالم الغربي.. وتكلم من واقع تجارب عايشها لعشرات السنين.
قلت: قوله حق!!
فالشياطين حاضرة بالسحر وبالحسد، وتتلبس كثير من الأشخاص وخاصة النساء، وخاصة في هذه الأيام. ولكن للهلوسة مصدر آخر غير تلبس الشياطين… حديث النفس. ودعني أوضح لك:
حين دخلت المعتقل أول مرة (2014-2015).. رأيت شابًا يتحدث مع نفسه.. كأنما يتحدث لشخص آخر. يجلس ويروح ويجيء وهو يتحدث كأنما يرافقه آخر.. يتحدث بصوت عالٍ في مواضيع شتى. ولابد أنك ترى مثله في الطرقات!!
قلت وقتها: مسحور، يرى عفريتًا من الجن ويتحدث إليه، كان هذا ما استقر في نفسي وقتها. حسبت الشياطين قد استحوذت عليه فلم يعد يرى أو يسمع غيرها.
وتكرر هذا بعد ذلك، بمعنى رأيت أكثر من شخص على هذه الحالة.
ودخلت السجن مرة بعد مرة؛ ومن أهم تحديات السجن- وخاصة الحبس الانفرادي- قضاء الوقت. يكون الوقت طويلًا، وأنت مقيد بالجدار ومعصوب العين، فلا تستطيع الحركة ولا تستطيع الكلام. ويكون الوقت ثقيلًا كأنه جبل جاثم عليك، وفي كل حين تسأل: كيف الحال في القبر؟!
وكنت أُقسِّم الوقت بين التلاوة وبين التسميع على نفسي (استحضار ما حفظت)، وبين الأذكار، ثم محاولة الصلاة في القيد. والصلاة من أهم اسباب انقضاء الوقت.. بتعاقبها وتنوعها يمر سريعًا.
وذات مرة ونحن في حبس جماعي (زنزانة كبيرة) وجدت بجواري شاب يحدث نفسه أحيانًا. ولكنه لم يكن مستغرقًا في الحديث كالذين رأيتهم من قبله. وكان هذا عاقلًا شديد الاتزان، فسألته: لم تحدث نفسك؟!
وهذا هو الشاهد من المقال. فقدم لي جوابًا يصلح لتشخيص كثير من الحالات، وهو:
أنه- حال الحبس الانفرادي- كان يقضي الوقت في تخيلات. يتخيل أنه ذهب لزوجته وأولاده وأقام بينهم، ويأمر هذا وينهى ذاك، ويلاعب هذا، ويناقش مع زوجته أمور المعيشة، ويتخيلها على ما يحب.
وأحيانًا يجري حوارًا تلفزيونيًا في قناة كبرى (هكذا يتخيل) ويستمر الحوار المتخيل هذا ساعات طوال.
يقول: كنت على هذا طيلة فترة الحبس الانفرادي، ولم استطع الخروج منها بعد أن انتهى الحبس.
ويبدو أن الذين رأيتهم من قبل كانوا مثله.
وإن الذين يمرون بمشاكل حياتية: كقهر الدَّين وقهر الرجال؛ وقهرٍ من النساء (الزوجة غالبًا) يفرّجون عن أنفسهم بحديث لأنفسهم ضد من يقهرهم في الغالب.. أو مع حبيب يسليهم. فمن هنا يأتي حديث النفس بصوتٍ عالٍ. ينفصل المريض عن الواقع ويستغرق في “حديث النفس”.
وبمرور الوقت ومع استمرار أسباب القهر تتحول إلى ما يسمى “هلوسات”.. “جنون”
وأقول: أصبحت هذه ظاهرة فالذين يتحدثون لأنفسهم في الطرقات كثيرون. وإن وقفت في ناحية من طريق مزدحم فسيمر بك من يحدث نفسه. وذاك من ضغط المعيشة.
إن حديث النفس ليس من الشياطين وحدها، وليس مرضًا نفسيًا على الحالة التي يتحدث بها الأطباء النفسيون، وإنما يتولد من الضغط.. من القمع.. مما يعانيه أحدنا في الحياة.
ولابد أنك تتحدث لنفسك بصوتٍ عالٍ من وقت لآخر. وسل من حولك!!
هل نحن مجانين؟!
الجنون الحقيقي (فقدان العقل كلية) قليل، بل نادر، ولكننا في الواقع ابتلينا بمعايير جديدة وضعت كثيرًا من الناس تحت مظلة الجنون، حتى قالوا: إن الجنون هو مرض العصر. ويقصدون كل من اضطربت عليه أحواله النفسية. وهو معيار يستهدف العقاب والإقصاء عن المؤسسات (الرسمية والرأسمالية) طلبًا للسلامة كليةً فيمن يعمل، وقد تحدث عن هذا وأسهب “ميشيل فوكو”، وحديثه مشهور ومعروف.. وضع الجنون المعاصر في سياق أدوات السلطة (سطلة المؤسسات بتنوعها المختلف) من أجل السيطرة على الناس.
الشياطين ركبت كثيرا من الناس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق