حَجَر رشيد.. هل سبقَ “ابنُ وحشيّة” شامبليون في فكّ رموز الهيروغليفية؟
19 يوليو 1799م: اكتشاف حَجَر رشيد
1- تم اكتشاف (حَجَر رشيد) بواسطة الضابط مهندس “بيير فرانسوا بوشار”، ونجح العالم الفرنسي الأثري “شامبليون”، الذي جاء مع الغزو الفرنسي لمصر، في فكّ رموز اللغة الهيروغليفية
2- (العلمانيون والأثريون والجهلاء يطلقون على الاحتلال الفرنسي لمصر: “الحملة الفرنسية”)
3– ساهم اكتشاف هذا الحَجَر في فكّ طلاسم اللغة المصرية القديمة، وذلك عن طريق مقارنتها باللغة الديموطوقية، وكان من نتيجة ذلك؛ دراسة الحضارة الفرعونية.
4– البداية كانت عندما كلّفَ الجنرال مينو، ثالث قادة الاحتلال الفرنسي لـ مصر، بعد الطاغيتين: نابليون وكليبر، الضابط مهندس “فرانسوا بوشار” بإجراء أعمال ترميم وإصلاح في قلعة جوليان “قايتباي حاليًا”، وأثناء العمل عثرَ على هذا الحَجَر البازلتي تحت أنقاض القلعة، وكان يبلغ ارتفاعه (1 متر) وعرضه (73 سنتيمترًا) وسُمكه (27 سنتيمترًا)، فلما رآه” بوشار” أدرك ما لهذا الحجر من أهمية.
5- ذكرَ الدكتور “سليم حسن” في موسوعته: “مصر القديمة” عددا من المحاولات في فك رموز الكتابة الهيروغليفية
وقال مؤلف “مصر القديمة” إن أول من حاول فك رموز هذا الحجر هو “سلفستر دي ساسي” عام 1802م، وكان عالمًا باللغة العربية، ولكن محاولاته باءت بالفشل
6- أول محاولة جادة متكاملة لفك رموز حجر رشيد، هي التي قام بها الدبلوماسي السويدي العالم “توماس أكربال” في سنة 1820م، الذي تعرّفَ على بعض الحروف، أما العالم البريطاني “توماس ينك”، فقد اكتشف أن الكتابة الهيروغليفية هي حروف لأصوات، ولكنه أخطأ في الخصائص الصوتية لهذه الرموز.
7- استطاع العالم الفرنسي “جان فرانسوا شامبليون” (1790م – 1832م) فَكَّ رموز اللغة المصرية القديمة، في عام 1822م، عن طريق مضاهاة الحروف ببعضها البعض وخاصةً الأسماء، وأدى هذا الاكتشاف إلى ثورة علمية وتاريخية، ومعرفة رموز الهيروغليفية.
8- كان “شامبليون” يعرف اللغة القبطية، فطابقها باللغة اليونانية الموجودة على الحَجَر، ثم ميـّـزَ أسماء الحُكّام البطالمة المكتوبة باللغة العامية المصرية، واستطاع أن يحصل على عِدّة حروف، وعن طريق مضاهاتها ببعض أسماء أخرى؛ وصلَ إلى أبجدية الحروف القبطية، وبالتالي أبجدية الحروف الهيروغليفية التي كان يستخدمها فراعنة مصر.
9- كانت الكلمات المكتوبة على حجر رشيد بثلاث لغات:
1- الهيروغليفية
2- الديموطيقية
3- اليونانية
فاللغة الهيروغليفية كانت لغة المعابد والمراسلات،
واليونانية كانت هي لغة البطالمة الذين كانوا يحتلون مصر، أما الديموطيقية فهي (العاميّة المصرية وكانت مزيجا من عدة لغات ولهجات)
10- استولى البريطانيون على حجر رشيد، بعد خروج الفرنسيين، عام 1801م، وتم نقل الحَجَر للمتحف البريطاني، سنة 1802م، حتى الآن، وسرقة الآثار المصرية كانت أمرًا اعتياديًا في عهدي الاحتلال الفرنسي والبريطاني، ويُعد حجر رشيد واحدًا من أكثر من مئة ألف قطعة أثرية مصرية وسودانية يحتفظ بها المتحف البريطاني، استولى على نسبة كبيرة منها خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية بين عامي 1883م و1953م.
خلال الحملة الفرنسية نُقلت إلى فرنسا أربع مسلات تُعرف بـ”مسلات باريس” للملك رمسيس الثاني، كما نُقل رأس الملك خوفو المعروض عند مدخل الجناح المصري في متحف اللوفر، إلى جانب عشرات الآلاف من القطع الأثرية الأخرى.
أما بريطانيا، فلم تكتف بالاستيلاء على حجر رشيد، بل يضم المتحف البريطاني اليوم سبع قاعات كاملة مخصصة لعرض التماثيل والمومياوات والآثار المصرية، في واحدة من أكبر مجموعات الآثار المصرية خارج مصر.
وعلى مدار أكثر من قرن، طالبت الحكومات المصرية المتعاقبة باستعادة حجر رشيد، إلا أن بريطانيا لا تزال ترفض إعادته حتى اليوم.
المكتشف الحقيقي للهيروغليفية؟!
11- أول عالم عربي اهتم بالهيروغليفية والنصوص المصرية، هو (جابر بن حيّان) الذي عاش بين منتصف القرن السابع ومنتصف القرن الثامن الميلادي، واستفاد من أبحاثه العديد من العلماء العرب، منهم “ابن وحشية” و”ذو النون المصري “
12- لم يكن فرانسوا شامبليون «1790م – 1832م»، أول من اكتشف أسرار اللغة الهيروغليفية، كما يُشاع، بل سبقه إلى ذلك العالم العربي العراقي المسلم «أبو بكر أحمد بن علي بن قيس» – ابن وحشية – أول من كشفَ أسرار «الكتابة المقدّسة» الهيروغليفية.
يُعرَف بـ «ابن وحشية النبطي» أو «ابن وحشية الكلداني»، عاش بين القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، الثالث والرابع الهجريين، وقد كشفَ في مخطوطته النادرة (كشف المستهام في معرفة رموز الأقلام) عن أحرف وأسرار 89 لغة قديمة من بينها اللغة المصرية القديمة «الهيروغليفية».
13- تجاوز «ابن وحشية»، في مخطوطته النادرة اكتشاف الحروف الهيروغليفية، ومقاطعها الصوتية، إلى اكتشاف الرموز التي كان يستخدمها الفراعنة في وصف بعض الأشياء؛ مثل أسماء الكواكب، والنجوم، والمعادن، والحيوانات، والجمادات، وتجاوز ذلك إلى تفسير الرموز التي كانت تستخدم بعض المعاني المطلقة؛ مثل الروح والخير والشر والقدرة وغير ذلك.
14- كتاب (كشف المستهام في معرفة رموز الأقلام) تمت طباعته في لندن عام 1806م، وفي فرنسا قبل اكتشاف الهيروغليفية على يد شامبليون ب 16 عاما!!!
وهو الكتاب الذي استعان به شامبليون، ونسبَ الاكتشاف لنفسه، كما ذكرَ الدكتور عكاشة الدالي، عالم المصريات في كتابه الذي أصدره في سنة 2004م: «الألفية المفقودة.. مصر القديمة في كتابات العرب»، وتحدّث فيه عن اكتشاف «ابن وحشية»،
15- ما سبق به «ابن وحشية»؛ «شامبليون» وباقي علماء أوروبا بثمانية قرون، يتطابق مع ما وصل إليه علم المصريات في الحروف والرموز الهيروغليفية باللغتين الإنجليزية والفرنسية.
16- تمتلك المكتبة الوطنية في باريس مخطوطة «ابن وحشية»: «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»، تحت رقم «1605/131»، وأيضا تمتلك المكتبة الوطنية في النمسا المخطوطة برقم «68»، الأمر الذي لم ينتبه إليه أحدٌ، باستثناء الدكتور الدمشقي، عضو مجمع اللغة العربية، “يحيى مير عَلَم”، أستاذ آداب اللغة وعلومها بكلية التربية الأساسية بالهيئة الوطنية للتعليم التطبيقي والتدريب في الكويت، في بحثه: (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام: أقدم مخطوط كشف رموز الهيروغليفية لابن وحشية النبطي) .. ويؤكد الدكتور “يحيى مير علم”، أن العلماء المسلمين والعرب اهتموا وفكّوا رموز اللغة الهيروغليفية، وتحدّثَ عن مخطوطات عربية في إسطنبول وباريس؛ تضم جداول تكشف المقابل الصوتي لرموز الهيروغليفية، تمكنَ ثلاثة علماء من المسلمين العرب من وضعها في العصور الوسطى التي كانت «مظلمة» في أوروبا.. وكان الأوربيون يعتقدون أن الرموز الهيروغليفية رموز سحر وشعوذة.
17- العالم اللغوي والكيميائي العراقي «ابن وحشية» له العديد من المؤلفات أهمها:
«شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»
«شمس الشموس وقمر الأقمار في كشف رموز الهرامسة»،
«الفلاحة النبطية»
«الأصول الكبير»
«الأصول الصغير»
وغيرهم.
18- يقول الدكتور عكاشة الدالي، عالم المصريات، والمحاضر بجامعة لندن: (رأيتُ كتاب “شوق المستهام إلى معرفة رموز الأقلام” لأحمد بن وحشية النبطي، بعيني، وطالعتُ فيه بنفسي،، وهنيئاً لعلماء أوروبا الذين ترجموا هذا الكتاب إلى لغتهم، فقد ترجمه الإنجليز منذ قرنين، ووقفوا بواسطته على آثار الأمم الماضية، فأعمال المستشرقين ووقوفهم على حل رموز الآثار، ما هي إلا نتيجة بحثهم في هذا الكتاب ووقفهم عليه، وإخفائه عنا حتى لا نسبقهم فيه).
19- في حوارٍ أجرته معه صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، في فبراير 2004م، قال عالم الآثار المصري الدكتور عكاشة الدالي: إن مؤلفات عدد من علماء العرب في العصور الوسطى تناولت الحضارة المصرية القديمة، وذهب إلى أن بعضهم نجح في فك جانب من رموزها قبل العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون بما لا يقل عن ألف عام، وأوضح أن العالم العراقي ابن وحشية توصّل إلى كثير من المبادئ التي اعتمد عليها شامبليون لاحقًا في قراءة الكتابة الهيروغليفية وفك رموز حجر رشيد.
20- ورغم وجود كتاب ابن وحشية (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) الذي فك فيه طلاسم 89 لغة، منها الهيروغليفية والنصوص المصرية القديمة؛ بتفاصيلها وأسرارها، ما زلنا نردد كالببغاوات: شامبليون شامبليون.
21- يرى عدد من علماء المصريات المعاصرين ومؤرخي الآثار أن العالم العراقي ابن وحشية لم ينجح في فك رموز الكتابة الهيروغليفية بالمعنى العلمي، ويؤكدون أن الفضل في فك شفرة حجر رشيد يعود إلى العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون.
ويستند هذا الرأي إلى أن شامبليون تمكن من قراءة نصوص حجر رشيد عبر المقارنة بين نصوصه الثلاثة: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية، كما توصل إلى أن الهيروغليفية ليست مجرد رموز تصويرية، بل نظام كتابة يجمع بين العلامات الصوتية والرمزية، وهو الاكتشاف الذي شكّل الأساس العلمي لقراءة النصوص المصرية القديمة،
ولهذا يُعد شامبليون، وفق الرؤية السائدة في الأوساط الأكاديمية، المؤسس الأول لعلم المصريات الحديث..
وفي المقابل، يرى هؤلاء الباحثون أن كتاب ابن وحشية «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»، المؤلف في القرن الثالث الهجري/العاشر الميلادي، لا يقدم تفسيرًا علميًا دقيقًا للغة المصرية القديمة، إذ يضم أسماء لملوك وروايات ومعلومات يعدها مؤرخون من قبيل الأساطير أو الروايات غير الموثقة..
كما يشيرون إلى أن ابن وحشية لم يضع منهجًا علميًا متكاملًا لفك الهيروغليفية، فلم يتوصل إلى أبجدية صوتية صحيحة، ولم يحدد القواعد النحوية للغة المصرية القديمة، ولم يثبت قدرته على قراءة نص أثري كامل قراءة صحيحة وفق المعايير العلمية الحديثة.
22- أما موقع وزارة الأوقاف المصرية، فقد أورد عددًا من النقاط التي يرى أصحابها أنها تعزز فرضية أسبقية ابن وحشية في فهم بعض رموز الهيروغليفية قبل شامبليون، ومن أبرزها:
1- أن كتاب «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام» تُرجم إلى اللاتينية في وقت مبكر، ونُشرت ترجمته قبل ميلاد شامبليون بعقود، وظلت محفوظة في مكتبات أوروبية، ولا سيما في باريس وروما.
2- أن عددًا من الباحثين، منهم الدكتور عوني عبد الرؤوف والدكتور رشدي راشد، أشاروا إلى وجود أوجه تشابه لافتة بين بعض التفسيرات الرمزية التي طرحها ابن وحشية، وما توصل إليه شامبليون لاحقًا.
3- أن بعض الرموز الهيروغليفية التي فسرها ابن وحشية تتوافق، كليًا أو جزئيًا، مع قراءات أثبتها شامبليون فيما بعد، وهو ما يرى مؤيدو هذه الفرضية أنه يصعب تفسيره بالصدفة وحدها.
4- أن شامبليون لم يُشر، بحسب هذا الطرح، إلى أي استفادة من الأعمال العربية السابقة، رغم وجود ترجمات متاحة لها في أوروبا.
5- أن اهتمام شامبليون بدراسة اللغتين القبطية والآرامية يُعد، في نظر أنصار هذا الرأي، دليلًا على انفتاحه على التراث الشرقي، بما قد يشمل الاطلاع على مؤلفات ابن وحشية.
23- الأغرب والأعجب أن كتاب ابن وحشية: (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام)، تمت ترجمته لمعظم لغات العالم إلا العربية، ولم يُنشَر للآن في مصر، ولا أية دولة عربية!!!!!!!
24- إن اختفاء كتاب ابن وحشية «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام» عن التداول لغزًا محيّرًا، لكن اللغز الأكبر أن هذا الكتاب، رغم شهرته في الدراسات الغربية ووجود ترجمة لاتينية له منذ قرون، لم يُترجم إلى العربية للآن، ولم يُطبع
مِمَّ الخوف؟
إغلاق صنبور التمويل الفرنسي لعلماء الآثار والمثقفين؟!
ترجموا الكتاب وانشروه، ثم دعوا الباحثين والقراء يحكمون بأنفسهم: هل سبق ابنُ وحشية شامبليون في فهم رموز اللغة المصرية القديمة، أم أن شامبليون هو السابق وصاحب الإنجاز الحاسم؟
أليس الاحتكام إلى النصوص أولى من الاحتكام إلى الشعارات؟
أم أن بقاء الكتاب حبيس الرفوف أكثر راحة من فتح باب نقاش علمي قد يقود إلى نتائج لا تعجب بعض الروايات السائدة؟
لسنا بحاجة إلى وصاية على عقولنا؛ أعطونا الكتاب، ثم اتركوا الدليل يتكلم.
—————
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق