الثلاثاء، 21 يوليو 2026

قطر وتحديات ما بعد "القوة الناعمة"

قطر وتحديات ما بعد "القوة الناعمة"

د. جاسم الجزاع

 باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com
تُعد دولة قطر للمتأملين أنموذجاً حياً وفريداً في الاستخدام الذكي والاستراتيجي لمفهوم "القوة الناعمة" في العلاقات الدولية وبناء الصورة النمطية للدولة، حيث نجحت دولة صغيرة المساحة في حجز مكانة ريادية ومؤثرة على الساحة العالمية وهذا ملاحظ للعيان، فقد تأسست هذه الرؤية الطموحة وترسخت ركائزها الأولى في عهد الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واستكمل مسيرتها بنفس الوتيرة والتوجه الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وتجلت هذه القوة في منظومة متكاملة ومتعددة الأبعاد، فبدأت بإطلاق شبكة "الجزيرة" الإعلامية التي أحدثت ثورة استثنائية في المشهد الإعلامي العربي والعالمي، ومروراً بالاعتماد على اقتصاد وطني قوي وتكتيكات استثمارية مرنة عبر فقه الإدارة المالية للدولة القطرية في إدارتها لأصول مالية ضخمة في مختلف قارات العالم، وكما أثمرت هذه الجهود بالاستضافة التاريخية والاستثنائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، والتي أبهرت العالم وغيرت الصورة النمطية عن المنطقة العربية والعرب وأخلاقهم، فضلاً عن ترسيخ مكانة الدوحة كعاصمة عالمية موثوقة للوساطة السياسية وحل النزاعات الدولية المعقدة بالطرق السلمية كالتي بين أمريكا وطالبان وغير ذلك، مما جعل من قطر رقماً صعباً في التأثير في الجيوسياسية الإقليمية والدولية.



ومع ذلك، فلنكن واقعيين، فإن دخول دولة قطر لمرحلة "ما بعد القوة الناعمة" يفرض عليها اليوم مواجهة جملة من التحديات الجديدة والمعقدة لضمان استدامة هذه الميزة المكتسبة ألا وهي " القوة الناعمة" والتي استغرق بناؤها عقوداً وجهوداً، فليس الأمر كافياً بأن تحقق لك تأثيراً استثنائياً وقوة ناعمة إنما التحدي هو استمرار هذا التأثير وتنميته، والحفاظ على هذا الزخم التأثيري يتطلب جهداً استراتيجياً وفكرياً قد يفوق جهد التأسيس نفسه، فالعالم المعاصر الآن يشهد تحولات متسارعة في مراكز القوى العالمية، كالحروب الفجائية كالتي بين أمريكا وايران حالياً وتأثيرها على دول الخليج وقطر، ووجود زيادة ملحوظة في حدة التنافس الشرس الإقليمي والدولي على أدوار "الوساطة" بين الدول وإدارة الملفات الحساسة، وكذلك الاستثمارات الرياضية والاقتصادية، وتأثير المنصات الإعلامية وتصارعها، ومن أبرز التحديات التي تواجه قطر في هذه المرحلة الانتقالية هي كيفية تحويل هذه القوة الناعمة التأثيرية إلى طبيعة ثابتة تنموية ذات نمو مستدام وطويل الأجل، بالإضافة إلى التعامل المرن والمستمر مع الحملات المضادة من الخصوم ومنها الضمنية المخفية ومنها العلنية المكشوفة كالمحاولات السياسية لتشويه هذه الإنجازات، فضلاً عن التحدي الاجتماعي المتمثل في ضرورة الموازنة الدقيقة في المستقبل بين الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم العربية والإسلامية للمجتمع القطري، وبين الانفتاح الفكري العالمي المتزايد والمعقد.


لذلك يكون الانتقال بنجاح إلى مرحلة "ما بعد القوة الناعمة" وتطوير آلياتها لزيادة فاعليتها وتأثيرها واستدامتها، بأن تتبنى الدولة القطرية استراتيجيات تطويرية مبتكرة ومواكبة للمستقبل للحفاظ على "القوة الناعمة"، ومن ذلك أنه يجب التركيز المكثف على تعزيز أكثر للقطاعات المختصة بالاستدامة، كالابتكار التكنولوجي، واقتصاد المعرفة، والذكاء الاصطناعي، وحماية الثقافة التنظيمية وصياغة القيم المجتمعية، لتتحول الدوحة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والحلول الرقمية ومصنع للقيم المؤسسية، وأيضاً من الضروري بناء "الدبلوماسية الثقافية الشعبية " من خلال دعم أكثر لقطاعات التعليم العالي، والبحث العلمي، واستقطاب أفضل الكفاءات والعقول العربية والعالمية مما يحول قطر أكثر إلى منارة فكرية رائدة ذات تأثير مستدام، وأخيراً يمكن للدولة أن تقوم بزيادة مساحة قوتها الناعمة من خلال قيادة ملفات حيوية وإنسانية وعالمية جديدة " غير سياسية" تتصدر الاهتمام الدولي، مثل مكافحة التغير المناخي مثلاً، أو ملف الاستثمار في الطاقة المتجددة، أو الابتكار في تأمين سلاسل الإمداد والأمن الغذائي العالمي وغير ذلك مما يستجد، مما يضمن الحفاظ على تحول القوة الناعمة القطرية من مجرد أداة لإثبات الحضور في المشهد العالمي وبناء السمعة القوية، إلى استراتيجية بنيوية راسخة تسهم وتساهم في صناعة "الدولة المؤثرة المستدامة" ويمنعها من الاضمحلال في مصادر القوى.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق