السبت، 11 يوليو 2026

جسور الأسر: كيف اقتحم المسلمون غرف صناعة القرار الصيني؟

 جسور الأسر: كيف اقتحم المسلمون غرف صناعة القرار  الصيني؟


د.جاسم الجزاع


لطالما ظلَّت بلاد الشرق الأقصى منيعة أمام الفتوحات العسكريَّة العربيَّة المباشرة منذ العهد الأموي الأول، إلا أنَّ التحوُّل التاريخي الأكبر حدث بطريقةٍ غير متوقَّعة عقب الاجتياح المغولي المدمر للحواضر الإسلاميَّة في الشرق كالدولة الخوارزمية مرورًا بالخلافة العباسية، فبالرغم من قسوة الكارثة العسكريَّة وسياسة التفريغ والتهجير السكاني القسري التي انتهجها المغول للعلماء، والفقهاء، والحرفيين من مدنٍ خلَّاقة كبخارى وسمرقند إلى منغولية وعمق الأراضي الصينية، إلا أنَّ هذه المأساة الإنسانية سُرعان ما تحوَّلت إلى فرصةٍ دعوية وحضارية غير مسبوقة، فلقد نجح هؤلاء الأسرى والمهاجرون في اختراق جدار العزلة الصيني العظيم، مستغلين قنوات وجودهم القسري في هذه البيئة الجديدة ليصبحوا هم والمغول بمثابة الجسور البشرية والعقائدية التي عبرت من خلالها رسالة الإسلام، وفكره، وثقافته لتبلغ بلاد الصين وكوريا وشرق الجزر اليابانية.


ولم يكن هذا النُّفوذ الديني وليد الصُّدفة، بل ارتكز بالدرجة الأولى على الكفاءة العالية والموهبة الإدارية والعلمية الفذة التي تميَّز بها رجالات الإسلام، وهي السِّمات التي استهوت أباطرة المغول في بلاد الصين وجعلتهم يتشبثون بهم لتوظيفهم في تطوير مؤسَّسات الدولة وإدارتها،  وبفضل هذه الخبرات الاستثنائية لديهم، فقد ارتقى العديد من الشخصيات الإسلامية إلى سدة القرار السياسي والاقتصادي الأعلى في البلاط المغولي، متولين مناصب قياديَّة عليا في الدولة المنغولية الحاكمة وعلى رأسهم الوزير السيد محمود يلواج و مسعود بيك، والوزير الفذ أبو عمر شمس الدين البخاري الذي أدار شؤون الإمبراطورية لخمسةٍ وعشرين عاماً وأحدث ثورة عمرانية وزراعيَّة ومالية عبر تنظيم التعامل بالنقود الورقية، تلاه الأمير العالي الوزير أحمد، ثمَّ الحفيد الأمير “أبو بكر” الذي بلغت حظوته أنَّ أسهم في حسم الصراع على العرش وإجلاس تيمور خان في العاصمة بكين، وهذا النُّفوذ السياسي المرموق وفّر مظلَّة حماية قوية للدعوة العربية و الإسلامية، وأثمر على المدى البعيد عن تحوُّلات عقائدية إستراتيجية حاسمة داخل البيت المغولي الحاكم،  وتجلّى ذلك بوضوح في إقليم “تنقوت” (وادي الغرب الصيني العظيم)،  حيث اعتنق الأمير المغولي “آننده خان” الإسلام نتيجة تنشئته على يد الفقيه المسلم حسن الاقتجي، وقام بدفع رجال جيشه إلى الدخول في التوحيد، مشيِّداً المساجد في القرى والمعسكرات، لينتزع في نهاية المطاف اعترافاً رسميًّا من الحكومة المركزيَّة بالإسلام كدينٍ قويم في الدولة الصينيَّة يجب احترامه.


لذك عند دراسة هذه التحوُّلات الدينية الكبرى وكيفية العيش وسط محيط بشري هائل يغلب عليه المعتقد المخالف لك وهو البوذي، فقد تجلّت العبقريَّة التنظيميَّة للتجمعات الإسلاميَّة في الصين لحماية أنفسهم من ذوبان هويتهم وانصهارها، فقد انتهج المسلمون أسلوباً ذكيًّا عبر الانفصال السكاني والاجتماع في أحياءٍ ومدن مستقلة وخاصة بهم، وأقاموا نظاماً اجتماعيًّا ودستوريًّا محكماً يضمُّ في كلِّ تجمّع شيخاً للإسلام، وقاضياً، وزعيماً للتجار يتولى إدارة شؤونهم التجارية وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والفصل في قضاياهم، وبالموازاة مع ذلك، حرصوا أشد الحرص على بناء الشبكات العلاقاتية التعليمية والروحية التي تُديم ارتباطهم بالعالم الإسلامي وتصون عقيدتهم وتراثهم، فنجد انتشار المساجد الكبرى والجامعات، كالجامع الذي يتَّسع لمائة ألف مصلٍّ في بكين، والزوايا والمدارس العلميَّة المتخصصة في تدريس العلوم القرآنية والحديث النبوي وإعداد الفقهاء والقضاة، و إن هذه المعطيات المتكاملة أثبتت تاريخيًّا أنَّ الهزيمة العسكريَّة العابرة للمسلمين لم تكن نهاية المطاف، بل من الممكن أن تكون تحمل في طيات الهزيمة النصر المبين المؤزَّر، فحنكة دعاتهم، وعلم وزرائهم، ورسوخ تنظيماتهم الاجتماعيَّة جعلت من كنف الحكم المغولي الغليظ بيئةً خصبة رسّخت الإسلام ليكون الديانة الثانية في بلاد الصين، وقوة حضاريَّة وثقافيَّة فرضت مهابتها واحترامها في أقصى الشرق العنيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق