بعد عقود من الغياب.. سر عودة اليهود إلى دمشق لترميم مقابرهم
بدأت مؤسسة سورية/أمريكية، يقودها يهودي سوري أمريكي، عملية ترميم المقبرة اليهودية الرئيسة في دمشق، ضمن مساعٍ لإعادة إحياء ما تبقى من إرث الطائفة اليهودية في سورية في يوليو 2026م.
وتُشرف مؤسسة «موزاييك» على تنفيذ المشروع الذي يستهدف واحدة من أبرز المقابر اليهودية في سورية، وتضم مئات القبور التي يعود بعضها إلى عقود طويلة.
ويأتي هذا بالتوازي مع تحركات رسمية ومجتمعية شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية شملت تأسيس أول منظمة مرخصة لحماية التراث اليهودي، وزيارات متكررة ليهود سوريين مقيمين في الخارج إلى أماكن العبادة والمقابر والأحياء التي عاشوا فيها.
وتعمل مؤسسة «موزاييك» بين سورية ونيويورك، ورئيسها هو اليهودي السوري الأمريكي جوزيف جاجاتي، وقد بدأت أعمال تنظيف المقبرة وتدعيم عدد من القبور المتهالكة، وترميم السور الخارجي، وتركيب منظومة إنارة وكاميرات مراقبة.
وتُعرف نفسها بأنها منظمة غير ربحية تُعنى بالحفاظ على التراث الثقافي والديني السوري، وتسعى إلى توثيق وحماية المواقع التاريخية، وتعزيز الحوار بين مكونات المجتمع السوري، وبناء جسور بين السوريين داخل البلاد وخارجها.
وسبق أن أثارت زيارات المؤسسة واتصالاتها داخل سورية، إلى جانب مشاركة مؤسسها في مبادرات لإحياء التراث اليهودي السوري، اهتمامًا إعلاميًا وتساؤلات حول طبيعة نشاطها وهويتها، وهل تعمل لحساب أي حكومة أو جهاز استخبارات أو جهة سياسية.
وكانت «وكالة الأنباء الفرنسية» نقلت عن اليهودي السوري الأمريكي جاجاتي أن المقبرة لم تتضرر جراء الحرب التي شهدتها سورية منذ عام 2011م، وأن آخر عملية دفن فيها جرت قبل نحو عام ونصف عام لنقص أعداد اليهود بسورية.
وانقطعت زيارة اليهود لها خلال العقود الثلاثة الماضية، قبل أن تبدأ وفود من اليهود السوريين المقيمين في الخارج بزيارة سورية بعد التغيرات السياسية الأخيرة، لتفقد أملاكهم ودور العبادة وقبور أسلافهم.
وبحسب الحاخام السوري الأمريكي هنري حمرا، فإن المنظمة التي أسسها عدد من أبناء الجالية اليهودية السورية في الخارج تهدف إلى توثيق الأملاك اليهودية، ومتابعة استعادة ما صودر منها خلال حكم النظام السابق، إضافة إلى حماية الكنس والمزارات اليهودية وترميمها وإتاحتها للزيارة.
تاريخ المقبرة اليهودية
وتقع المقبرة اليهودية الرئيسة في حي الأمين داخل البلدة القديمة بدمشق، بالقرب من باب شرقي، وتُعد أكبر وأهم مقبرة يهودية تاريخية في سورية، وتضم قبورًا يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين لعدد من كبار الحاخامات والعلماء اليهود الذين عاشوا في دمشق.
وهي ضمن الحي اليهودي التاريخي في دمشق، الذي كان يتركز بين حي الأمين وحارة اليهود قرب باب شرقي، وتمثل أبرز معالم الوجود اليهودي التاريخي في دمشق، وقد أصبحت مقصدًا لزوار يهود من أصول سورية، بعد السماح لهم بزيارة سورية، وتضم شواهد قبور مكتوبة بالعبرية والعربية، ما يجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ يهود دمشق.
رغم تراجع عدد اليهود في سورية إلى أعداد قليلة جداً خلال العقود الأخيرة، لا تزال المقبرة قائمة، وخضعت لأعمال ترميم وصيانة محدودة في السنوات الأخيرة، كما زارها بعض أفراد الجالية اليهودية السورية المقيمين في الخارج بعد سقوط نظام بشار الأسد وبدء انفتاح نسبي على الزيارات الدينية والتراثية.
الوجود اليهودي في سورية
ويعود الوجود اليهودي في سورية، وفق المؤسسة، إلى أكثر من 2500 عام، وتركز تاريخيًا في 3 مدن رئيسة هي دمشق وحلب والقامشلي، وازدهرت الجالية خلال العهدين العثماني والانتداب الفرنسي، حيث امتلكت معابد ومدارس ومؤسسات خيرية وأسهمت في التجارة والصناعات والحرف.
وقبل قيام «إسرائيل» عام 1948م، كان عدد اليهود في سورية يُقدر بنحو 30 ألف نسمة، ثم بدأ العدد يتراجع بصورة حادة بعد حرب 1948م، وما تبعها من توترات وقيود على السفر والملكية، وصولًا إلى السماح لليهود بمغادرة البلاد عام 1992م، في عهد الرئيس حافظ الأسد، فهاجر معظم من تبقى منهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية، مع حظر السفر إلى «إسرائيل» في ذلك الوقت.
وتشير أحدث التقديرات، الصادرة عامي 2025 و2026م، إلى أن عدد اليهود المقيمين داخل سورية يتراوح بين 5 و7 أشخاص فقط، وجميعهم تقريبًا من كبار السن ويقيمون في دمشق، بينما لا توجد حياة دينية منظمة أو حاخام مقيم أو مؤسسات يهودية فاعلة داخل البلاد، ما يجعل الوجود اليهودي في سورية شبه منعدم.
وبعد التغيير السياسي في سورية أواخر عام 2024م، بدأت السلطات اتخاذ خطوات لإحياء التراث اليهودي والحفاظ عليه، شملت تسهيل زيارات يهود سوريين من المهجر، وإطلاق مبادرات لترميم المعابد والمقابر اليهودية، والنظر في إعادة بعض الممتلكات التاريخية، في إطار جهود أوسع للحفاظ على التنوع الديني والثقافي في البلاد.
اقرأ أيضاً
- هل الاتفاق السوري - «الإسرائيلي» بمثابة «كامب ديفيد 2»؟!
- خريطة الطريق «الإسرائيلية» السورية.. اتفاق أمني مؤقت بلا سلام أو تطبيع
- مزاعم «إسرائيلية» عن توقيع اتفاق سلام مع سورية الجديدة!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق