الإسلام في أفريقيا.. بين خطاب تراوري وإرث العبودية والحلم الإنساني
- الإسلام (الأفريقي) والحلم الإنساني
كان يهمني فهم دوافع الغضب في خطاب الرئيس إبراهيم تراوري، وفهم الظرف الثقافي لهجومه، وواقع الاتجاهات المذهبية التي ربما كان يعنيها تحديدا، وهي تدور على مفاهيم (السلفية الطائفية)، ولا نقصد بها الحالة السلفية كلها، ولكن جناح الغلو الذي لديه نزعة تكفيرية تأصيلية ضد مدارس أهل السنة الأخرى، أو ضد الطوائف المختلفة من أهل القبلة وغيرهم، والذي نبت في محاضن المذهب الجامي، ثم توسع دوليا وإقليميا من خلال أجهزة المخابرات المتعددة، ثم ارتباط هذا الفكر الدموي منذ عقود بتاريخ أفريقيا المروع في جماعات العنف الدينية، وعلاقته بمشروع حصار دول التمرد على باريس.
فهذا مما يجب التوقف عنده لفهم غضب الرجل.
هل الصعود الأخير اليوم لرؤى خطرة جدا، بحجة العودة إلى منظومة التراث، ولا نقصد بذلك إسقاط الفقه الإسلامي، ولا نقول هنا بتحييد تاريخ التشريع ورحلة الفقهاء والعلماء العظيمة في حضارة المسلمين، ولكن نؤكد على تصحيح المرجعية بقانون الشريعة الأعلى، في منظومات الحكم والتعامل بين الناس، وفقه المعاملات الكبرى، الذي يهدي إلى سبيل الرشاد، وبالتالي ترد الفتاوى القاصرة أو المنحرفة إلى هذه الأصول، والتي تم استدعاؤها في التراث عبر علماء مسلمين في عدة قرون، وفيها ما يخالف أصول الشريعة، وقطعيات القرآن، أو التنزيل الواقعي على الأحكام.
إن خلاصة فهم الحكم للعالم لا بد لها من مراجعة الحالة النفسية والخصومة التي يعيشها، أو حتى ظرف الحرب، وهذا مما أبدع فيه الإمام الذهبي، في سير أعلام النبلاء، حيث تختلف عبارات، بل وحتى أحكام الإمام، بين زمن وزمن
إن مهمة حملة الشريعة الصادقين مواجهة هذه الاستدلالات، والتي سفكت من خلالها جماعات غلو دماء الأبرياء من الشعوب، بحجة أنهم مواطنون للأنظمة الممتنعة عن تطبيق الشريعة، فأعلن التكفير الجماعي، واخترقت القبائل الأفريقية باسم الثأر الديني، فحل العذاب على أبناء أفريقيا، والغرب يحلب في هذه المساحة حتى اليوم، فالقضية ليست أزمة زعيم سياسي فقط، بل كارثة فهم فكري.
وقد سبق أن بينا الفرق في كتبنا بين منظومة الفقه في تاريخ التشريع، وبين التزكية المطلقة لكل التراث، وعبر قطعيات الكتاب والسنة والمقصد الأعلى الذي نقيم به الميزان، فما هو حجم التصحيح الذي أنجز لمواجهة أرضية الغلو، أيا كانت سلفية أم خلفية!
وكنموذج بالغ الخطورة، استدعيت فتاوى للإمام ابن تيمية رحمه الله، وهو علم كبير في تاريخ العقل الشرعي العلمي للمسلمين، لتبرير ثقافة إبادة الأقليات، التي تأثرت بمذبح سوريا الكبير، في عهد النظام الطائفي في دمشق، وهذا المزلق الذي استدعى الفتوى يرتد على واقع المسلمين وتشكل الأفكار في بيئات الشباب لاستثمارهم مخابراتيا، ثم يعاد ليستدل بهذه الأقوال الحديثة، سواء في منابر إعلامية أو مقالات، لتطرح أسئلة الفتنة: هل هذا الدين الذي تدعون له كبديل، وهو لا يضمن حقوق الحياة للأقليات؟ قس على ذلك ما يستدعى من فقه في العبودية والرق.
وهنا، وأتحدث بعد دراسات عديدة في بعض كتب التراث الكبرى، أقول إن خلاصة فهم الحكم للعالم لا بد لها من مراجعة الحالة النفسية والخصومة التي يعيشها، أو حتى ظرف الحرب، وهذا مما أبدع فيه الإمام الذهبي، في سير أعلام النبلاء، حيث تختلف عبارات، بل وحتى أحكام الإمام، بين زمن وزمن.
انظر، على سبيل المثال، إلى الإمام ابن تيمية نفسه في التقريرات عن الأشاعرة والصوفية، والاخلاف في التقييم، وهذا لا يخص ابن تيمية وحده، بل وجدت أثر الظرف والتاريخ والحدث الصراعي عند الإمام الجويني والإمام الحجة الغزالي، وغيرهما.
إن قطاع الطرق من المسلمين ومن تجار النخاسة كانوا مقاولين بالباطل للاستعمار الغربي، الموغل في العبودية، المتورط فيها إلى أخمص قدميه، كمتطلب أصلي لديهم لتحقيق معادلة التفوق والتقدم، من فلاسفة الإغريق القدماء حتى فلاسفة النهضة
ولذلك قد ترى في زمن بعض العلماء أنفسهم عبودية لم تتفق مع حقوق الحرب الشرعية، فهي باطلة في الأصل، ولعل البعض يغيب عنه، مثلا، أن بعض حالات العبودية لدينا في الخليج العربي قبل تحرير الدولة الوطنية لهم، ومنذ استقدامهم في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عبر وكلاء عرب وأفارقة وآسيويين مسلمين، يعملون لصالح شركات النخاسة الدولية من البرتغاليين إلى الأمريكيين، هم عبيد وإماء مسلمون أحرار من الأصل، من أفريقيا ومن مناطق آسيوية، خطفوا خطفا، وكان يجب أن ينفذ في مختطفيهم القصاص.
كيف تم استعبادهم وهم في الأصل مسلمون؟
وهذه قضية موثقة عملت عليها شخصيا، إن تاريخ الرق والعبودية في العالم المسلم، في حالات عديدة منه، منفصل عن أحكام الشريعة وروحها، فضلا عن مبتدأ الحرب من حيث الغزو لمصالح الحاكم القديم، بما فيه التمتع بالجواري، أو للتحالف مع دولة مسيحية ضد أخرى، أو لصراع داخلي في هذه الدولة والسلطنة، وعليه فإن مراجعة هذا التاريخ فريضة شرعية، فهو محل شك قطعا، فكيف يستدل بما قاله بعض العلماء عن أحكام الرق، في زمن لم تتحقق فيه شرعية الجهاد؟
إن قطاع الطرق من المسلمين ومن تجار النخاسة كانوا مقاولين بالباطل للاستعمار الغربي، الموغل في العبودية، المتورط فيها إلى أخمص قدميه، كمتطلب أصلي لديهم لتحقيق معادلة التفوق والتقدم، من فلاسفة الإغريق القدماء حتى فلاسفة النهضة، والمتورطون غالبية كبرى، وهذا أول رد على النقيب تراوري.
أفريقيا كلها في تاريخ الغرب، مزرعة لسوق العبودية، ومسرح سرقة كبرى للغرب الحديث، وهنا يجدر به المراجعة والفهم، قبل أن يعرض بدين شعبه، وهل من الوطنية أن تفرض على أهل هذا الوطن مفارقة دينهم، الذي قاوم الاستعمار والاستعباد.
واليوم لا توجد عبودية، إلا حالات قليلة بين المسلمين الجهلة، ولكن توجد ثقافات عنصرية، أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنها جاهلية، في حق أحد أصحابه الصالحين، حتى تكون درسا للأمة ولو بعد حين
إن الفارق المركزي هو أن العبودية لا أصل لها في الشريعة، إلا من خلال أدوات ضبط ما بعد الحرب، فالأسرى هنا هم الكتلة البشرية للمجتمع المعادي، فيحفظ حقهم في الحياة وتنظم شؤونهم، ويختلطون بالمجتمع المسلم، ولكن تضمن لهم عدالة وحق المكاتبة في الخلاص، وأحكام الأسر ليست ملزمة في الشريعة على القائد لكل فرد، فله أن ينظر فيمن يستحق القصاص من مجرمي الحرب، ومن تقبل الفدية فيه، ومن يعفى عنه أو يؤسر، خاصة إذا تلبس بشبهة حق أو ورد عليه مظلمة من المسلمين.
ماذا عما ورد في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والفقه الرشيد؟
كل ما ورد أصله على القاعدة التي ذكرناها، مع تقدير ظروف كل زمن ومرحلة، وأن ما يسقط أصل المقصد الشرعي فيه، وهو الهداية والسلام المجتمعي، ويتحول إلى متاجرة بحرية الناس، فقد سقط المبرر الشرعي للرق، وتباين عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، في عظمة حقوق المكاتب أو المولى، والتشديد النبوي فيه دليل على أصل المقصد الشرعي.
واليوم لا توجد عبودية، إلا حالات قليلة بين المسلمين الجهلة، ولكن توجد ثقافات عنصرية، أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنها جاهلية، في حق أحد أصحابه الصالحين، حتى تكون درسا للأمة ولو بعد حين، وقد جاءت الحاجة لها وتكررت، ولكن تنكب الأمة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم هو الفتنة الكبرى.
هذا هو النبي العربي الذي يجب على تراوري أن يعرف سيرته، وأنه حامل البلاغ المقدس، لا فضل لبشر على بشر إلا بالتقوى، ومن التقوى أن تكون خاضعا لله، فلا تظلم حقه عليك، ولا حق البشر بين يديك.
هل نحن ننكر فضل كل قانون حقوقي يحترم حرية البشر، وينظم دستور المساواة؟ أيما وصل إليه البشر من وسائط خير هو ضالتنا، غير أن الفطرة التي جاء بها هدي الإسلام تفرض شريعة الحرية كحق وجودي مطلق
فهل انتهت قصة العبودية في الغرب؟
هل هذه الروح اليمينية، والإحصائيات عن العنصريات، وأسر الدول الأفريقية في سلة الحصار، الذي عاشته بوركينا فاسو، واغتيال أحرار أفريقيا، مارسها العرب، أم فرنسا والقوى الاستعمارية؟ أليس المصفقون الكولونياليون لتراوري يعظمون ثقافة الغرب الحديث؟
فمن أين أتت هذه الثقافة، أليس من ذات الفكرة التي أنتجت العبودية؟ كيف كانت أفريقيا زمن الثورات التقدمية للغرب، وما بعدها في أوروبا الحديثة، وفي زمن إعلان الدساتير والفلسفة الحقوقية؟ ألا يعرف النقيب تراوري أن مجرد الاعتراف بإنسانية الأشقاء الأفارقة كان محل جدل، وأن نموذج الكونغو وبلجيكا المتكرر لا يزال محتبسا الموقف السياسي منه حتى مداولات البرلمان في بروكسل عام 2022؟ هل يعرف عدد الضحايا هناك الذين حصدتهم الروح الغربية التقدمية؟
لكن هل نحن ننكر فضل كل قانون حقوقي يحترم حرية البشر، وينظم دستور المساواة؟ أيما وصل إليه البشر من وسائط خير هو ضالتنا، غير أن الفطرة التي جاء بها هدي الإسلام تفرض شريعة الحرية كحق وجودي مطلق، ببلاغ قرآني مقدس للكرامة الآدمية، لا شرائع تسقط في التطبيق، وتتغير بين العالم الجنوبي والشمالي.
ولذلك، أيها الرئيس، تحول مالكوم إكس إلى زمن الحرية الجديد، ورفض خرافة التراث الأسود الذي جاء به إليجا محمد، وبعث ثورة روح أخلاقية مقاومة بين كل الأفارقة الأمريكيين، وربطها بقصة الحلم الإنساني للإسلام الأفريقي؛ إسلام واحد عربيا أم أفريقيا، ولكن المزيفين في بعض رجال الدين المسلمين، وفي مشروع المستعمرين الغربيين، أسقطوا الحقيقة، فخدعت بهم أيها الرئيس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق