حرب الأوهام المتضادة في مشاريع الدمار: الكهنوت الرأسمالي والمفهوم الكوني للأيديولوجيا
محمد صالح البدراني
تبحث هذه الورقة التحليلية في تفكيك المشاهد الجيوسياسية المعقد للشرق الأوسط عبر منظور "اللاهوت السياسي"، متجاوزةً الأطر الدبلوماسية التقليدية لتسليط الضوء على صراع المشاريع والأوهام المتقاطعة التي تتحرك على خيط رفيع من السلام الهش. ترصد الانقسام البنيوي داخل التحالف الصهيوني-الأمريكي حول مفهوم "الدمار" ونقطة الحسم الاستراتيجي؛ حيث تميل عقلية دونالد ترامب الرأسمالية إلى قياس النصر بإنهاك الخصم مادياً واقتصادياً لفرط استسلام سياسي يحقق غايات "سفر الرؤيا"، في حين تصر عقيدة بنيامين نتنياهو اللاهوتية على الإبادة العقائدية والمادية الشاملة لطهران لتأمين شروط بناء "الهيكل".
هذا الحلف يصطدم بـ"المفهوم الكوني" للأيديولوجيا الإيرانية العميقة، التي تعتمد على "الوقت التاريخي الممتد" وتراهن على تحول جيلي مرتقب يستبدل نزعة الهيمنة الإقليمية الطائفية باستراتيجية "الاتحاد والتحالف" مع المحيط العربي والإسلامي كطوق نجاة وحيد،
وأخيراً، تستعرض الورقة كيف تحفز هذه التحولات يقظة إقليمية (تركية-عربية) تسعى لكبح جماح هذا المشروع التدميري الشامل لحماية سيادة جغرافيا المنطقة من الاندفاعات الغيبية المسلحة بأدوات المال والصفقات.
ترامب ونتنياهو: الشراكة المتضادة في تفسير الدمار والاستسلام
تتحرك الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط اليوم داخل حقل ألغام فكري محكوم باللاهوت السياسي ومشاريع التدمير المتقاطعة. المسألة ليست النفط ولا هرمز وإنما ترويض المشروع الإيراني بعد أن كان يتوسع بما يفصله عن محيطه، والآن جاء دور آخر لا يقبل إلا الإدارة المباشرة. إن الجدل الدائر خلف كواليس التحالف الصهيوني-الأمريكي لا يتعلق بالهدف النهائي المتمثل في تطويع المنطقة، وإنما باختلاف بنيوي عميق حول تعبير "الدمار" ونقطة الدمار، فكلاهما يلتقي لتمرير مشروع تمليه نبوءات "سفر الرؤيا" لإلحاق الخصوم كحلفاء خاضعين في منظومة السيادة الجديدة المستهدفة لبناء "الهيكل".
ينطلق دونالد ترامب من عقلية تجارية رأسمالية تسبق الأدلجة في ترتيب أولوياتها، ويقيس دمار الخصم بمؤشرات مادية مرئية: اختناق الأسواق، وانهيار العملة، وتجفيف منابع الثروة. بالنسبة لتاجر يرى العالم كمنصة صفقات، فإن إنهاك إيران مالياً وإيصالها إلى حافة العجز الاقتصادي هو دمار مكتمل الأركان يعادل "الاستسلام" السياسي. يتخيل ترامب بغرور الرأسمالي أن المهمة قد تمت بنجاح، وأن الخصم يأتي إلى طاولة التفاوض منزوع الإرادة، شريطة ألّا تُباد بنيته التحتية، ليبقى صالحاً للاستخدام كترس تابع يدور في الفلك الأمريكي الصهيوني ضمن ترتيبات اللاهوت السياسي الجديد.
في المقابل، يرفض بنيامين نتنياهو هذا التقييم التجاري السطحي لنقطة الوصول؛ فالدمار في المنظور الصهيوني اللاهوتي ليس أرقاماً في موازنة أو تراجعاً في مؤشرات التجارة بل هو الانكسار، وليس الخسارة بل اقتلاع كامل للبنية العقائدية والمادية للعدو. يرى نتنياهو المشهد بنظرة لاهوتية مدفوعة بإرث أيديولوجي غيبي لا يؤمن بنصف نصر، ولا يرى في إنهاك الخصم مالياً ضمانة كافية ما دام المشروع قائما ولا انكسار، بل يرى أن ترامب كُسرت إرادته وهو أمر ليس في صالح ترامب. يطالب الكهنوت الصهيوني بضمانات ميدانية وجودية تتجاوز الإعلان السياسي للاستسلام الذي يكتفي به ترامب، خوفاً من انبعاث المشروع الإيراني مجدداً ليقاطع بطموحاته التاريخية خطة السيطرة المطلقة وتأمين شروط بناء الهيكل.
المفهوم الكوني الإيراني: المعنى الخفي للانكسار والخسارة
لعل أفضل من وضح الفارق وكيف تبدو إيران منتصرة وترامب منكسرا هو الدكتور لقاء مكي الباحث الأول في قناة الجزيرة، فهذا الاختلاف البنيوي في معسكر الحلف الصهيوني-الأمريكي يصطدم مباشرة بـ"المفهوم الكوني" للأيديولوجيا الإيرانية العميقة، والتي تعتمد على "الوقت التاريخي الممتد" كعنصر حاسم في إدارة الصراع الشامل. تعتقد العقيدة الإيرانية أن البقاء واستمرار هيكل الدولة ومؤسساتها رغم الخسائر انتصار. عقلية ترامب تفسرها انكسارا، لكن العنصر القاتل لإيران هو مشروعها نفسه، فإذا شلّ الحصار والإنهاك جيلاً غرق في طموحاته المستعجلة وخلط بتهور بين القومية الفارسية والأيديولوجيا الدينية، فإن المفهوم الكوني يؤكد أن الراية ستنتقل حتماً إلى جيل جديد يعيد البناء بأساليب مختلفة تماماً.
إن الجيل القادم في إيران يتحرك اليوم لاستيعاب الدرس القاسي المتمثل في تدمير بلاد كالحرب في سوريا ومعاداة المحيط؛ فالاستفادة من التجربة المريرة تدفع طهران لإعادة تنظيم فلسفتها الاستراتيجية عبر تحول جوهري: الانتقال من نزعة الهيمنة على المسلمين واستنزاف مقدرات جوارهم، إلى منطق "الاتحاد والتحالف" معهم. لقد أدرك الوعي الإيراني الجديد أن عزل الدولة عن عمقها الإسلامي والعربي حولها إلى هدف سهل للاستفراد والاستنزاف الرأسمالي، وأن هذا المحيط هو طوق النجاة التاريخي الوحيد لإفشال مشاريع الدمار الصهيونية، وليس الاستقواء بشعارات التوسع الطائفي التي استهلكت القوة الحيوية للأمة. لكن إدراك الشيء غير التفاعل معه.
غريزة البقاء العربي واليقظة الإقليمية ضد هندسة "الهيكل"
في هذا الفضاء المشحون بصراع أوهام الأساطير وكوابيسها، يظهر الموقف العربي خالياً من مشروع استراتيجي مستقل قادر على مجابهة هذه التحولات الفكرية والكونية؛ إلا أنه يظل محكوماً بغريزة بقاء ترفض رفضاً مطلقاً دفع ضريبة المزيد من الدمار والتفتيت في المنطقة. الدول العربية بدأت تلمس خطورة تحويل جغرافيتها إلى مسرح لتحقيق نبوءات توراتية أو صفقات إخضاع رأسمالية كبرى ستحول عواصمها في النهاية إلى مجرد أضرار جانبية لتعبيد الطريق نحو ولادة عصر الهيمنة الصهيونية المطلقة.
هذا الوعي بالفراغ العربي تلتقطه قوى إقليمية وازنة، ومنها تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، التي تتحرك بحس سياسي وتاريخي يدرك أن "لاهوت الاستسلام" الذي يسعى إليه حلف ترامب-نتنياهو لا يستهدف ترويض نظام بعينه، بل تفكيك هوية الإقليم ككل وإخضاع قواه قسرياً؛ لذا، تتكاثف المساعي الإقليمية اليوم لوقف هذا المشروع التدميري الشامل، ليس دفاعاً عن طهران، بل كبحاً لجماح تمدد صهيوني يتغذى على الغيبيات المسلحة بأدوات المال والصفقات، والذي لن يترك سيادة في المنطقة دون أن يلتهمها إذا ما نجح في تفكيك وإلحاق أطراف الصراع التاريخي.. نأمل أن يعم السلام.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق