السبت، 11 يوليو 2026

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين إلى أقدام اللاعبين!

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين 

إلى أقدام اللاعبين!


إن الشيطان لا يطلب من الناس أن يعبدوا الأصنام 

الحجرية كما كان يفعل الأولون، بل يصنع لكل عصر 

أصنامه التي تناسبه، فقد يكون الصنم فكرة، أو شهوة، 

أو شهرة، أو مالاً، أو سلطة، أو صورة، أو لعبة، وكل 

شيء تجاوز قدره حتى استولى على القلب، وصرفه 

عن رسالته، فقد أخذ من معنى الصنم بقدر ما استولى 

على ذلك القلب.

ومن ذلك ما نراه اليوم مما يمكن تسميته بـ«البيضة 

الشيطانية»؛ تلك الكرة الجلدية التي ألقى بها الشيطان 

أول الأمر مستصغرة، فالتقفها أتباعه ونفخوا فيها من 

عصبية نفوسهم وأهوائهم، حتى تضخمت وصارت 

صنماً دولياً يُعبد في محاريب العصر الحديث.

وإنَّ هذا الطوفانَ الإعلامي العولمي الذي ينفخ في جِلْدٍ 

ميت فيستعبد به عقول الملايين لهو التجسيد الحيّ 

والتحذير النبوي الصادق من شؤم «الرجل يكذب 

الكذبة فتبلغ الآفاق»، وهل ثمة كذبة بلغت الآفاق 

واستعبدت النفوس كأن تتوهم أمة مستخلفة أن مجدها 

يُصنع بأقدام اللاعبين لا بعقول المصلحين؟


كرة القدم.. من الهزل إلى العصبية!


لقد وُجدت هذه اللعبة لتكون مجرد تسلية تزجي بها 

النفوس كَلَالها في أوقات الفراغ، ولكن السحر 

الشيطاني، حين يمتزج بغفلة الجماهير، يحيل اللعب 

عبادة، والتسلية منهج حياة، وهكذا تأسست لهذا الوثن 

الكروي منظمات دولية، وصار لها كهنة وسدنة

 يحمون فكرتها، ويشرعون قوانينها، ويصنعون من 

طقوسها ديناً عالمياً بديلاً، فتحول العالم إلى سوق 

عولمية كبرى، وشُيدت الأندية والأكاديميات، وانتقل 

الأمر من هزل الملاعب إلى جد العصبية والتنازع.

بل وصل الانحراف بالوعي إلى حد جعل الولاء 

والبراء، والحب والبغض، يعقدان على ألوان القمصان وشعارات النوادي! إنها غربة العقل حين يذهل عن حقائق الوجود ويلتمس العزة في جلود منفوخة بالهواء.
ويا ليت الأمر وقف عند حدود اللهو، بل إن الأعجب والأشد نكراً أن هذه اللعبة استحوذت على مفاهيم الأمة وخطفت مصطلحاتها الشريفة، لقد انحرف مفهوم «المدافعة» -الذي هو سُنّة الله في دفع الفساد وإقامة الحق- ليصبح محصوراً في حراسة الشباك نظيفة، وانكمش مفهوم «النصر» من إعلاء كلمة الله ونصرة المظلوم وبناء الحضارة، ليتلخص في إحراز الأهداف وهز شباك الخصوم بقذائف كروية! واأسفاه على أمة أورثها وَهْمُ الملاعب عِزاً زائفاً، بينما مقدساتها وقيمها ترزح تحت وطأة الهزائم الحقيقية.

الرياضة.. وهزيمة المبادئ!
إن أمة الإسلام، حاملة الرسالة الخاتمة ووارثة النبوة، جديرة اليوم بوقفة مراجعة صادقة وهزّة وعي عنيفة، لقد أصبحنا نرى من العجائب ما يندى له جبين الغيرة؛ علماء يرفعون الأكف بالدعاء لفوز فريق، ولاعبون يسجدون شكراً لإصابة شباك خصم، وجماهير تحشد الطاقات وتحترق حماساً، وتبذل الأموال والأوقات، في الوقت الذي تخبو فيه حرارة القضايا الكبرى للأمة، وتفتر الهمم عن حمل رسالة الحق، وتضعف الغيرة على الدين والأوطان!

وليس العيب قط في رياضة تُمارَس لتربية الأبدان، ولا في ترويح مستساغ تطلبه النفوس، وإنما العيب، كل العيب، في اختلال الموازين وانحدار الاهتمامات من معالي الأمور إلى سفاسفها، حتى تغدو الهزيمة الكروية أشد وقعاً على النفوس من هزيمة المبادئ والضمائر!

فاحذروا بيضات الشيطان قبل أن تفقس؛ فإنها لا تخرج أول الأمر إلا لعبة، ثم لا تلبث أن تصبح قضية، ثم عقيدة، ثم هوية، ثم سجناً واسعاً لا يشعر المسجون أنه فيه، ومن يومها لا يعود الشيطان بحاجة إلى أن يقود الناس بالسلاسل، لأنهم يحملون قيودهم في قلوبهم، ويحسبونها زينة، وهي في الحقيقة أغلال.


وهذه المنظومة العبثية ليست أولى بيضات الشيطان في تاريخنا المعاصر؛ فكم من أفكار برّاقة ظنها الناس شيئاً عظيماً، ثم ما لبثت الأيام أن كشفت عن وجهها الكالح بعد أن أفسدت العقائد والعلاقات، لقد عاشت البشرية دهراً تحت ظل «بيضة الشيوعية» حتى انبرى من يلفق لها ثوباً من الشريعة، ثم تلتها «الرأسمالية» و«الاشتراكية»، حتى وصلنا إلى البيضة الكبرى؛ «الديمقراطية الغربية» وحقوق الإنسان!
تلك الأكاذيب الميتة التي صاغتها المنظومة الدولية المستبدة لتكون أصناماً من عجوة تأكلها الأنظمة الطاغية كلما جاعت إلى السيطرة، وما نراه اليوم من اغتيال لإرادات الشعوب، وقتل وتجويع للأطفال، وهتك للأعراض على مرأى ومسمع من العالم، لهو الدليل القاطع على أن تلك الشعارات ما هي إلا شروط يفرضها المستكبر لشرعنة بغيه، وإشاعة الفواحش، وإفساد الفطرة الإنسانية وتلويثها.

الاستقلالية الإسلامية

إن العلاج الناجع لهذه التبعية المقيتة لا يكون بالانخراط في هذه المنظومات الفاسدة أو العكوف في محاريبها، بل في عودة الأمة إلى شريعة ربها لتسترد هويتها المفقودة، وتصطبغ بصبغة الله التي لا تبلى، لن يكون الفوز يوماً في نيل كأس، ولن يكون النصر في اعتلاء منصة تتويج كروية، بل النصر الحقيقي في أن تقوم الأمة بدورها الاستخلافي، وتغرس قيم الإسلام في كل نادٍ ومحفل، وتحمل أمانة البلاغ للعالمين؛ لتكسر راية الشيطان وتدحر زيف شياطين الإنس والجن.

يا أحبتي، إنه نداء حار يخرج من سويداء القلب إلى

 كل ذي عقل مؤمن وهمة عالية: انحازوا إلى دينكم،

 واعتزوا بهويتكم، وتعالوا نقدّم للبشرية الحائرة

 نموذجاً حضارياً ينقذها من ظلمات المادية والعبث،

 ويعيد للإنسان تكريمه الإلهي الذي ضيعه لصوص 

العقول.

إن الأمة التي نزل في حقها قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110) لا يليق بها أبداً أن

 تختزل مجدها في أهداف تُسجل، بل مجدها في هداية

 البشر ونشر العدل وصناعة الحياة،

فمن يوقظ القوم من غفلتهم قبل فوات الأوان؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق