‏إظهار الرسائل ذات التسميات شفيق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شفيق. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 17 سبتمبر 2023

في ظلال الدستور: سيادة الأمة والملك العضوض والأمر بالطاعة (1-2)‏

 في ظلال الدستور: سيادة الأمة والملك العضوض والأمر بالطاعة (1-2)‏




 المستشار شفيق إمام

عطفاً على المقالين المنشورين على هذه الصفحة يومي الأحد 3 في ظلال الدستور: الحكم الديموقراطي فريضة إلهية في الإسلام (1) و الحكم الديموقراطي في الإسلام فريضة إلهية (2)10 سبتمبر من الشهر ‏الجاري اللذين تناولت فى أولهما الشورى باعتبارها فريضة إلهية ملزمة لكل من الحاكم ‏والمحكومين يأثمان إثماً عظيماً بمخالفتها، وقد نزل فيها قوله تعالى: «وشاورهم في الأمر» ‏وقوله سبحانه: «وأمرهم شورى بينهم»، وأرجعت في المقال الثاني مبدأ سيادة الأمة إلى هاتين ‏الآيتين الكريمتين، فالشورى جوهر الحكم الديموقراطي، الذي نزل به القرآن الكريم في القرن ‏السادس الميلادي، قبل الملكية الدستورية في بريطانيا في القرن السابع عشر وقبل الثورة ‏الفرنسية في القرن الثامن عشر. وقد كان مبدأ الشورى ومبدأ سيادة الأمة مطبقين في عصر النبوة والخلافة الراشدة، وفي ‏فترة قصيرة من العصر الأموي، في خلافة سيدنا عمر بن عبدالعزيز التي لم تزد على عامين ‏وبضعة شهور وأيام، أعاد فيهما روح عصر الخلافة وروح الإسلام.‏ المعجزة ومقومات الحكم في الإسلام ولئن كنت قد انبهرت بهاتين الآيتين الكريمتين في الشورى في قصرهما، فلم تتعدّ كلماتهما الست ‏كلمات إلا أن المعاني التي حفلت بهما والتي بنى عليها الغرب أنظمة الحكم الديموقراطي ‏بأشكاله وألوانه وتكويناته المختلفة أكبر من أن تحصى وتعد، فهي نعمة من نعم الله على عباده ‏التي لا تحصى ولا تعد، فضلاً عن السنّة النبوية التي أفاضت في ذلك. ‏ ‏ وقد أقر القرآن الكريم مقومات الحكم فى الإسلام، ووضع الأساس القوي المتين والحصن ‏الحصين في حكم عادل، يتمتع فيه الأفراد بحرياتهم الشخصية وحقهم في الحياة، يقول الرسول ‏عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»، ويقول المولى عزوجل: «‏مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا ‏النَّاسَ جَمِيعاً». (المائدة 22)، كما كفل الإسلام المساواة بين الناس جميعاً، يقول الرسول عليه ‏الصلاة والسلام: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على ‏أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»، ‏ويخطب الرسول في الناس، فيقول: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف ‏تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت ‏يدها»، كما كفل الإسلام الحريات جميعاً وأولها وعلى رأسها والتي بنى عليها سائر الحريات ‏حرية العقيدة. حرية العقيدة فأول مبدأ أرساه المولى عز وجل في القرآن هو حرية الإيمان بدينه الذي أرسله هدى للعالمين، ‏في قوله سبحانه: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، (البقرة 256)، وقوله: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ». (الكهف 29)، وقوله تعالى: «قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا» (الإسراء ‏‏107)، وقوله جلت قدرته: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». (يونس 99)، فكيف ‏يكون لعبد من عباده، مهما علت مكانته، سلطان أو سطوة على سائر عباده.‏ 
يقول المولى عز وجل: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى». (العلق6-7) ومن قصص ‏القرآن الكريم في آياته البينات على لسان فرعون حاكم مصر: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ». (يونس 92)، ومقابل ذلك يقول المولى عز وجل في قصصه على ‏لسان ملكة سبأ (بلقيس): «قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى ‏تَشْهَدُونِ». (النمل 22).‏ 
الملك العضوض
وجاء بعد عصر النبوة والخلافة الراشدة ملك عضوض تنبأ به الرسول عليه الصلاة والسلام ‏في العصر الأموي، أو بالأحرى الدموي، وقد نكل الخليفة بكل من لم يبايعه أو من خالفه في ‏الرأي، حتى وصل التنكيل والقتل بآل بيت رسول الله.‏ ‏ 
وقد شهد شاهد من أهلها هو الخليفة الأموي العادل سيدنا عمر بن عبدالعزيز، إذ قال رضي ‏الله عنه: ‏ ‏«لو جاءت كل أمة بخطاياها، وجئنا نحن بالحجاج وحده، لرجحناهم جميعاً».‏ ‏ وقد تلاه العصر العباسي ليقتل كل من يخرج على طاعة أمير المؤمنين أو طاعة حكام العصر ‏العباسي، حتى أهل بيت رسول الله لم يسلموا من التنكيل والقتل وقد قتل الخليفة العباسي عمه ‏العباس.‏ 
ویروی عن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور أنه خطب في المسلمين قائلا: «يا أيها الناس ‏إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله أعمل فيه ‏بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إن شاء الله أن يفتحني فتحني ‏لإعطائكم، وقسم أرزاقكم وإن شاء أن يقفلني عليها قفلني».‏ 
وقد تعاقبت على الملك العضوض في هذين العصرين حكومات إسلامية أنكرت الشورى، ‏وتنكرت لمبدأ سيادة الأمة في بطشها وتنكيلها بالمسلمين.‏ 

الأمر بالطاعة:‏ وقد اصطفى الملك العضوض فى كل هذه العصور بعض علماء وأئمة عصورهم الذين وجدوا ‏غطاءً شرعياً للحكام في هذه العصور للبطش والاستبداد، هو تفسير للآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». 
بأن طاعة الحاكم واجبة وأنه لا ‏مكان لمن يعارض الخليفة أو يخالفه الرأي، درءاً لفتنة تهدد وحدة الأمة التي يقوم عليها نظام ‏الحكم في الإسلام، والتمس هؤلاء لتنكرهم لمبدأ الشورى الذي يخاطب الأمة بأسرها غطاء ‏شرعياً لتفسيرهم بأنهم يرهنون طاعة ولي الأمر بطاعته لله ورسوله في قول سيدنا أبي بكر ‏رضي الله عنه بعد البيعة له: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا ‏طاعة لي عليكم».‏ 
ولكنهم فى التطبيق العملي على مر العصور، اعتبروا كل ما يأمر به الحاكم وكل ما يفعله هو ‏طاعة لله ورسوله، ولو كان الخليفة ظالماً أو فاسقا أو فاجراً، فلم يجرؤ واحد منهم على أن ‏يقول كلمة حق لذي سلطان جائر، وقد نال الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، ‏والشافعي، من الظلم والتنكيل بهم وسجنهم ما نالوه بسبب بكلمة حق قالوها للخليفة.‏ 
وقد برر أصحاب هذا التفسير خلو النص القرآني من الأمر بالطاعة في كلمة (أطيعوا) التي ‏تكررت في طاعة رسول الله، ولم تتكرر قبل عبارة أولي الأمر، بأن طاعة الله، ‏وطاعة رسوله بأن كلا منها طاعة مستقلة، أما طاعة أولي الأمر فهي طاعة تابعة، اكتفى ‏النص القرآني بأن يسبقها بحرف (واو) العطف، فهي طاعة تابعة لأن مناطها وشرطها أن ‏يكونوا على طاعة الله ورسوله دون معصية.‏ ومع كل التقدير لهذا التفسير الذي تبناه أيضاً علماء أجلاء نعرف فضلهم، وننحني أمام علمهم ‏الغزير، ونعلم حسن نواياهم في هذا التفسير، وأنهم لا يعضدون به استبداداً أو طغياناً في الحكم، ‏إلا أن ذلك لا يجوز معه أن يكون هذا التفسير موطئاً لتعطيل فريضتين إلهيتين في الإسلام: ‏ - أولاهما: مبدأ الشورى وسيادة الأمة، أي الحكم الديموقراطي في المصطلح الحديث وقد ‏تناولناهما في المقالين السابقين. ‏ 
- ثانيتهما: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تفتح الباب على مصراعيه ‏للمعارضة السياسية للحاكم، بل تفتح الباب لتعددية سياسية، لتنظيمات المجتمع المدني من ‏نقابات وجماعات وأحزاب.‏ 
وفي هذا السياق يذهب المفكر الإسلامي الراحل د. محمد عمارة إلى أن المعارضة السياسية ‏المنظمة لا تنهض الجماعة الإ بها، وتجد أساسها فى فريضة إلهية أخرى من فرائض الإسلام ‏هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويضيف أن مصطلح الحزب غير بعيد عن التراث ‏الإسلامي، ولا هو بالوافد الطارئ على حضارتنا الإسلامية التي مثلت العمران المصطبغ ‏بصبغة الإسلام، وأن كل الفرق الإسلامية قد نشأت نشأة سياسية، وكانت تيارات وتنظيمات ‏سياسية، أو كانت السياسة واحدة من أبرز مهامها وسمتها، فهي بمنزلة أحزاب سياسية. ‏‏(الإسلام هو الحل ص86-100).‏ 
ويقول د. سيف الدين عبدالفتاح «إن الأمر بالمعروف حوصر في نطاق الأخلاق دون غيره، ‏إلا أنه عند عموم أهل العلم، مصطلح سياسي بالدرجة الأولى». (التجديد السياسي والواقع ‏العربي المعاصر... رؤية إسلامية ص364)‏ وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.‏



في ظلال الدستور: الحكم الديموقراطي فريضة إلهية في الإسلام (1)

 

الأحد، 10 سبتمبر 2023

الحكم الديموقراطي في الإسلام فريضة إلهية (2) المستشار شفيق إمام

 الحكم الديموقراطي في الإسلام فريضة إلهية (2) 



المستشار شفيق إمام

رسالة طيبة من قارئ كريم تلقيت عقب نشر مقالي الأحد قبل الماضي 3/ 9/ 2023 تحت عنوان «الحكم الديموقراطي في الإسلام فريضة إلهية (1)»، رسالة على الواتساب من قارئ، يستكمل فيها ما قد يكون فاتني ذكره في هذا المقال، وهو الأستاذ الفاضل سامي فهد الإبراهيم، فأشكره على رسالته القيمة، التي حوت كثيراً من الوقائع والأحداث والآراء التي تثري ما كتبت، بعد أن استأذنته في نشرها وبعد التعرف عليه عبر الهاتف، فهو من الرعيل الأول الذي عاصر نشأة الدولة في الكويت، والفترة التي أعد فيها الدستور، وكان آخر منصب عام تولاه وكيل وزارة الكهرباء، وقد زودني بمعلومة لم أكن أعلمها، وهي أن قراءة الكتب قد زادت في الولايات المتحدة الأميركية كل عام بنسبة 2 إلى 3%، وفقا للإحصائيات التي نشرت بعد ظهور النت واستفحاله، على عكس عالمنا العربي، ويقول في رسالته القيمة: 

«الأخ الفاضل المستشار شفيق إمام المحترم

 أرجو أن تكون وأسرتك الكريمة بخير، فقد تابعت وباهتمام مقالكم القيم «الحكم الديموقراطي فريضة إلهية في الإسلام»، المنشور في جريدة «الجريدة» الغراء بتاريخ 3 سبتمبر، لأقول وبرأيي المتواضع إني كنت قد قرأت قبل سنوات ما كتبه أحد كبار علماء الأزهر في حينه، عندما كان يتحدث عن ديموقراطية الإسلام وتحديداً عن «واقعة الخندق» عندما اجتمع رسولنا الكريم بقادة إحدى القبائل المؤثرة طالباً دعم رسالته أو الوقوف على الحياد في معركته القادمة، ومواعدتهم بربع محاصيل المدينة في حال الانتصار بعون الله. 

وافقوا وكتبت المعاهدة ثم أخذها الرسول الكريم إلى أصحابه ليباركوها، عندها سأل أحدهم يا رسول الله هل كان اجتهادا منك أو أنه وحي من السماء؟ رد الرسول الكريم بل هو اجتهاد وليس وحياً، لترفض الجماعة تلك الاتفاقية دون اعتراض أحد من الحضور، الأمر الذي يعني احترام رأي الأغلبية أو لنقل ما تطالب به الديموقراطية التي كرسها الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر كما ذكرتم في مقالكم. 

شاهدت قبل فترة أيضاً مقابلة تلفزيونية مع المغفور له الأستاذ الدكتور عثمان عبدالملك عندما سئل عما إذا كان الدستور الأميركي يعتبر أول دستور مكتوب، حيث جاء رده رافضاً، فقال إن أول دستور مكتوب وقبل أكثر من ألف سنة هو وثيقة المدينة، أو دستور محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي سبقهم بقرون، مؤكداً قيم العدالة وحقوق الإنسان الحقّة، أما ما يسوَّق له على أن اليونانيين وقبل خمسة آلاف سنة هم من اخترع الديموقراطية فإنه لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة، حيث كانت ديموقراطيتهم مقتصرة على حكم النخبة من الرجال أصحاب النفوذ والمال وليس غيرهم، لتأتي بعدهم الكنيسة ويصبح رجالها هم من يحكم ويملك كل شيء، تبع ذلك الثورة الفرنسية ليكتب دستورهم عبر عشر سنوات من سكب للدماء، وها نحن نشاهد حتى اللحظة كيف تمارس ديموقراطيتهم مع شعوب مستعمراتهم أو مع من اكتسب حقوق المواطنة. 

نعود لنقول وبتواضع جم، الخلاص أو لنقل الفيصل هو العودة لوثيقة محمد (صلى الله عليه وسلم) وثيقة المدينة، مع عدم تجاهل متغيرات الزمن، هذا إن كنا ننشد العدالة وإسعاد البشر أينما كانوا. 

أعتذر على الإطالة ومنحكم الله طول العمر. 

أخوكم سامي فهد الإبراهيم»



في ظلال الدستور: الحكم الديموقراطي فريضة إلهية في الإسلام (1)



الأحد، 3 سبتمبر 2023

في ظلال الدستور: الحكم الديموقراطي فريضة إلهية في الإسلام (1)

 في ظلال الدستور: الحكم الديموقراطي فريضة إلهية في الإسلام (1) 



المستشار شفيق إمام

فريضة إلهية 

في اختياري عنوان المقال وموضوعه هو اجتهاد باحث في القانون الدستوري بوجه عام، وفي الحكم الديموقراطي بوجه خاص، محاولاً إزالة الغشاوة عن أعين فكر منغلق على نفسه، توارثناه جيلاً بعد جيل يرفض الحكم الديموقراطي، باعتباره منافياً للتوحيد، لأن الحكم لله، كما يرفض البعض القبول بالدساتير الوضعية، وترفع بعض الجماعات الإسلامية شعار «القرآن دستورنا»، بما جعلنا نتفرد وحدنا، بين أمم وشعوب العالم، بإشكالية الدين في الحكم الديمقراطي، وبالعداء لهذا الحكم، وتكفير من ينادي به عند البعض. وأرجو من المولى، عز وجل، أن يوفقني إلى حل هذه الإشكالية، في إثبات أن الحكم الديموقراطي هو المصطلح المعاصر لمبدأ الشورى، بما يجعله فريضة إلهية. 

وقد أمر به المولى عز وجل، في قوله سبحانه لنبيه: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، ويأمر الأمة الإسلامية جمعاء بالشورى، في قوله سبحانه «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ». فالحكم الديموقراطي يعتبر التطبيق السليم لمبدأ الشورى في الإسلام، وهو الحكم الذي ثبت نجاحه في الغرب منذ القرن السابع عشر للميلاد، ولم ينسب هذا الحكم للإسلام، وأن مصدره القرآن الكريم، الذي نزل في القرن السادس الميلادي، قبل قيام المملكة الدستورية في بريطانيا، وقبل الماجنا كارتا التي أعلنت في القرن السابع عشر سنة 1688م، وقبل الثورة الفرنسية سنة 1789، أي أننا أولى بالحكم الديموقراطي، من الغرب وديننا يأمرنا به. 

ولست أول من أطلق على الحكم في الإسلام، أنه الحكم الديموقراطي، فقد كتب منذ ما يقرب من قرن من الزمان الكاتب والأديب والمفكر عباس العقاد كتابه القيم «الديموقراطية في الإسلام»، وكان فضيلة الشيخ الدكتور مصطفى الخشاب، والدكتور توفيق الشاوي، والدكتور أمين هويدي، والدكتور محمد سليم العوا، قد سبقوني إلى الرد على حملة العداء للإسلام، وغيرهم، بالتقريب بين الإسلام والديموقراطية، وقد أطلق الدكتور توفيق الشاوي على الشورى، أنها أعلى مراتب الديموقراطية، في كتاب له بهذا العنوان. ولكنني ربما أكون أول من قال إنها فريضة إلهية لا تقل في مرتبتها عن الفرائض في العبادات. 

وقد نزلت الآيتان الخاصتان بالشورى بصيغة الأمر للنبي في قوله سبحانه: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، ولا يختلف الحال إن جاءت الآية الأخرى بصيغة «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»، فهو إخبار يحمل معنى الأمر، وهو القائل سبحانه «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، فهاتان الآيتان هما جزء من الإيمان بما أنزل إلى الرسول في القرآن الكريم، ومن العقيدة الإيمانية للمسلم. فالشورى في دين الإسلام هي كلمات من رب العالمين، إن هي إلا وحي يوحى به، رسالة وهدى للعالمين، الأمر الذي غدت معه الشورى والحكم الديموقراطي لمصطلح العصر لها فريضة إلهية، فهي حق المولى عز وجل، كما هي حق الإنسان، فهي ليست حقاً من حقوق الإنسان فحسب، بل هي واجب وتكليف شرعي أيضاً للإنسان الذي يدين بالإسلام، والتكليف بالحكم الديموقراطي هو من صميم وجوهر الدين، وهو تكليف لا اختيار فيه للمسلم، وترك هذا التكليف والحكم بغير مشورة الأمة والحكم بما يخالف الآيتين إثم على الحكام والمحكومين، لأنه يخالف شرع الله. 

الديانات السماوية الأخرى 

وبذلك يتميز الإسلام عن سائر الديانات السماوية الأخرى بأنه أعلى كرامة الإنسان الفرد، باعتباره نواة الأمة التي تحكم نفسها بنفسها، لتنهض وتتقدم في ظل مبدأين أساسيين، أولهما: الاعتزاز بكرامة الفرد، وثانيهما: الحرص على صالح المجموع، وهو خطاب هدى للعالمين والبشرية كلها. 

أما في الديانة اليهودية، فإن الحكم خاص ببني إسرائيل وحدهم، والأحبار والكهان هم الذين يختارون الحكام من قبيلة بعينها، هي قبيلة اللاويين التي ينتمي إليها سيدنا موسى عليه السلام، ويتم اختيار الحكام من سلالة معينة من السلالات، والحاكم مدين للرب، لأنه هو الذي اختاره، وهو يكتب عهداً على نفسه، يكتبه الكهان والأحبار. 

وقد خاطب موسى قومه «متى أتيت إلى الأرض التي يعطيك ربك إلهك، وملكتها وسكنت فيها، فإن قلت اجعل عليَّ ملكاً كجميع الأمم الذين حولي فإنك تجعل عليك ملكاً يختاره الرب إلهك من وسط إخوتك...». 

«وعندما يجلس على كرسي مملكته يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة في كتاب من عند الكهنة اللاويين...». (الإصحاح السادس عشر- سفر التثنية). 

أما في الديانة المسيحية، فإنها تدع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. إلا أن الحكم في الغرب المسيحي تحول إلى التفويض الإلهى للملوك، والكنيسة، التي أصبحت تطغى على سلطة الملوك الذين كانوا يمارسون سلطاتهم بعنف وقسوة حتى بعد تحررهم من طغيان الكنيسة عليهم، فانتشرت الدكتاتوريات في إسبانيا وفرنسا وإنكلترا وهولندا، وفي المدن الإيطالية التي كان يتبع بعضها النظام الملكي، إلى أن ثارت الشعوب في بدء العصور الوسطى المتأخرة، مثلما أطل علينا بعد الخلافة الراشدة الملك العضوض. 

محمد والفلاسفة والمفكرون 

ولم يكن محمد، صلى الله عليه وسلم، من المفكرين أو السياسيين الذين يستخدمون الأيديولوجيات السياسية، عندما قرر أن «الناس سواسية كأسنان المشط» وإن كان باعترافهم وإقرارهم هو الأعظم في تصنيف العظماء المئة عبر التاريخ. وقد كان الفلاسفة والمفكرون في العصور القديمة يقسمون البشر إلى سادة وعبيد، سواء عند اليونان أو عند الرومان الذين أطلقوا على الناس، عدا السادة، أنهم أشياء لا أشخاص، إلى أن بزغ نجم جون لوك في العصور الوسطى (1632 - 1704) السياسي والفيلسوف البريطاني الذي أعلن أن البشر أحرار ومتساوون بحكم الطبيعة، فكان فيلسوف الثورة في إنكلترا سنة 1688 التي أقامت الملكية الدستورية، إلا أن الأهمية التي أعطاها لحقوق الملكية حالت بينه وبين اعتناق المساواة السياسية أو الديمقراطية بمفهومها الصحيح القائم على المساواة. 

أما سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، فقد كان إنساناً أمياً، وُلد في أمة من قبائل وبطون وفصائل، لا تعرف من أنظمة الحكم- التي كان يتنادى بها الفلاسفة والمفكرون- شيئاً، وكان كبار القوم من العرب، ومن شيوخ وسادة، يجتمعون من آن إلى آخر للفصل في الخصومات بين الأفراد، لقطع دابر الخصومات، ومن هنا ظهر حلف الفضول بين بعض من خيار القوم وأقويائهم، والذي شارك فيه سيدنا محمد قبل أن يبلغ بالرسالة، كما نشأ محمد، صلى الله عليه وسلم، فقيراً يتيماً يرعى الغنم، إلى أن شبّ، فسلك التجارة طريقاً إلى الرزق، فأطلق عليه قومه الصادق الأمين، إلى أن بلغته الرسالة في غار حراء، ليرى ويسمع ملكاً من ملائكة السماء أرسله المولى عز وجل ليقول له: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ». فالأمر بالشورى، إن هو إلا وحي يوحى، وقد كان الرسول، عليه الصلاة والسلام، يستفتي أصحابه في شؤون الحرب والحكم، وكان يلتزم بمشورتهم، وهو القائل: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم». 

الخلافة الراشدة 

والواقع أن القرآن لم يشرع نظاماً لاختيار الخلفاء الراشدين، وأنه ليس في السنّة حديث عن نظام ما، لكن المسلمين عرفوا نظام البيعة، عندما بايعوا الرسول على الإسلام بمكة قبل الهجرة، وبايعه نقباء الأنصار على إيوائه ونصرته وطاعته عندما هاجر إلى المدينة، ومبايعات متكررة للنبي، وإن كان هناك فارقٌ بين مبايعة النبي ومبايعة خلفائه، لأن مبايعة النبي كانت لله الذي أرسله وله في آن واحد. 

ولم يوصِ الرسول، عليه الصلاة والسلام، بأن يخلفه أحد في رئاسة الدولة، التي أنشأها في المدينة، بل ترك ذلك لمن أمرهم الله سبحانه وتعالى بأن يكون الأمر شورى بينهم، وقد حفلت خطب الخلفاء الراشدين بذلك، وكانوا الأقرب إلى فهم آيات القرآن الكريم، الفهم الصحيح، بحكم قُربهم من الرسول الذي نزل عليه القرآن، وأنهم أجادوا السمع لأحاديثه، أي أن نظام البيعة كان جزءاً من نظام الحكم في الإسلام، وقد بُويع سيدنا أبوبكر أول الخلفاء الراشدين، فقال في أول خطبة له بعد بيعته للخلافة: «إنى قد وُلِّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»، إلى أن قال: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم». 

ويخطب سيدنا عمر أمير المؤمنين على المنبر: «أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه»، فيجيبه أحدهم: «لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد السيف»، فيرد عليه سيدنا عمر، رضي الله عنه: «الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بسيفه». 

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.




الثلاثاء، 16 يونيو 2015

تسريبات شفيق

تسريبات شفيق

شفيق: قابلت الأمريكان في الإمارات قبل 30 يونيو لإسقاط مرسي والمخابرات المصرية كانت عارفة







شفيق لـ عمرو أديب 

أجهزة المخابرات في مصر عارفة دوري اللي عملته في اسقاط مرسي والاخوان






 الفريق «عنان» يرد على تصريحات «شفيق»