الاثنين، 7 سبتمبر 2020

الفاتيكان والمسرحية الكبرى..

الفاتيكان والمسرحية الكبرى..
أ. د. زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية



"الناس مدركون أكثر فأكثر بضرورة نظام عالمي جديد":
البابا يوحنا بولس الثاني، خطابه في اليوم العالمي للسلام، 1/1/2004

تؤكد عبارة البابا يوحنا بولس الثاني كيفية تضافر الجهود، منذ سنوات، ترتيبا لتنفيذ النظام العالمي الجديد.. فما أكثر المسؤولين الذين كرروا هذا المطلب في الآونة الأخيرة، خاصة في الفترة التي سبقت الجائحة أو أثناءها. 
وهو ما يكشف عن كيفية حياكة الخطة منذ سنوات.. أما عنوان المقال ويتكون من شقين: الفاتيكان من جهة، أي الجانب الديني ومعه الكرسي الرسولي، الذي يمثل الجانب السياسي، وبالتالي كل الأجهزة والمؤسسات والجمعيات التي تحت أيديهما.. 
أما الشق الثاني من العنوان فهو: "المسرحية الكبري". والمسرحية الكبرى هنا هي فرية كورونا وكوفيدـ19 وكل ما واكبها، كغطاء لتنفيذ وفرض النظام العالمي الجديد، أي: نظام سياسي واقتصادي وديني واحد لتتولي حفنة واحدة قيادة العالم..

ولا يسع المجال هنا لتناول أحداث الجانب السياسي والاقتصادي، وجميعها منشور الي حد ما، وأكتفي بتوضيح أن كورونا ليست بالخطورة التي فرضوها على بلدان العالم، فلو قارنا تعداد وفياتها بالنسبة للتعداد العالمي للسكان ككل، أي نقارن بالنسبة للمليار وليس بتعداد البلدان بعضها بعضا لاختلف الوضع. ومقارنة وفيات الأمراض والأوبئة الأخرى بوفيات كرورنا بالمليار، لوجدناها أقلهم عددا.. وذلك لا يعني أنني أقلل من شأنها، وإنما اضعها في حجمها الطبيعي..

ويمكن اختصار كل ما حدث هذا العام في أنهم أعدوا خطة لتنفيذ فرية النظام العالمي الجديد خلال هذا العام، وأفلت العيار من أيديهم.. وسواء قاموا بتنفيذ جزء قَل أو كبُر من تلك الخطة، من قبيل فصل ملايين العمالة، من باب التوفير، أو وقف بعض الشركات كالطيران وما الي ذلك، فإن الموقف قد أفلت من أيديهم ويحاولون التراجع بما يسمح لهم بالحفاظ على ماء الوجه، ورأب الخسائر، إلا أن الفاتيكان يستميت لتنفيذ الجانب الديني منها. وهو الجزء الذي سأتناوله هنا.

يمكن القول بلا أية مبالغة: لقد جيّش الفاتيكان جيوشه منذ أعوام وعقود لمناسبة هذا العام الذي كان مخصصا لتطبيق النظام العالمي الجديد. فمن ناحية تواصلت لعبة الصلاة الجماعية بين مختلف الديانات والعقائد التي ابتدعها البابا يوحنا بولس الثاني في بلدة أسيز سنة 1986، ليألفوها، وتواكبها خطوات فرض المسيحية كديانة واحدة وحيدة على العالم أجمع، بما في ذلك تعديل النصوص الكنسية حتى تواكب الحدث. ومن أهم هذه الخطوات:

* خطاب البابا في 25 مارس 2014 الذي قال فيه: "المصنّع تلقائيا لا وجود له؛ ولا يوجد مناضلون أحرارا. فأن تكون مسيحيا يعني أنك ملكا للكنيسة: لأن الاسم: مسيحي، واسم العائلة: ملكية الكنيسة". وبالتالي فكافة الأتباع ملكية خاصة للكنيسة تستخدمهم كيفما شاءت..

* يوم الأحد 30 سبتمبر 2019 أصدر البابا فرنسيس خطابا رسوليا كمبادرة شخصية، وهو خطاب يلي "يوبيل الرحمة" الذي أقامه احتفالا بتاريخ انتهاء أعمال "مجمع الفاتيكان الثاني" واعتبره العام المقدس 2015ـ 2016 لتفعيل قراراته. وللتذكرة: فإن أهم قرارات مجمع الفاتيكان الثاني هذا هي تبرئة اليهود من دم المسيح، وتنصير العالم. وكان المفترض أن يتم تنصير العالم قبل بداية الألفية الثالثة. لذلك فرض مجلس الكنائس العالمي على الولايات المتحدة مهمة اقتلاع الإسلام في العقد الأول من الألفية الثالثة، التي بدأت بمسرحية 11/9 وصيحة بوش الابن بأنها "ستكون حربا صليبية ممتدة"، وتم اقتلاع ملايين المسلمين وتدمير بلدانهم..

ومن أهم أو أوضح عبارات خطاب يوبيل الرحمة هذا: "يستحسن ألا يغيب أبدا عن حياة شعبنا تلك العلاقة الحاسمة مع الكلمة الحية للرب الذي لم يكل أبدا عن تكرارها لزوجته كي يمكنها أن تنمو في الحب في شهادة الإيمان". و"زوجة الرب" هنا تعني "الكنيسة" التي تزوجها السيد المسيح وفقا للنصوص. وهذا القرار الكنسي تم فرضه لتدعيم مكانة الكنيسة في الدولة وعند الأتباع، وأنها لا تنفصل عن الرب أو هي جزء منه..

* يوم 25 أغسطس 2020 نشر موقع الفاتيكان خبرا موسعا تحت عنوان: "زمن الخليقة نعيشه هذا العام ك "يوبيل من أجل الأرض". وصدر تصريح مشترك عن رؤساء الكنائس الأوروبية ومجلس الأسقفية الأوروبية وجهوا فيه نداء بأننا نعيش زمنا للخليقة وذلك من أول سبتمبر الي الرابع من أكتوبر، من أجل البيئة. فمنذ الأسبوع القادم مسيحيو العالم مطالبون بتجنيد أنفسهم لمدة حوالي خمسة أسابيع لصالح "بيتنا المشترك"، بنبرة خاصة لهذا الإصدار الثاني فيما يتعلق بمسيحيو أوروبا: "نحن ندعوكم للاحتفال هذا العام بزمن الخليقة تحت عنوان "يوبيل من أجل الأرض".. ولا نفهم ما دخل الكنيسة في شؤون البيئة والاقتصاد والتعليم إن لم يكن لمزيد من السيطرة والتحكم..

* يوم الصلاة العالمي للحفاظ زعما على الخليقة، وكان البابا فرنسيس قد ابتدعه اول سبتمبر 2015، وألحق به منذ عام 2019 ب "زمن الخليقة" حتى الرابع من أكتوبر.. ففي الكتاب المقدس ينص اليوبيل على ضرورة "أن يكون هناك توازن عادل ومستدام بين الوقائع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية (...) وكل الرعاة ومسيحيو أوروبا والجماعات الكنسية وكل إنسان حر عليه الاهتمام بزمن الخليقة وأن يعيش بفكر مسكوني تبشيري مترابط في الصلاة والعمل". وتمسك البابا بيوم الأحد يرجع إلى أنه يمثل يوم بعث يسوع، يوم الرب، وكذلك عيد العنصرة. كما أن يوم الأحد في أوروبا هو يوم الاجازة الرسمية وضرورة الذهاب للصلاة في الكنيسة.

* يوم الخميس 3 سبتمبر 2020 استقبل البابا فرنسيس وفدا من ستة عشر مسئولا ومسئولة في مختلف قطاعات الدولة، ليشرح لهم توجيهاته والمطلوب منهم القيام به، كلا في مجاله، لمساندته في الأسابيع القادمة وخاصة في احتفاليات شهر أكتوبر.

* يوم الجمعة 4 سبتمبر 2020 أوضح البابا فرنسيس "أن التبشير والتنصير ليس قاصرا على بعض المسيحيين الاستثنائيين، أو مجرد أثناء الخروج من المدرسة، فالعائلة بأسرها يمكنها نشر الإنجيل فيما حولها، وحتى الأطفال يمكنهم القيام بذلك أثناء الخروج من المدرسة". وقد سبق للفاتيكان قبل ذلك أن فرض عملية التبشير من البابا للباب وعلى الشواطئ أيام الصيف.. أي أنه أعاد تأكيد ما سبق وطالب به بإلقاء مهمة التبشير على كافة الأتباع رجالا ونساء وأطفالا..

* وفي الثالث من أكتوبر القادم سيذهب البابا الي بلدة أسيز ليصلي على قبر فرانسيس الأسيزي الذي اتخذ أسمه لبابويته، وسوف يوقع علي خطاب رسولي جديد بعنوان "كلنا أخوة"، المأخوذ من عبارة القديس الأسيزي: "لنتدبر، وكلنا اخوة، الراعي الصالح لإنقاذ خرافه، قد عانى القتل ومعاناة الصليب". وسوف يؤكد ويزيد على ما انتزعه بوثيقة "الأخوة الإنسانية" المشؤومة..

* وثيقة "ممجد أنت" Laudato Si’)): تعد أهم وثيقة فاتيكانية صدرت منذ مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، وأول وثيقة تهتم بالبيئة كغطاء لما يتخفى تحتها. وذلك على الرغم من ان البابا فرانسيس في هذا الخطاب الرسولي يخالف العقيدة الاجتماعية للكنيسة، وأدان اقتصاد السوق القائم عليه الاقتصاد في الغرب، واعتمد على أطروحات علمية غير مقبولة حول الاحتباس الحراري الذي يتذرع به لقيادة العالم. والوثيقة بكلها قائمة على الكتاب المقدس بدأً بسفر التكوين، رغم كل ما به من متناقضات. إلا أن البابا قد نص على "أنها يجب أن تدرّس في المدارس والجامعات"..

أما أهم حدثين ناجمان عن هذه الوثيقة، فيقع أهمهما في أوائل أكتوبر القادم بعنوان: "تحالف لإعادة بناء الاتفاق التعليمي العالمي": وأهم ما يلفت النظر في هذه المبادرة أنها تتم لأول مرة في تاريخ الكنيسة منذ بدأت بنفوذها على الأرض. بمعني: أن يضع البابا نفسه على رأس ميثاق تعليمي عالمي يقوم فيه بتوحيد الخطوط العريضة التي يراها لتحديد مصار التعليم العالمي، وتوحيد يوم الاجازة الأسبوعية بيوم الأحد علي الصعيد العالمي..

وفي الفيديو الذي أعلن فيه البابا فرانسيس عن هذه المبادرة لا يوجد في حديثه أية إشارة الي الرب يسوع، ولا الكنيسة، والعبارات الأكثر وضوحا فيه كانت: "الإنسانية الجديدة"، "بيتنا المشترك"، "التضامن العالمي"، "الأخوة"، "اللقاء"، وكأنه بذلك يتفادى لفت انظر إلى الخلافات الجذرية بين المسيحية والإسلام لكيلا يعوق مخطته.

وقد أسند البابا إعداد وتنفيذ هذه الاحتفالية الي لجنة "التعليم الكاثوليكي" البابوية. وهذا "الاتفاق العالمي" الذي ينوي إقامته، لا يقتصر على المؤسسات التعليمية والأكاديمية فحسب، وإنما يتضمن ممثلو الديانات والمنظمات الدولية ومختلف المؤسسات الإنسانية والعالم الأكاديمي والاقتصادي والسياسي والثقافي. وهذا الحشد غير المسبوق يكشف عن المغزى الحقيقي للاحتفالية، وهو: استدعاء ووضع كل الرئاسات والفئات الاجتماعية تحت سلطته وقيادته، وأنه القائد الأعلى الفعلي للمجتمع الدولي.

ومعني توحيد يوم الاجازة الأسبوعية عالميا بيوم الأحد تعني: بداية اقتلاع الإسلام رسميا. فهو بذلك يلغي يوم الجمعة، وصلاة الجمعة، وسورة "الجمعة" التي تنص صراحة على أهمية صلاة الجمعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ﴿٩﴾.

ولا جدوي من تكرار عبارة: "أفيقوا أيها المسلمون"، فقد دخلنا فعلا في مرحلة جد حاسمة لبداية اقتلاع الإسلام على الصعيد العالمي..

زينب عبد العزيز

7 سبتمبر 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق