الخميس، 14 يوليو 2022

"جاي بهيم "وطائفة المنبوذين في سورية

"جاي بهيم "وطائفة المنبوذين في سورية


أحمد عمر

شاهدتُ آلاف الأفلام، وأجزم بالسكون (وبالفتحة وبالضمّة ساكنتين من الفزع) أنّ معرفة أميركا لا تُدرك من غير مشاهدة أفلامها، وأنَّ "هوليوود" أولمب أميركا، وكتابها المقدس، ونجومها أنبياؤها، بل آلهتها، ولا أركن إلى تخرصات النقاد (ذباب الخيل) فهم يشبهون أحيانًا دلّالي العقارات. 

استمتعتُ كثيرًا بفيلم "جاي بهيم" الهندي، الذي يسلط الضوء على منبوذي الهند، ثكلتكم أمهاتكم على تعبير تسليط الضوء المقتبس من السينما، والذي لصق بالأدبيات الصحافية المكتوبة والملفوظة مثل أثر الحرق، حتى في سورية التي ليس فيها ضوء يعشى إليه.

طائفة الداليت مكتومي القيد منبوذة، وكدت أقول إني كنت مكتوم القيد واللسان، فأفسد مقالي، لكني أضعت وثائقي في أثناء النزوح العظيم، وكان يمكن أن تنفعني في الاستحصال على اللجوء السريع في أوروبا. الفيلم من إنتاج سنة 2021، وقد بزّ فيلم "Jai Bhim"، أشرف الأفلام العالمية، حتى أنه سبق "الخلاص من شاوشانك" و"العرّاب"، وخلعهما عن عرشهما في المراكز الأولى على سدّة موقع IMDb لتقييم الأفلام، وفيلم "شاوشنك"، في ملّتي واعتقادي، أجمل من "العرّاب"، مع أن لا نساء فيه، وهو مقتبسٌ مثل أخيه فيلم "الكونت دي مونت كريستو" من قصة يوسف عليه السلام. والإخباريون العرب يزوّجون النبي يوسف من زليخة في بعض رواياتهم سعيًا إلى النهاية السعيدة، التي صارت حتما سينمائيا.

يروي "جاي بهيم" قصة داليتي، يتّهم بسرقة حلي ذهبية من منزل عمدة القرية بعد عودته منه صائدا ثعبانا تسلّل إلى بيت العمدة، فيعذَّب منقذ أهله من سمّ الثعبان عذابًا شديدًا للاعتراف بجنايةٍ لم يرتكبها. تعتقل الشرطة جميع أقربائه للإقرار بالجناية، لكنه "لحسن الحظ" يموت تحت التعذيب. تمرّ عبارة في الفيلم تحتاج جلاء المعنى، وهي قول الشرطي الذي يعذّب المشبوهين الذين يقبّلون قدمه للكفِّ عنهم: كيف تجرؤ على لمسي؟ فلمس المنبوذين طبقة السراة ينجسها ويستوجب القصاص. هناك عبارة أخرى بليغة ترد في المحكمة، وهي قول القاضي مستنكرًا أفعال الشرطة: كيف يمزّق شرطي تنورة امرأة!

تهتدي الزوجة الثاكل إلى محام، فتقصده حافية، وكل أهل القرية حفاة، وتوكّله، فيتطوّع للدفاع عنها في المحكمة، ويجمع الأدلة ويوثّقها، وينجح في كشف الحقيقة، ويقدّم الجناة للعدالة، تنصف المحكمة الزوجة، وتلزم الجناة بتعويضاتٍ مالية، والحكومة بتعويضات اجتماعية وسياسية، تقول الخاتمة في الفيلم، مرفقة بصور أبطالها الحقيقيين، إنّ المحامي دافع عن ثمانية آلاف قضية، واستطاع تغيير القوانين في منطقة القبائل، وأنصف منبوذين كثيرين.

أنوي كتابة مقالين آخرين عن الفيلم: واحد عن جمالياته، والثاني عن الفروق والتشابهات بين منبوذي الهند ومنبوذي سورية. لا أعرف تمثيلًا في السينما الهندية يضاهي أداء ممثلي الفيلم الرئيسيين والثانويين والكومبارس. وأدهشتني كثيرًا مشاهد الندب في الفيلم، فالممثلون الهنود يبالغون في الأداء عادة، حتى أنَّ تمثيلهم يشبه أداء الأطفال، لكن مربط الثور، (سبب تغير الفرس بثور هو عيد الأضحى)، أنّي لا أنشد الثناء على الفيلم أو الدعوة له، أو أتنطّع إلى النقد السينمائي، وإنما أريد المقارنة بين منبوذي الهند ومنبوذي سورية، وقد يقول قائل إن دعواك صحيحة، ونحن منبوذون، لكن هذا عارضٌ وطارئ، وسببه الحرب "الأهلية". أما الحق، فإنّ سبب الحرب الأهلية السورية ثورة المنبوذين في سورية، وما انتبذ أحدٌ إلا مع استعلاء حافظ الأسد ربًا لسورية وشعبها، واستقرّت الطائفة مع الثمانينيات.

سألني صديقٌ سوري، وهو طبيبٌ جرّاح، ليس في جسده موضع شبر إلا وفيه رفسة مخبر، أو طعنة كبل رباعي، وكان من العشرة الأوائل في الشهادة الثانوية العامة، عن فيلم مشوّق، فنصحته بـ"جاي بهيم"، صديقي من الغوطة، وفيها يقيم بعض داليت سورية، فقال بعد مشاهدة الفيلم: منبوذو الهند أكرم من منبوذي سورية الأسد، وما لاقته الزوجة في الفيلم لا يعادل معشار ما تلاقيه معتقلة سورية، وهنَّ بالآلاف، أُخذن رهائن. وإنّ سجن جاي بهيم جنة مقارنة بالمعتقلات السورية. المعتقلة السورية منار جابر التي اعتقلت رهينة حمدت الله على إصابتها بأمراض جلدية، صانتها من جرائم الاغتصاب.

صدع صاحبي قلبي بقوله، فقلت له ما قاله النجاشي لللاجئ السياسي جعفر بن أبي طالب: والله ما عدا ما قلت قدر هذا العود. ثم اخضلّت لحيتي من العبرات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق