الاثنين، 25 يوليو 2022

العناية الإلهية (2)

 العناية الإلهية (2)


بسم الله الرحمن الرحيم
العناية الإلهية (2)

د. عطية عدلان (مدير مركز محكمات)

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
قد لا يروق لك هذا المصطلح (العناية الإلهية) لكون الذين يكثرون من استعماله هم رجال الدين المسيحيّ، وقد تجد في نفسك غضاضة من ترداد ما رددوه، لكن لتكن مطمئناً؛ فإنَّنا لا نستطيب ما لا يُستطاب في اللغة الّتي نزل القرآن بها، وكون هؤلاء أكثروا من استعماله لا يعني أن نهجره لمجرد مخالفتهم؛ إذ ليس هذا التركيب خاصاً بهم، وليس غريبًا عن ثقافتنا ولغتنا، فالعناية مصدر من عُنِىَ يُعْنَى عنايةً، ومعناها الرعاية والاهتمام والاشتغال بالأمر( )، وهو معنى وثيق الصلة بما نعالجه وما نواجهه في معالجتنا هذه، وربما يكون أعم وأشمل من الرعاية ومن الاهتمام؛ لأنَّه يشملهما ويشمل معهما كل تدخل إيجابيّ في شئون الإنسان؛ فلننطلق مستنشقين عبق التيسير، ومتحررين من أغلال الوساوس والهواجس والظنون.
   هل شعرت وأنت تقرأ القرآن بهذه اليد المغدقة الحانية ؟ إنَّها في الحقيقة تلازمك، وفي واقع حياتك لا تفارقك، ولكنك – لما يزدحم عليك من شواغل الدنيا – ربما تغفل عن ملاحظتها والإحساس بها، فإذا قرأت القرآن غمرك الشعور العميق بإحاطتها بك وتظليلها لك، ورأيتها متبدية مع كل سورة من خلال الكثير من الآيات والعديد من الجمل والعبارات؛ فغاصت نفسك في محيط من السكينة والرضا، ورفرفت روحك في عالم مترع بالغبطة والحبور، لكن المهم هو ألا تكون الغفلة قد أحكمت قبضتها على المرء منَّاً فلم يستطع الفكاك منها حتى وهو مع القرآن.
   وإذا قمت باستقراء الآيات التي عرضت مظاهر العناية الإلهية فسوف تجدها مندرجة تحت أقسام أربعة؛ تنزل على التقسيم من حيثيتين، الأولى: التعلق (العموم والخصوص)، الثانية: النوع (الكوني والشرعي) لتصير على هذا النحو الرباعيّ الجامع المانع: عناية إلهية كونية عامّة، وعناية إلهية كونية خاصة، وعناية إلهية شرعية عامّة، وعناية إلهية شرعية خاصة، وستجد في رحاب كل قسم منها تندرج الكثير من آيات القرآن الكريم المعنية بمظاهر العناية الإلهية.
   وينبغي أن نشير في بداية تناولنا لهذا الموضوع البالغ الأهمية أنَّ طريقة التناول ستكون عبر التفسير الموضوعيّ، وهو لون من التفسير يقوم على استقراء الآيات القرآنية التي تعالج الموضوع المطروح للدراسة، وتفحصها بعد جمعها وتصنيفها؛ بغرض الخروج بنتائج متماسكة آخذ بعضها برقاب بعض، تؤدي في النهاية إلى نتيجة كلية، تحظى بالقبول وتتمتع بالرسوخ وتسعد بالهيمنة على جزئيات كثيرة، ولا ريب أنَّ التفسير التحليلي للآيات أحد الأدوات الضرورية لعملية التفسير الموضوعيّ، لكن يبقى أنَّ التفسير الموضوعيّ طريقة فذة وضرورية لتحقيق أعلى معدل من التدبر الإيجابيّ المثمر لكتاب الله تعالى؛ (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته).
   وسوف نكتشف ونلمس بأنفسنا لوناً من ألوان الإعجاز غاية في العظمة والإبهار؛ عندما نجد الآيات التي تفرقت نجومها واختلفت أسباب ومواقيت نزولها قد تضافرت وتوافرت على بناء موضوع مكتمل الأركان، ونجد هذه الظاهرة مضطردة مع كل موضوع له تعلق بمقاصد القرآن وهداياته، فنذكر قول الله تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم …..) ونزداد إيماناً مع إيماننا، لكن المهم هو اتباع المنهج العلميّ الصحيح، وعدم تحميل آيات الله تعالى ما لا تحتمله من الدلالات والمعاني؛ لأنّ هذا في حقيقته تقول على الله بغير علم.
   وسوف نجد أنفسنا في عصرنا هذا المليء بالتحديات بحاجة إلى الانتفاع بهدايات القرآن عن طريق هذا اللون من التفسير، وهو أسلوب من الأساليب التي سنتبعها في تقؤير وإظهار كثير من المحكمات وتقديمها بصورة حية نابضة يكون لها بالغ الأثر في عقول الناس ونفوسهم، وبالله نستعين وعليه نتوكل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق