الأربعاء، 27 يوليو 2022

تونس غاضبة.. قيس سعيّد لا

 تونس غاضبة.. قيس سعيّد لا

وائل قنديل



بنسبة أقل من 30% من الشعب التونسي، يقال إنهم اهتموا بالتصويت على دستور قيس سعيّد، يتوّهم الأخير، أنه نجح، وأن الجماهير اختارته وأيّدت مساره.
لا يعلم أحد على وجه الصحة والدقة اتجاهات تصويت ال30% ممن أعلنت السلطات التونسية حضورهم الاستفتاء على دستور الطغيان، لكن المعلوم والمؤكّد أن 70% من الشعب سخروا من هذا العبث الرئاسي وقالوا لقيس سعيد: لا.
يمثّل قيس على التونسيين أنه سعيد بالنتائج، مدعيًا أنّ الشعب التونسي حقّق انتصارًا تاريخيًا، ثم نزل إلى الشارع يحتفل مع الأقلية الضئيلة بالفوز الكاذب على الأغلبية الكاسحة، لكنه في واقع الحال مذعور ومضطربٌ من أثر صدمة النتائج التي أفقدته وعيه، فراح يسلك كما لو كان منتصرًا.
هذا النمط من الطغاة يمكن أن تعتبره التجسيد الحقيقي لمقولة "دكتاتورية الأقلية" التي تحاول أن تفرض قانونها بالقوة والجبر على الجميع، فهكذا يتوّحد الطاغية دائمًا مع ذاته، سجينًا لهذه الذات المتضخّمة وهلاوسها، فلا يرى العالم إلا من تلك الكوة الضيقة بداخله، ويتوهم أنّ ما يراه هو الحقيقة المطلقة، وما دون ذلك هو الظن.
مشكلة قيس سعيّد أنه يحتقر وعي التونسيين، وينظر إلى الشعب على ضوء التجارب المحيطة به، ويتوّهم أنه قادر على أن يكرّر تجارب نحر ثورات الشعوب بسكّين الاستبداد لمجرّد أنها نجحت في بيئاتٍ أخرى. ومن هنا، قرّر أن يعيش في جلباب طغاة آخرين، وبعد أن جاء رئيسًا لتونس، أكاديميًا ومعلمًا للقانون، وخطيبًا مفوّهًا، يبدو مثقفًا مستنيرًا، وثوريًا وقوميًا، سرعان ما خلع كلّ هذه الأقنعة وارتدى أزياء الطغاة والمستبدّين المعتمدة، فبان أنه لا فرق بينه وبين أي طاغيةٍ آخر، محدود الثقافة فقير الفكر، لكنه عسكري بيده سلاح قابل للاستعمال في وجه كل من يعترض طريقه. 
هذا الفقر الروحي والخواء الإنساني فضحه الشعب التونسي، عندما أشاح بوجهه عن هذا الهراء الدكتاتوري، وأسقط استفتاء قيس سعيّد بالفعل، بل أسقط مشروعية بقائه هو شخصيًا في السلطة، كونه انقلب على القيم التي انتخبه التونسيون على أساسها. 
يصف أفلاطون في جمهوريته حالة قيس سعيّد بالقول "فقيرة هي النفس التي تنظر إلى باطنها فتجد خواء، فتمتد إلى خارجها لتقتني ما يسد لها هذا الخواء، وماذا تقتني؟ تتصيّد أناسا آخرين ذوي نفوس أخرى لتخضعهم لسلطانها، إنها علامة لا تخطئ في تمييز أصحاب النفوس الفقيرة من سواهم فحيثما وجدت طاغية صغيرا كان، أو كبيرا، فاعلم أنّ مصدر طغيانه هو فقر نفسه. إن اكتفى بنفسه لا يطغى. إن من يشعر في نفسه بثقة واطمئنان ليس في حاجة إلى دعامة من سواه. يظل الطاغية حبيس حشد هائل من المخاوف". هكذا يحسم أفلاطون الأمر، لكن الواقع يؤكد أنه كذلك سجين قدر هائل من الهلاوس والأكاذيب.
المشكلة أنّ قيس سيظل متخندقًا في أوهامه الدكتاتورية، مدعيًا أنه سعيد بالشعب والشعب سعيد به، بينما تونس قد أعلنت بكل وضوح عن غضبها ورفضها المطلق لتخليق دكتاتور جديد، بقناع مدني، من رحم ثورة كانت الأولى في إسقاط طاغية عسكري أكبر وأشرس. 

نعم تونس قدمت درسًا تاريخيًا في رفض الاستبداد، بينما الطاغية يصرّ على أنها قدمت الدرس في الانحياز لحزام الأوهام الذي يفخّخ به نفسه، ويتصرف برعونة تهدّد مستقبل وطن كامل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق