الثلاثاء، 19 يوليو 2022

خاطرة :أغرب ما وجدت في إسلاميات عباس العقاد

 خاطرة :أغرب ما وجدت في إسلاميات عباس العقاد


د.محمد جلال القصاص


بسم الله الرحمن الرحيم

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


أغرب ما وجدت في إسلاميات عباس العقاد

 

أغرب ما وجدت في إسلاميات عباس العقاد حديثه عن فاطمة الزهراء. بنت النبي ﷺ ، وزوج علي بن أبي طالب، وأم السبطين، رضي الله عنهم أجمعين، يقول "كانت مفطورة على التدين وراثة وتربية"([1]). ولا تحسب أنه يتكلم عن وراثة فاطمة، رضي الله عنها، للتدين من أبيها رسول الله ﷺ ، ولا أنها تربت على التدين من أبيها وأمها. بل من جدها لأمها، خويلد وآبائه وإخوانه في الجاهلية كورقة بن نوفل([2])؛ فعنده أن خديجة، رضي الله عنها، كآبائها، متدينة، وبالتالي بثت هذا التدين (الجاهلي الموروث) في بنتها فاطمة الزهراء!!

وهنا ملاحظتان:
الأولى: أنه لم ينسب فاطمة، رضي الله عنها، لأطهر بيت عُرف في التاريخ (بيت النبي ﷺ)، بل وأطهر إنسان، وأقدر إنسان على التأثير، وهو النبي ﷺ. وخاصة أنها كانت شديدة الشبه به ﷺ وشديدة الارتباط به ﷺ، ومعه لم تكد تفارقه، ويقول عنها ﷺ "بضعة مني". مع كل هذا لم ينسب تدينها له ﷺ. ومع أن عبّاس في أحاديثه عن عباقرته كان ينسبهم لآبائهم وأمهاتهم !!

والثانية:
أنه لم ينسبها لبني هاشم. لم يقل فُطرت على التدين كما كان بنو هاشم؟ وقد كانوا أكرم الناس وأحسنهم خلقًا في الجاهلية والإسلام؟

والسؤال: لماذا نسبها لفرع عبد العزي بن قصي بن كلاب؟ مع أن فرع عبد العزى كان قليل الحضور في أحداث مكة قبل البعثة وبعدها، مقارنةً بالفروع الرئيسية في قريش (بني هاشم، وبني أمية، وبني مخزوم)، وأمها (خديجة رضي الله عنها) توفيت مبكرًا وهي، رضي الله عنها، لازلت صغيرة؟

الجواب:

دبت إلى عباس فكرة شائعة وقتها، بثها القساوسة والمستشرقون الطاعنون في الوحي من أمثال: "جُوزيف قَزِّي/ أبو موسى الحريري" وخاصة في كتابه قس ونبي: بحث في نشأة الإسلام"، ورددها بعض المنتسبين للإسلام من الملاحدة الرافضين لنبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، مثل خليل عبد الكريم في كتابه "فترة التكوين". وهذه الفكرة هي شيوع التدين في بني عبد العزي بن قصي بن كلاب، وأن بعض أبناء قصي بن كلاب هو الذي أعدّ محمدًا ﷺ للرسالة.
ادعى "جوزيف قزي" في كتابه "قس ونبي: بحث في نشأة الإسلام"[3] أن مجتمع مكة ، كان مجتمعًا نصرانيًا[4] وأن الكعبة كانت كنيسة رئيسية يشرف عليها "الأسقف" ورقة بن نوفل، وألْحَقَ الحجاز بأبرشيته[5]، وادّعى أن ورقة بن نوفل أحاط بعلوم الأديان والتاريخ والرسالات والطبيعة ولغات الأمم.. يقول كان، وعلماء النصارى، عليمًا بكل شيء، وأنه هو الذي "أوحى وعلّم ودرّب وأرسى الدعائم والثاني [ يقصد النبي ﷺ] هو الذي سمِعَ وتعلَّم ودَرَسَ وشيَّد البنيان"[6]. وادعى أن القرآن إعادة صياغة للإنجيل العبراني، وأنهى كتابه بادعاء أن الإسلام والنصرانيّة إسمان لمسمّى واحد، وأن القَس ورقة بن نوفل أصبح نبيًا في شخص محمد ﷺ، أو أن النبي ﷺ ما هو إلا قس!!
هكذا تكلم "قزِّي" وهو الآن بين يدي ربه (يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا)(الفرقان:22)

وأخذ الشيوعي الماركسي خليل عبد الكريم ذات الفكرة وأحدث فيها تغيرات شكلية، حيث ادعى أن الذي أشرف على إعداد النبي ﷺ للرسالة هي خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، وأطال الحديث عن خديجة، يقول سافرت في طلب العلم والحكمة، وجلست للقساوسة والرهبان في الشام واليمن والحجاز، فأخذت عن "ورقة بن نوفل" وأخذت عن "بحيرا الراهب" ثم علمت النبي ﷺ مشافهةً، ودربته، ورسمت له الخطة، ومولته بأكوامٍ من الذهب.
واختلافهم يدل على أن كل واحدٍ منهم يغرف من خياله.

ثم جاء عباس متشبعًا بذات الفكرة، ولكنه كعادته يتوارى من القوم ويتحدث من طرف خفي، فنسب فاطمة لهذا الفخذ من قريش، وكأنه يقول: أن بيت النبي ﷺ مصنوع بهؤلاء!
وكلامهم هذا يُسوَّق في سياق تشكيك النصارى في الإسلام، أو إثارة الغبار حول البعثة، وإشغال الجادين بالرد عليهم. ولا يقول به مسلم، بل لا يقول به كافر عاقل. فالقرآن الكريم يتحدى بنفسه، ويعلن صراحة أنه من رب العالمين(وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ. نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ. عَلَىٰ قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلمُنذِرِينَ) (الشعراء:192-194)، فضلًا عن الشرائع والتشريعات، وفضلًا عن موت خديجة وورقة مبكرًا. وفضلًا عن أن جميعهم يقرون ويعترفون بأن لا دليل لديهم وإنما هي تكهنات يتحدثون بها من عند أنفسهم.

فانظر أين يقف عباس العقاد؟


د.محمد جلال القصاص
ذو الحجة1443
يوليو2022

([1]) فاطمة الزهراء ص20.


([2]) تكلم بهذا في بداية بحثه عن السيدة فاطمة الزهراء، وأعاده في نهاية بحثه.


[3] ينظر: "قس ونبي: بحث في نشأة الإسلام" لأبي موسى الحريري، (لبنان، دار لأجل المعرفة، 2005).


[4] بل والحجاز وعامة الجزيرة العربية، ينظر: "قس ونبي" ص17-22.

[5] كلمة لاتينية الأصل، وتدل على عدد من الكنائس يتمتعون باستقلال ذاتي.

[6] قس ونبي ص7

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق