الجمعة، 22 يوليو 2022

اسرقني شكرا!

اسرقني شكرا!


أحمد عبد العزيز

تقدم شركات الهاتف الجوال في مصر خدمات مختلفة لعملائها. من هذه الخدمات، خدمة "كلمني شكرا"، وهي رسالة يرسلها العميل الذي لا يكفي رصيده لإجراء مكالمة إلى شخص آخر؛ ليقوم (هذا الشخص الآخر) بالاتصال به. ومن هذه الخدمات أيضا، خدمة "سلِّفني شكرا"، وهي رسالة تحمل كودا معينا يرسلها العميل إلى الشركة؛ لتقوم بإقراضه ثلاثة جنيهات (جزء من سبعة أجزاء من الدولار) تضاف إلى رصيده "الصفري" ساعتئذ، على أن تقوم الشركة باسترداد هذا المبلغ فور إيداع العميل أي مبلغ في رصيده.

تشير هاتان الخدمتان إلى الوضع الاقتصادي البائس الذي وصلت إليه مصر، حيث انعدمت قدرة المواطن على إجراء مكالمة هاتفية، وبات لا يملك ثلاثة جنيهات يضعها في رصيد هاتفه! وقد أضحت هذه الشريحة تمثل 35 في المائة من المصريين، أي أكثر من 35 مليونا، بحسب آخر الدراسات!

ولأننا "فقرا أوي" كما قال "سليمان عصره وأوانه" الذي "فهَّمَه" الله، و"أعطاه البركة" بعد أن اصطفاه، وقام بانقلابه على الرئيس المنتخب لينقذ شعب المحروسة "الذي لم يجد من يحنو عليه"، لم يتردد "سليمان الحكيم الحنون" في إطلاق خدمة "اسرقني شكرا" التي باتت شعار "جمهوريته الجديدة"! ولا يوجد باب للسرقة أوسع من باب "التكليف المباشر"، وهو الباب الذي فتحه طبيب الفلاسفة على مصراعيه أمام مؤيديه ومنافقيه، أو من يختارهم (على عينه) ليقدموا له خدمة "لَمَّعنِي شكرا"، أو "دَلَّعني شكرا"، أو "انبح لي شكرا"، أو كل هذه الخدمات مقابل تلك "السرقات"!

انعدمت قدرة المواطن على إجراء مكالمة هاتفية، وبات لا يملك ثلاث جنيهات يضعها في رصيد هاتفه! وقد أضحت هذه الشريحة تمثل 35 في المائة من المصريين، أي أكثر من 35 مليونا، حسب آخر الدراسات!


وكان ممن اختارهم الجنرال ياسر جلال على عينه؛ المصممة الشابة "غادة والي" التي كلفها بتصميم هوية "جمهوريته الجديدة" في "قعدة" أو جلسة من جلسات مؤتمرات "شبابه"، وأمر وزير دفاعه (الذي انتفض واقفا) ورئيس وزرائه بتقديم كافة التسهيلات لغادة هانم والي؛ لتقوم بهذه المهمة "الجليلة".

ولا جدال في أن "المبدعة" والي قد أدت هذه المهمة على أحسن وجه، إلى الحد الذي جعل منها فضيحة "مدوية" في مصر وخارجها! إذ لم تتردد والي في عمل "Tracing"، أي إعادة رسم خطوط بعض لوحات الفنان الروسي "جورجي كوراسوف" دون إذن منه، بل ودون علمه، ثم طبَعتْها على ورق لاصق (بعد تغيير ألوانها) ثم (لا مؤاخذة) "زيَّنَت" به محطة مترو كلية البنات، مقابل 130 مليون جنيه، أي نحو 6,2 مليون دولار! رغم أن تكلفتها لا تزيد (بأي حال) عن 15 ألف دولار، وفقا لهذه المواصفات البائسة!

وقد عزا المراقبون "اصطفاء" ياسر جلال لغادة هانم والي إلى صلة القرابة التي تربطها بالوزيرة السابقة غادة والي (وزيرة التضامن الاجتماعي سابقا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة حاليا).. فغادة الصغيرة هي ابنة أخ غادة الكبيرة، كما يقول العالمون.. لكن الأمر أبعد من ذلك!

فبالبحث عن سابقة أعمال المصممة "المبدعة" غادة والي عثرتُ على "شهادة اعتمادها" لدى ياسر جلال، وهي مشروع تصميم ملصقات لأفلام افتراضية بعنوان "فيلم الإخوان"، وقد أظهرت هذه الملصقات الرئيس الشهيد محمد مرسي بصورة مسيئة ومهينة، فجعلت منه شيطانا، وفرعونا، وقردا، وفأرة، وجزَّاراً، ونازيا، وزعيم مافيا! كما احتوت الملصقات جميعها على العبارة التالية: محمد مرسي في (اسم فيلم مختلف في كل ملصق).. تأليف: أمريكا وإسرائيل.. إخراج: الإخوان المسلمون. ثم أعادت توظيف هذه "التصميمات" لتجعل منها طوابع بريد، وألواح تزلج! واخد بالك عزيزي القارئ من "تأليف أمريكا وإسرائيل" دي؟!

بالبحث عن سابقة أعمال المصممة "المبدعة" غادة والي عثرتُ على "شهادة اعتمادها" لدى ياسر جلال، وهي مشروع تصميم ملصقات لأفلام افتراضية بعنوان "فيلم الإخوان"، وقد أظهرت هذه الملصقات الرئيس الشهيد محمد مرسي بصورة مسيئة ومهينة


تقدمت والي بهذا المشروع "الوطني" عام 2013 (بعد الانقلاب على الرئيس مرسي بوقت قصير) للعرض ضمن معرض "في المدينة" المقام في لندن، والذي كان مخصصا لأربعة مدن عربية عامئذ هي: الإسكندرية، والجزائر، وبغداد، ونابلس، في غاليري "P21". وقد اعترضت إدارة الغاليري على التصميمات، فتم عرضها (كمعرض فردي) في غاليري "هاردي تري" في لندن، تحت عنوان "خضع للرقابة".

وقد بررت إدارة غاليري "P21" قرارها عدم عرض هذه التصميمات ضمن المعرض، في بيان لها، جاء فيه: "إن الأعمال لم تدعم هدف المعرض، وارتأينا أنها ستؤثر سلبا سمعته، وعلى غاليري P21، وعلى الأعمال الأخرى للمصممين". وأضاف البيان: "لدينا مخاوف بشأن استخدام المعرض لأجندة سياسية خارجية، مع وجود مؤشرات على أن مصمم الجرافيك المصري [غادة والي] كان يريد التأثير على إدارة الغاليري من خلال القيِّم على المعرض دانة عبد الله. كما أضاف البيان: "تم عرض عدد من الخيارات البديلة ومناقشتها مع دانة عبد الله، بما في ذلك تأجيل المعرض، والاتصال بالمصممة مباشرة لإيجاد حل، وعرض أعمال أخرى لها في المعارض المستقبلية".

ولأن الله لا يصلح عمل المفسدين، ولأن الله يدافع عن الذين آمنوا، ولأن الله خير الماكرين، فقد ارتد السهم (الذي لم يسمع به أحد وقتذاك وحتى الساعة) إلى صدورهم، بقوة مضاعفة، وتأثير مهين. وبعد أن كان الهدف من هذه التصميمات "لَمَّعنِي شكرا"، و"دَلَّعني شكرا"، و"انبح لي شكرا"، شاء الله أن يكون "افضحني شكرا"، وكانت الفضيحة مدويِّة، شغلت الرأي العام المصري لأيام، وستظل سبة في جبين هذا النظام! ولكن المجرمين لا يتفكرون ولا يتعظون.

أنجز لي شكرا!

هذا ما كان من أمر غادة والي وفرعونها ياسر جلال الذي كان من المفترض أن يكون بقده الفارع الممشوق ووجهه الصبوح الضحوك؛ مادة "فنية" يتم تعميمها على مرافق مصر وشوارعها، ولكن الله سلَّم. فماذا كان من أمر الدكتور سامح العيسوي، عضو الفريق الرئاسي للرئيس الشهيد محمد مرسي؟

بعد أن كان الهدف من هذه التصميمات "لَمَّعنِي شكرا"، و"دَلَّعني شكرا"، و"انبح لي شكرا"، شاء الله أن يكون "افضحني شكرا"، وكانت الفضيحة مدويِّة، شغلت الرأي العام المصري لأيام، وستظل سبة في جبين هذا النظام! ولكن المجرمين لا يتفكرون ولا يتعظون


ذكرت هذه الواقعة في كتابي "6 شهور في ماسبيرو" تحت عنوان "العيسوي يؤسس وحدة الرصد من جيبه الخاص"، وأنقلها هنا بتصرف يسير:

"توجد إدارة في ماسبيرو تُعنى برصد المحتوى الذي يبثه ماسبيرو، من خلال أذرعه "الأخطبوطية"، على مدار الساعة؛ لتدوين الأخطاء والملاحظات الفنية. وحسب الأصول، فإن نسخة من "تقرير الرصد" هذا تُرفع إلى وزير الإعلام كل صباح، فيبدي ملاحظاته أو توجيهاته التي يجب أن تنفَّذ فوراً. غير أن مؤسسة الرئاسة لم ترَ نتيجة مُرضية على هذا الصعيد، حتى نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2012، وربما كان هذا هو السبب الأساس في استحداث "ملف ماسبيرو" برئاسة الجمهورية، والذي تم إسناده إليّ في أول كانون الثاني/ يناير 2013.

بعيداً عن بيروقراطية وزارة الإعلام ولوائحها، وتعقيدات إجراءاتها البالية المُهدِرة للوقت والجهد، كان لا بد لنا من تكوين "فريق رصد" خاص بالرئاسة.

تشاورت مع زميلي الدكتور سامح العيسوي، مسؤول "ملف الإعلام الخاص"، بشأن فريق الرصد، بعد أن قمنا بجولة في المبنى متعدد الطوابق، ووجدنا عدداً كبيراً من الحواسيب التي كان يستعملها فريق جمال مبارك، في قاعة كبيرة تحتل الجهة المقابلة لجناح مبارك الابن، لكنها كانت بحاجة إلى "كروت" خاصة؛ كي تلتقط البثَّين الفضائي والإذاعي.

سأل زميلي الدكتورُ سامح العقيدَ "ش" قائد أرض الحرس الذي كان يرافقنا في الجولة: كم ثمن هذه الكروت؟ وكم يلزم من الوقت حتى تصبح هذه الحواسيب جاهزة للاستخدام في الرصد؟ فأجاب العقيد: "شهر ونصف إلى شهرين على الأكثر"! فبدت هذه المدة دهراً، في نظر شخص (مثلي) لم ينخرط من قبل في أي عمل حكومي، وانزعجنا كثيراً.

أخذ العقيد "ش" يشرح الإجراءات الواجب اتباعها، بدءاً من تحرير طلب الشراء، وانتهاءً بالتركيب، مروراً بالإجراءات الأمنية والبيروقراطية اللازمة، فسأله زميلي مجدداً: كم تستغرق هذه العملية إذا كانت النقود اللازمة لشراء الكروت بين يديك الآن؟ فأجابه العقيد: "أسبوع على الأكثر". فتح زميلي الدكتور سامح العيسوي (شفاه الله) حقيبته، فأخرج منها رزمة مالية كبيرة، وأعطى العقيد "ش" المبلغ الذي طلبه، نحو عشرة آلاف جنيه أو يزيد، وبعد أسبوع، كانت الحواسيب جاهزة لالتقاط البثَّين الفضائي والإذاعي. 

وبذلك وفرنا على أنفسنا شهرين من الانتظار.. ولم يسترد الدكتور العيسوي هذا المبلغ بطبيعة الحال؛ لأنه لم يُنفق حسب (لا مؤاخذة) الأصول!

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق