الخميس، 14 يوليو 2022

حرب الولايات المتحدة في أوكرانيا | (6) إعادة بناء حلف الناتو

 حرب الولايات المتحدة في أوكرانيا | (6) إعادة بناء حلف الناتو


       محمود عبد الهادي 

المرة الأولى التي ورد فيها اسم الصين في مناقشات قمة الناتو وبيانها الختامي كانت في قمة بروكسل في يونيو/حزيران من العام الماضي بالتزامن مع استلام الرئيس الأميركي جو بايدن السلطة مطلع 2021 وبالتزامن مع صدور تقرير وزارة الدفاع الأميركية حول تطور القوة الصينية وتحول الصين إلى المهدد الأكبر للولايات المتحدة والنظام العالمي، وهو ما يشير بكل وضوح إلى التحول الكبير في سياسة الولايات المتحدة الخارجية مع مجيء الرئيس بايدن والديمقراطيين إلى السلطة.

وحيث إن حلف الناتو يمثل حجر الزاوية في أي مواجهة عسكرية محتملة مع الصين وروسيا فقد وضع بايدن على رأس أولوياته الخارجية إعادة بناء الناتو بالتركيز على مجالين رئيسيين: إعادة بناء الثقة وإعادة بناء القوة والقدرة، الثقة التي اهتزت كثيرا بسبب إدارة سلفه الرئيس دونالد ترامب، والقوة التي أصبحت دون مستوى المواجهة والقدرة على الردع.

تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تحالفات وشراكات فعالة تخدم الشعب الأميركي، والعمل مع الحلفاء والشركاء لبناء نظام متجذر في القيم المشتركة، وتؤكد على التزامها بإعادة بناء التحالفات والشراكات بشكل أفضل حتى لا تكون هناك تحديات لا يمكن التغلب عليها

خريطة إعادة البناء

في كلمته الطويلة أمام الناتو في مارس/آذار الماضي بمقره في العاصمة البلجيكية بروكسل قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بشكل واضح إن العالم لم يعد كما كان عليه سابقا عندما تأسس الحلف ولا حتى في السنوات الأربع الماضية، حيث تضاعفت التهديدات واشتدت المنافسة وتغيرت ديناميات القوة واهتزت الثقة في تحالفات الولايات المتحدة، وإن التهديدات الجديدة تتفوق على الجهود المبذولة لبناء القدرات التي تحتاجها الولايات المتحدة والناتو للدفاع ضدها.

لم تكن كلمة وزير الخارجية الأميركي أمام الناتو مجرد كلمة بروتوكولية تقتضيها سياقات الزيارة وتطورات الأحداث في أوكرانيا، وإنما كانت بمثابة خريطة الطريق التي تحدد بوضوح التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة وحلف الناتو، وكيفية التغلب على هذه التحديات، وما ستقدمه الولايات المتحدة لحلفائها في هذه المواجهة.

وحتى نفهم أكثر حقيقة ما يدور حولنا في المنطقة والعالم نتوقف في ما يلي عند أهم العلامات البارزة في هذه الخريطة:

أولا: التهديدات المشتركة التي تواجهها الولايات المتحدة والناتو

  • التهديدات العسكرية من دول أخرى تسعى لتقويض قواعد النظام العالمي، وعلى رأسها الصين وروسيا ثم إيران وكوريا الشمالية.
  • التهديدات غير العسكرية من العديد من هذه البلدان نفسها، كالتكتيكات التكنولوجية والاقتصادية والمعلوماتية وحملات التضليل.
  • الأزمات العالمية مثل تغير المناخ وكوفيد-19.
  • الإرهاب العالمي، فرغم التقليل كثيرا من خطره فإنه لا يزال مهما.

ثانيا: كيفية مواجهة هذه التهديدات

الالتزام مجددا بالتحالفات والقيم المشتركة التي تدعمه:

أكد الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة ملتزمة تماما بحلف الناتو، بما في ذلك المادة الخامسة التي تلزم الأعضاء بالدفاع عن أي دولة تتعرض لعدوان خارجي، هذه التحالفات تدافع عن القيم المشتركة، وهي: نظام ديمقراطي حر ومنفتح قائم على القواعد ويحافظ على حقوق الإنسان وحرية الصحافة ومكافحة الفساد وسيادة القانون.

تحديث التحالفات:

يحتاج ذلك إلى تعزيز القوة العسكرية وجاهزيتها، وضمان القدرة على الردع العسكري القوي والموثوق، النووي والاقتصادي والتكنولوجي والمعلوماتي، وهذا يستوجب العمل المشترك معا لتحقيق التكامل الاقتصادي، وتطوير الابتكارات، وضمان جاهزية سلاسل الإمداد، ووضع القواعد والمعايير التي ستحكم التقنيات الناشئة، وفرض تكاليف على من يخالف هذه القواعد، وتوسيع القدرة على مواجهة التهديدات العابرة للحدود، كتغير المناخ والأوبئة.

توسيع التحالفات والشراكات:

فكلما اتحدت البلدان ذات القوة والقدرات التكميلية لتحقيق الأهداف المشتركة كان ذلك أفضل، وهي الفكرة من وراء مجموعة بلدان الرباعية (أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة)، والتي استضاف الرئيس بايدن مؤخرا القمة الرباعية الأولى لها على مستوى القادة، لتعزيز الرؤية لمنطقة المحيطين الهندي والهادي بأن تظل حرة ومنفتحة وشاملة وصحية وغير مقيدة بالإكراه، وترتكز على القيم الديمقراطية، بالإضافة إلى التعاون لضمان الأمن في بحر جنوب الصين وشرقيها، وتوسيع إنتاج لقاحات آمنة وفعالة وبأسعار معقولة مع الوصول العادل إلى جميع أنحاء العالم.

ومثال على التعاون في هذه التحالفات العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة للتو بالاتحاد مع كندا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على الأفراد المتورطين في الفظائع المرتكبة ضد الإيغور في إقليم شينجيانغ، هذا المثال يؤكد أهمية الوقوف معا وبحزم، والتمسك بالشركاء الأوروبيين من خارج الناتو الذين يقفون مع الحلف بحزم على الخطوط الأمامية للحلف.

كما تتسع التحالفات إلى ما وراء الحكومات الوطنية إلى القطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والمدن والجامعات لحماية المشاعات العالمية، من الموارد التي يحق لجميع الناس مشاركتها والاستفادة منها، والتي يتعدى عليها أعداء الولايات المتحدة والناتو الآن، ومن ذلك على سبيل المثال تكنولوجيا "5 جي" (5G)، إذ تجلب التكنولوجيا الصينية مخاطر مراقبة خطيرة، وبالتالي يجب العمل على جمع شركات التكنولوجيا من دول مثل السويد وفنلندا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، واستخدام الاستثمار العام والخاص لتعزيز بديل آمن وجدير بالثقة.

ثالثا: وعود الولايات المتحدة لحلفائها وشركائها

تعزيزا للثقة التي اهتزت -إلى حد ما- في السنوات القليلة الماضية (فترة ولاية الرئيس ترامب) فإن الولايات المتحدة ستقدم لحلفائها وشركائها بعد أن يتحملوا نصيبهم العادل من العبء ما يأتي:

المشاركة العادلة في اتخاذ القرارات، العمل على تطوير قدرة الحلفاء، فالحلفاء الأقوى يصنعون تحالفات أقوى، التأكد من أن التطوير الذي تقوم به الولايات المتحدة لقدراتها إنما هي متوافقة مع الحلفاء وتساهم في تعزيز أمنهم، على أن يقوم الحلفاء بالشيء نفسه في المقابل.

لن تجبر الولايات المتحدة حلفاءها على الاختيار بينها وبين الصين، فالولايات المتحدة تعلم أن حلفاءها لديهم علاقات مع الصين يصعب قطعها تماما على الرغم من أن سلوك الصين القسري يهدد الأمن الجماعي والازدهار، ويعمل على تقويض قواعد النظام الدولي والقيم المشتركة للولايات المتحدة وحلفائها.

إن الدفاع عن النظام الحر والمفتوح يجعل الولايات المتحدة وحلفاءها على ثقة بقدرتهم على منافسة الصين أو غيرها، وستعزز الولايات المتحدة إنفاقها على التطوير العسكري والاستثمارات العسكرية مقابل التزام الحلفاء في الناتو بإنفاق 2% من إجمالي الناتج المحلي على نفقات الدفاع بحلول عام 2024.

التنفيذ الكامل لهذه الالتزامات أمر بالغ الأهمية، وستكون الولايات المتحدة حكيمة بشأن استخدامها القوة -ولا سيما القوة العسكرية- كوسيلة لمعالجة النزاعات في الخارج، التأكيد على ثبات سياسة الولايات المتحدة تجاه حلفائها وشركائها وأنه ثبات مستمر لن يتعرض مرة أخرى لمثل ما تعرض له في فترة الرئيس ترامب، ويؤكد أعضاء الكونغرس من الجمهوريين والديمقراطيين على أن التزامات الولايات المتحدة حازمة في هذا الشأن ولن تتخلى عن تشكيل العالم ليكون أكثر عالم أمانا وسلاما وعدلا وأعظم صحة وأقوى ديمقراطيا وأكثر فرصا لمزيد من الناس.

وفي الختام لخص وزير الخارجية الأميركي رؤية الولايات المتحدة في المرحلة القادمة:

  • تأسيس رؤية إيجابية يمكن أن تجمع الناس معا في قضية مشتركة، وهو الأمر الذي لا يستطيع أعداؤنا تقديمه.
  • الحفاظ على تحالفات فعالة لبناء سياسة خارجية تخدم الشعب الأميركي.
  • على الولايات المتحدة وحلفائها العمل معا لبناء نظام متجذر في القيم المشتركة.
  • من الأهمية بمكان دخول الولايات المتحدة في المواجهة بوجود شركاء يشاركونها قيمها.
  • ملتزمون بإعادة بناء تحالفاتنا وشراكاتنا بشكل أفضل حتى لا تكون هناك تحديات لا يمكن التغلب عليها.

وبالإضافة إلى دور خريطة الطريق التي عرضها الوزير بلينكن في إعادة بناء الثقة مع دول الناتو والتأكيد على أهمية إعادة بناء الناتو ليكون قادرا على مواجهة التحديات الراهنة فإنها حددت ملامح الخطة والسياسات التي ستتحرك بها إدارة بايدن في العالم لتوسيع دائرة التحالفات والشراكات على أكبر نطاق ممكن استعدادا للمواجهة الشاملة ضد الصين وروسيا.

وقد حددت قرارات قمة الناتو التي عقدت في مدريد نهاية يونيو/حزيران الماضي تفاصيل عملية إعادة بناء الناتو ومجالات تعزيز قوته العسكرية وقدرته على الردع الحاسم والموثوق.

(يتبع)



حرب الولايات المتحدة في أوكرانيا (1) التحضير للمعركة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق