الخميس، 9 أبريل 2026

أي دور لتركيا في أيام الهدنة؟

أي دور لتركيا في أيام الهدنة؟

أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

تبدأ الحروب في الجبهات، لكن آثارها الحقيقية تظهر خارجها. فبينما يقتل الرصاص البشر، يؤدي انقطاع سلاسل التوريد إلى انهيار المجتمعات. والأزمة التي شهدها مضيق هرمز مؤخرا كانت تشير تماما إلى هذا النوع من الإشكالات.

لم تكن هذه الأزمة منذ البداية مجرد توتر عسكري بين إيران ومحور الولايات المتحدة وإسرائيل، بل كانت هزة متعددة الأبعاد تهدد تدفق الطاقة العالمي وطرق التجارة، والأهم من ذلك كله الأمن الغذائي.

أما الآن فهناك وضع جديد على الأرض، وهو وقف إطلاق النار.
وغالبا ما تُفهم اتفاقيات وقف إطلاق النار بشكل خاطئ، فإما أن تعتبر إعلانا للنصر، أو يُنظر إليها كفترة تهدئة مؤقتة.

لكن وقف إطلاق النار في كثير من الأحيان ليس إعلانا للسلام وليس مجرد انقطاع بسيط للحرب. بل يعتبر بمثابة مرحلة فاصلة تنبثق فيها احتمالات جديدة للفراغ الذي خلفته الحرب. وهنا تبدأ التساؤلات الحقيقية: كيف سيتم ملء هذا الفراغ؟

إن السؤال الذي يجب طرحه اليوم لم يعد "من سيفوز؟"، فهذا السؤال غالبا ما يكون مضللا. فالسؤال الحقيقي هو: ماذا خسر العالم بسبب هذه الحرب، وهل يمكن تحويل الهدنة إلى فرصة لتعويض هذه الخسارة؟ لأن الثمن الباهظ للحروب غالبا ما تدفعه الأطراف غير المشاركة فيها وليس أطراف النزاع.

فالناس في أفريقيا وآسيا وحتى في أمريكا اللاتينية ليسوا طرفا في هذه الحرب، لكنهم هم المعنيون بشكل مباشر بارتفاع أسعار الخبز، وصعوبة الوصول إلى الأسمدة، وانقطاع سلاسل التوريد. فالحرب لا تدخل حياتهم كرصاصة بل تدخلها كمجاعة.

وفي هذا السياق تحديدا، تظهر فرصة جديدة أمام تركيا.

لقد قدمت تركيا نموذجا يتجاوز الدبلوماسية التقليدية من خلال ممر الحبوب الذي أنشأته في البحر الأسود خلال الحرب الروسية الأوكرانية. كانت قوة ذلك النموذج تكمن في القدرة على بناء آلية يمكنها العمل حتى في خضم الحرب.


لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق سياسي، لكنهم وافقوا على وضع آلية تقنية. وكانت تركيا هي الضامن والمشغل لهذه الآلية، ولم يكن الهدف إنهاء الحرب بل الحد من أحد أكثر نتائجها تدميرا.

أما الآن فالوضع في مضيق هرمز مختلف، فنحن هذه المرة لسنا في خضم الحرب، بل في مساحة أتاحها وقف إطلاق النار.

ولا ينبغي الاستهانة بهذا الاختلاف؛ لأن الآلية التي تُبنى في خضم الحرب تختلف عن النظام الذي يُؤسس في أجواء وقف إطلاق النار.

يوفر وقف إطلاق النار أرضية تجعل الأطراف أكثر انفتاحا- على الأقل مؤقتا- على فكرة "النظام المنضبط". وهذا يجعل من الممكن التفكير في نسخة أكثر تطورا من "نموذج البحر الأسود" لتطبيقها في هرمز.

لكن لا بد هنا من تغيير جوهري في العقلية، فلا تكفي قراءة قضية هرمز من منظور أمن الطاقة فحسب. فبينما يعد تدفق النفط والغاز الطبيعي المسال أمرا حيويا، فالهشاشة الحقيقية اليوم تكمن في سلاسل الغذاء والزراعة؛ لأن صعوبة الوصول إلى الأسمدة تؤثر بشكل مباشر على الإنتاج، وانخفاضه قد يتحول خلال بضعة أشهر إلى أزمة غذاء عالمية.

ولهذا السبب فإن النموذج الذي سيُقترح لمضيق هرمز لا ينبغي أن يكون مجرد "ممر للطاقة" فحسب، بل يجب أن يكون أيضا "ممرا للأمن الغذائي والزراعي". إن إنشاء خط يضمن النقل الآمن للأسمدة والحبوب والمدخلات الزراعية، خاصة للدول الفقيرة، قد يكون النتيجة الأوضح والأكثر أهمية لوقف إطلاق النار هذا.

بالطبع، هرمز ليس البحر الأسود، فعند إنشاء ممر الحبوب في البحر الأسود كان هناك طرفان رئيسيان، أما في هرمز فالمعادلة أكثر تعقيدا؛ لأنها تضم إيران، والولايات المتحدة، ودول الخليج، والأسواق العالمية.

وهذا الهيكل أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ. ولكن لهذا السبب تحديدا فإن الآلية التي سيتم إنشاؤها هنا هي أكثر قيمة، لأن أي انقطاع في حركة المرور في مضيق هرمز لا يهز الأسعار فحسب، بل يهز النظام العالمي بأكمله.

إن الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في هذا المشهد ليس وساطة بالمعنى التقليدي. بل يمكن لتركيا أن تكون فاعلا "مؤسسا" وليس مجرد فاعل "متحدث" في مبادرة كهذه، وقد أثبتت تجربة البحر الأسود ذلك. فتركيا واحدة من الدول القليلة التي لا تكتفي بجمع الأطراف معا، بل تمتلك القدرة على بناء نظام فعال.

ويستند هذا الدور إلى ثلاث ركائز أساسية تتمتع بها تركيا:

  • أولا: شبكة علاقاتها متعددة الأطراف، فوجودها ضمن حلف الغرب مع حفاظها على قنوات حوار مفتوحة مع إيران ودول المنطقة يجعلها فريدة من نوعها.
  • ثانيا: قدرتها المثبتة مسبقا على الوساطة.
  • ثالثا: خبرتها الجيوسياسية واللوجيستية، فتركيا تمتلك القدرة، ليس فقط سياسيا ولكن تقنيا أيضا، على قيادة مثل هذه المبادرة.

كيف يمكن أن يُؤسس هذا النموذج؟

يجب أولا إبقاء الهدف بسيطا، فأكبر خطأ في مثل هذه المبادرات هو وضع أهداف قصوى؛ لأن الغرض هنا ليس إعلان السلام بل ضمان التشغيل الفعال. فلا بد أن يُحدد هدف محدود لكنه حيوي مثل ضمان تدفق الغذاء والطاقة، وإنشاء خطوط آمنة خاصة للمنتجات الغذائية والزراعية.

بالطبع لا تزال المخاطر قائمة، فمخاوف إيران الأمنية مستمرة، وأهداف الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية لم تتغير، ودول الخليج لا تزال في وضع هش.

لكن مع وقف إطلاق النار ظهر واقع جديد: لا يريد أي طرف تحمل تكلفة خرق هذه الهدنة بمفرده، الأمر الذي يفسح المجال لأطراف ثالثة فاعلة مثل تركيا.

وأمام تركيا الآن ثلاثة خيارات كما جرت العادة: الانتظار أو الانحياز لجانب أو إطلاق مبادرة. الخياران الأول والثاني سهلان، أما الثالث فخيار صعب لكنه ذو معنى. كما أن الخيار الثالث هذه المرة ليس مجرد مقترح مثالي، بل هو فرصة ملموسة.

إذا كانت تركيا ستتولى هذا الدور، فيجب عليها التحرك بسرعة وتوضيح الإطار التقني والأهم من ذلك الحفاظ على موثوقيتها، لأن نجاح مثل هذه المبادرات لا ينبع من القوة العسكرية، بل من القدرة على إنتاج الثقة.

لقد وصل العالم اليوم إلى أقصى حدود الدبلوماسية التقليدية، فالحروب لا تنتهي، لكنها تدار. وقد كانت مبادرة الحبوب بالبحر الأسود المثال الأول لهذا العهد الجديد. أما إنشاء ممر للغذاء والأمن في هرمز فقد يمثل مرحلة متقدمة من هذا النموذج.

لكن ربما المسألة الأساسية هي هل ستتمكن تركيا من رؤية هذه الفرصة؟ لأنه أحيانا لا يكتب التاريخ المنتصرون في الحروب، بل من يحولون الهدنة إلى فرصة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق