نقطة نظام
المُجَاملةُ شيءٌ، والنِّفاقُ شيءٌ آخر!
في بيت النبي
أدهم شرقاوي
الأخلاقُ ليست امتحانًا مع الأحبّةِ فقط، ولا تظهرُ المروءةُ حين تكونُ النُّفوسُ متآلفةً سهلةً، إنّما يُعرَفُ جوهرُ الإنسانِ حين يلقى من لا يودُّه، ويُخالطُ من لا يستريحُ إليه، فتكونُ القيمُ أقوى من الانفعالِ، والحكمةُ أسبقَ من الرغبةِ في الرَّدِّ.
وفي مدرسةِ النبوّةِ لم تكنِ الأخلاقُ ردَّ فعلٍ، بل اختيارًا واعيًا يُدارُ به الموقفُ، وتُصانُ به الجماعةُ، ويُغلَقُ به بابُ الشَّرِّ دونَ أن يُفتَحَ بابُ الإساءةِ!
كان النَّبيُّ ﷺ يومًا جالسًا في بيتِ عائشةَ رضي الله عنها، فاستأذنَ رجلٌ في الدُّخولِ عليه، فقالَ: ائْذَنوا له، بئسَ أخو العشيرةِ!
فلمّا دخلَ عليه ابتسمَ في وجهِه، وألانَ له الكلامَ، فلمّا غادرَ الرَّجلُ قالتْ له عائشةُ: يا رسولَ اللهِ، حين استأذنَ عليك قلتَ الذي قلتَ، ثمّ تبسَّمتَ له وانبسطتَ إليه!
فقالَ لها: يا عائشةُ، متى عهدتِني فحّاشًا؟ إنَّ شرَّ النّاسِ عندَ اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ مَن تركَه النّاسُ اتِّقاءَ شرِّه!
خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 6131
كلُّ كلامِه حكمةٌ، وكلُّ موقفٍ له درسٌ، وكلُّ لحظةٍ من لحظاتِ عمرِه يجبُ أن تُدوَّنَ بحبرٍ من ذهبٍ على صحائفَ من فضّةٍ؛ هو الرَّجلُ الذي لا يوجدُ منه في تاريخِ البشريّةِ إلّا نسخةٌ واحدةٌ، وهذه حكمةٌ أُخرى، ودرسٌ آخرُ، ولحظةٌ يجبُ أن تُدوَّنَ!
هذا درسٌ بليغٌ في المُداراةِ، ويخلطُ السَّاذجونَ بين المُداراةِ والنِّفاقِ، وهذا خلطٌ مذمومٌ، وفهمٌ عقيمٌ لأدبيّاتِ التَّعاملِ مع النّاسِ.
هناك تصرّفاتٌ متشابهةٌ قد تبدو للوهلةِ الأولى متطابقةً، ولكن إذا ما تأمّلناها بعينِ ألفَراسة بدا لنا البونُ شاسعًا، وأنَّ بينهما شَعرةً رقيقةً؛ يا لحظِّ من أدركَها فقد فهمَ الحياةَ.
إنَّ مَن يخلطُ بين المُداراةِ والنِّفاقِ كمن يخلطُ بين البخيلِ والاقتصاديِّ، وبين الجبانِ والحَذِرِ، وبين المتهوّرِ والشُّجاعِ، وبين الوقحِ والجريءِ، وبين المُبذِّرِ والكريمِ.
قد يمنعُك ظرفٌ ما أن تقولَ للظّالمِ إنَّه ظالمٌ، وهذه مُداراةٌ، ولكنَّ النِّفاقَ أن تُصفِّقَ لظُلمه!
عدمُ قولِ الحقِّ لا يعني الرِّضا بالباطلِ، والرِّضا بالباطلِ هو التَّصفيقُ له، والشَّدُّ على يدِ أهلِه، على أنَّ الأصلَ هو قولُ الحقِّ، ولكنَّ اللهَ أعلمُ بظروفِ العبادِ.
والأهمُّ من هذا كلِّه:
احذرْ أن تكونَ أنتَ بئسَ أخو العشيرةِ!
أن يُداريَك أبواكَ وينتقيا كلامَهما معك خوفًا من سلاطةِ لسانِك، وسوءِ طبعِك، وقلّةِ أدبِك!
وأن تُداريَك زوجتُك لطولِ يدِك!
وأن يُداريَك أولادُك لسوءِ خُلُقِك!
وأن يُداريَك جارُك لأنَّه يعرفُ أنّك كالعبوةِ الموقوتةِ لا أحدَ يدري متى تنفجرُ في وجهِه!
وأن يُداريَك زملاؤك في العملِ لأنّك مؤذٍ وشريرٌ لا يُؤتمنُ جانبُك!
وأن يُداريَك جلساؤك خوفًا من كلمةٍ قد تصدرُ منهم عن أحدٍ، فتحملُها إليه؛ لأنّهم عهدوا فيك أنّك تمشي بالنّميمةِ بين النّاسِ!
عندما يتحدّثُ معك أبواكَ بأريحيّةٍ، وتُجادلُك زوجتُك بأمانٍ، ويُناقشُك أولادُك بسلامٍ، ويتعاملُ معك جارُك بتلقائيّةٍ، ويتصرّفُ معك زملاؤك ببساطةٍ، فأنتَ إنسانٌ عظيمٌ؛ وما كان هذا منهم إلّا لأنّهم علموا حُسنَ أخلاقِك!
المُهابُ أحياناً سيِّئ الخُلق!
هنا تتجلّى المُداراةُ خُلُقًا راقيًا لا ضعفًا، وحكمةً تُغلِقُ أبوابَ الشَّرِّ دون أن تفتحَ أبوابَ النِّفاقِ. فليس كلُّ صمتٍ تخلّيًا، ولا كلُّ لينٍ تنازلًا، بل قد يكون الرِّفقُ أصدقَ وسائل الإصلاحِ، وأحكمَ طرق التعايشِ.
ومن فهمَ المُداراةَ على هَدْي النبوّةِ، عرفَ متى يُلينُ القولَ ليحفظَ السِّلمَ، ومتى يقولُ الحقَّ ليقيمَ العدلَ، وبذلك يجتمعُ الخُلُقُ والحكمةُ في ميزانٍ واحدٍ، وتبقى القلوبُ آمنةً دون أن تُدنَّسَ القيمُ!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق