الاثنين، 28 سبتمبر 2026

نتنياهو يقاضي أردوغان.. وقاحة أبعد من تكتيك انتخابي

 نتنياهو يقاضي أردوغان.. وقاحة أبعد من تكتيك انتخابي

د.سعيد الحاج
"الأمر لا يرتبط بنتنياهو وحده، وإنما يتعلق بالرؤية الأمنية الجديدة لدولة الاحتلال"-

قالت وسائل إعلام "إسرائيلية" إن رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو وجّه فريقاً مشتركاً بين عدة وزارات إضافة لمدير قسم القانون الدولي في وزارة العدل؛ "بإعداد ملف قانوني شامل" ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وذكر الخبر أن الملف القانوني سيركز بشكل أساسي على اتهامات لتركيا بخصوص سياساتها تجاه الأكراد، إضافة لـ"علاقاتها بحركة حماس ودعمها المالي" للحركة الفلسطينية.

وليس واضحاً بعد كيف وأين ستستخدم حكومة الاحتلال هذا الملف القانوني ضد أردوغان، لكن بعض التقارير ذكرت أنها ستدرس تفعيله ضد أردوغان في المحافل الدولية، وربما أمام محكمة الجنايات الدولية، مباشرة أو عبر طرف ثالث.

يأتي هذا التحرك من نتنياهو وحكومته بعد ساعات من خطابه من على منبر الأمم المتحدة والذي هاجم في أردوغان بشدة، واصفاً إياه بـ"الطاغية" الذي "يستضيف قادة حركة حماس الإرهابية"، إضافة "لاستهداف الأكراد وسجن المعارضة والصحافيين"، ومتهماً تركيا بأنها "أحدث دولة أصبحت بؤرة لنشر الأكاذيب المعادية للسامية".

العامل الانتخابي لا يكفي لوحده إطاراً تفسيرياً للهجوم، لا سيما حين يتعلق الأمر بملف قانوني يحتمل تفعيله أمام المحاكم الدولية، وليس مجرد صورة معلقة أو خطاب سياسي


وقد ردت أنقرة عبر دبلوماسي تركي برتبة سكرتير ثالث في وزارة الخارجية (في تعمّد واضح للتقليل من شأنه)، أكد على أن هجوم نتنياهو على تركيا وأردوغان يمثل "محاولات يائسة وفارغة تهدف للتغطية على حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة والعدوان المستمر في الضفة الغربية المحتلة ولبنان وسوريا ومناطق أخرى".

أول ما يتبادر للذهن من هذا الهجوم ثم الملف القانوني هو استخدام نتنياهو له في سياق حملته الانتخابية، حيث بنى جزءاً منها على أن من يرغبون بخسارته الانتخابات هم "أعداء إسرائيل"، من قبيل المرشد الأعلى الإيراني والرئيس التركي وعمدة نيويورك والأمين العام لحزب الله اللبناني، وهو ما كثّفته صورة كبيرة رفعت في تل أبيب. ويركز نتنياهو على الرئيس أردوغان بشكل أكبر، موجهاً له اتهامات من قبيل دعم الإرهاب (الممثل في حماس والفصائل الفلسطينية وفق ادعائه) والانتماء للإخوان المسلمين إضافة لمعاداة السامية وكره اليهود.

بيد أن العامل الانتخابي لا يكفي لوحده إطاراً تفسيرياً للهجوم، لا سيما حين يتعلق الأمر بملف قانوني يحتمل تفعيله أمام المحاكم الدولية، وليس مجرد صورة معلقة أو خطاب سياسي.

السبب الثاني الذي لا ينبغي إغفاله يتجاوز نتنياهو نحو دولة الاحتلال، التي تحتاج لتماسك جبهتها الداخلية إلى البحث الدائم عن عدو جديد، وهو ما أشار له وزير خارجية تركيا هاكان فيدان حين أكد على أن "إسرائيل ستبحث عن عدو بعد إيران" وأن هذا العدو سيكون سوريا ثم تركيا.

ثم هناك مبدأ "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، لا سيما إذا ما اقترن بالكذب والافتراء، وهو أسلوب "إسرائيلي" دائم ومتكرر ومقترن بمبدأ الإنكار. في هذا السياق يمكن فهم هجوم نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة على دول مثل فرنسا وبريطانيا بأنهما "من صكتا مصطلح الاستعمار" لنفي هذه التهمة عن "إسرائيل"، واتهام تركيا بارتكاب إبادة ضد الأرمن في معرض نفي ارتكاب حكومته الإبادة في غزة، وهكذا.

الأهم أن الأمر لا يرتبط بنتنياهو وحده، وإنما يتعلق بالرؤية الأمنية الجديدة لدولة الاحتلال بعد السابع من أكتوبر 2023 (حين تداعت النظرية السابقة)، والتي تهدف لوأد التهديدات قبل نشوئها، والتي ترى -حين تدمج مع بعض عناصر النظرية السابقة- أن كل دولة قوية ومستقرة في المنطقة هي بالضرورة منافس، وكل منافس هو بالضرورة خصم، وكل خصم هو تهديد ينبغي مواجهته مباشرة.

ومن هذا المنطلق انتقلت "إسرائيل" سريعاً من مربع التحريض والتهديد، إلى نسج التحالفات المحاصرة لتركيا، ثم إلى استهداف مصالح الأخيرة ووجودها في سوريا كما حصل في مطار أبو الظهور العسكري مؤخراً.

مشكلة تركيا والمنطقة وربما العالم ليست فقط في نتنياهو ومعه، بل في العقلية الدموية المتطرفة والعدوانية العابرة للأحزاب والتيارات السياسية في "إسرائيل"، والتي هي في نهاية المطاف انعكاس لحالة التطرف الجامح التي وصلها المجتمع "الإسرائيلي"


واللافت أن تركيا، وإن وضعت جزءاً من هذه التوجهات في إطار الدعاية الانتخابية لنتنياهو لمنع خسارته الانتخابات، ولذلك تضبط نبرة ردات فعلها عليه كي لا تخدم مساعيه، إلا أنها تأخذ هذه التهديدات والاستهدافات على محمل الجد كما أكد فيدان مؤخراً. بل إن الأخير لم يستبعد أن تلجأ "إسرائيل" لمهاجمة تركيا مباشرة في المستقبل، حين أكد -في معرض رده على سؤال حول هذا الأمر- على أن "من يقودونها مجانين".

وأخيراً، من المفيد التذكير بأن هذا الهجوم على تركيا وأردوغان، كما الإبادة والعدوان في المنطقة، ليس حكراً على نتنياهو ولا حتى على ائتلافه الحكومي فقط، بل تشاطره أركان المعارضة الرأي والموقف. فنفتالي بينيت، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبرز رموز المعارضة اليوم، هو الذي كتب مقالاً حرض فيه على تركيا من باب أنها "أخطر على إسرائيل من إيران"، وأن مواجهتها أصعب من إيران بسبب قوتها وعلاقاتها الغربية وعضويتها في حلف الناتو، وهو ما يتناغم إلى حد كبير مع حديث نتنياهو عن مواجهة "المحور السني الناشئ مع المحور الشيعي المتداعي".

هذه الوقاحة، التي يتحمل جزءاً من مسؤوليتها من أتاح لمجرم الحرب نتنياهو منبراً يخاطب به العالم من الأمم المتحدة، والذي قاطعه معظم العالم للمفارقة، إنما هي تعبير عن حالة الغطرسة والإنكار التي تعيشها دولة الاحتلال بعد سنوات من الإبادة والعدوان على عدة دول عربية وتهديد غيرها من دول المنطقة بلا حسيب أو رقيب.

إن مشكلة تركيا والمنطقة وربما العالم ليست فقط في نتنياهو ومعه، بل في العقلية الدموية المتطرفة والعدوانية العابرة للأحزاب والتيارات السياسية في "إسرائيل"، والتي هي في نهاية المطاف انعكاس لحالة التطرف الجامح التي وصلها المجتمع "الإسرائيلي" اليوم ومرشّح لأن يستمر مستقبلاً لأمد غير قصير.

x.com/saidelhaj


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق