ماذا فعل «أينشتيلونغ» بخبراء الشطرنج؟
حمد حسن التميمي
قد يقول خبير الشطرنج «كش ملك»، ويكون مع ذلك قد خسر شيئاً لا يظهر في النتيجة: الحل الأفضل. لم يهزمه خصمه، ولم تنقصه المعرفة؛ هزمته إجابة صحيحة وصلت أولاً، فأقنعته بأن البحث انتهى. وربما يكون الشخص الأقل خبرة أقرب إلى الحل، لا لأنه يعرف أكثر، بل لأنه لم يتعلم بعد أين يجب أن ينظر.
في عام 2008، نشر الباحثون ميريم بيلاليتش وبيتر ماكلاود وفرناند غوبيه دراسة في مجلة «Cognition»، عرضوا فيها مسائل على لاعبي شطرنج خبراء. كان أمام اللاعبين حل مألوف ينتهي بكش ملك في خمس نقلات، وحل آخر أقل ألفة ينهي المسألة في ثلاث. طُلب منهم العثور على أقصر طريق، لكن عدداً منهم أمسك بالحل المألوف وفاته الحل الأقصر. وعندما عُدل الوضع بحيث أصبح الحل المألوف غير ممكن، عثروا على حل النقلات الثلاث الذي لم يروه من قبل.
لم تكن القدرة تنقصهم؛ الذي حجب الحل عنهم كان حلاً آخر يعرفونه جيداً. وهذا ما يُسمى بتأثير التهيؤ الذهني أو Einstellung Effect حين تستدعي ملامح المشكلة جواباً مألوفاً، فيستولي على انتباهك ويضيق مساحة البدائل. وكلما ازدادت خبرتك في هذا الجواب، بدا لك أكثر بداهة، حتى يصبح ما تعرفه حاجزاً بينك وبين ما تستطيع معرفته.
لكن التفصيلة الأشد إزعاجاً ظهرت في حركة العيون. فاللاعبون قالوا إنهم واصلوا البحث عن حل أفضل، بينما أظهرت أجهزة التتبع أن أنظارهم ظلت تعود إلى المربعات المرتبطة بالحل الأول. كانوا صادقين حين قالوا إنهم يبحثون، لكنهم كانوا يبحثون داخل حدود الإجابة التي سبقتهم. تحركت عيونهم، ولم تتحرك فكرتهم.
وهذا لا يحدث على رقعة الشطرنج وحدها. يحدث مثلاً حين يقول مسؤول: جربنا هذه الفكرة من قبل، من دون أن يسأل ما الذي تغير منذ المحاولة الأولى. ويحدث حين يرسم أب لابنه الطريق الذي نجح معه، ثم يظن أن اختلاف الابن عنه نوع من العناد. ويحدث حين نُسأل عن رأي فنستدعي موقفاً قديماً، لا لأن الواقع ما زال يؤيده، بل لأننا اعتدنا أن نرى أنفسنا من خلاله.
الخبرة هنا لا تكذب علينا، بل تعطينا حقيقة ناقصة بثقة كاملة. تقول لنا إن هذا الحل نجح سابقاً، ثم تتركنا نستنتج أنه الأفضل الآن. ومن الصعب اكتشاف هذا الفخ؛ لأن صاحبه لا يشعر بأنه يرفض البدائل، بل يعتقد أنه فحصها. وقد يكون اعتراضه عليها مجرد دوران طويل حول الفكرة الأولى.
ولا تعني الدراسة أن الجهل أكثر حكمة، أو أن الخبرة عبء يجب التخلص منه؛ فالخبير يرى أنماطاً لا يراها المبتدئ، ويختصر سنوات من المحاولة. لكن قيمة الخبرة لا تظهر في سرعة استدعاء الجواب فقط، بل في القدرة على تعطيله مؤقتاً عندما يتغير السؤال. فالخبير الحقيقي لا يكتفي بأن يسأل: ما الحل الذي أعرفه؟ بل يسأل أيضاً: ما الذي يمنعني هذا الحل من رؤيته؟
في تجربة الشطرنج، لم يمنع «أينشتيلونغ» الخبراء من الوصول إلى حل، بل فعل ما هو أخطر: أقنعهم بأن الحل الذي وصلوا إليه هو نهاية البحث. كانت ثلاث نقلات أمام أعينهم، لكن خمساً مألوفة حجبتها. وربما يفعل بنا الشيء نفسه كل يوم؛ لا يسلبنا الإجابة، بل يمنحنا إجابة مبكرة تكفي لإغلاق أعيننا عن الأفضل. فكم مرة قلنا «كش ملك»، بينما كانت خبرتنا هي التي حاصرتنا؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق