معارك السلفيين والأشاعرة في سوريا.. ماذا يخسر الفريقان؟
محمد خير موسى
"تظل المساجد قادرة على استقبال من يدخلها يبحث عن الله تعالى وعن معنى الإيمان في حياته"
إمامٌ في مسجد من مساجد دمشق كان يتحدث عن فتيةٍ أقبلوا إلى المسجد بعد سقوط النظام البائد تعلو وجوههم فرحة العائد بعد تيه طويل؛ شبانٌ حملوا معهم أعماراً مبعثرة وأسئلة عن الله تعالى وعن أنفسهم وعن بلدٍ خرج لتوّه من ليل ثقيل، وقد دفعتهم إسلاميّة المُحرّرين إلى أن يطرقوا الباب الذي طال ابتعادهم عنه؛
غير أنّ الوجوه أخذت تتناقص والمقاعد تفرغ، فسأل الإمام عن الغائبين فقال له أحدهم:
دخلنا نبحث عن الإسلام فوجدنا أنفسنا في مباراة كرة قدم بين فريق سلفي وفريق أشعري ولكل فريق جمهوره، ولكل جمهور قائمته الطويلة بمن ينبغي أن يُحب وبمن ينبغي أن يُحذر منه، وعلى الداخل الجديد أن يختار مدرجه سريعاً قبل أن يعرف الملعب أصلاً!
لقد دخل هؤلاء وهم يريدون أن يصلحوا ما أفسدته السنوات في أرواحهم فاكتشفوا أن أول درس ينتظرهم هو مع من ينبغي أن يختلفوا، لتبدأ خسارة أعمق من أن يتخيلها الغارقون في معركتهم؛ لأنّ الشابّ الذي جاء إلى المسجد وفي قلبه سؤال عن الله تعالى قد يخرج منه وقد صار سؤاله عن أهل الله أنفسهم.
للقبيلة الفكرية راياتُها أيضاً
الدراسات العقدية من أجلِّ علوم الإسلام وفي تاريخها جهد هائل في تحرير مسائل الإيمان وحراسة التصور الإسلامي ورد الشبهات والتمييز بين المقالات، ولا يستقيم عقل طالب العلم بالاستخفاف بها أو وصفها بأنها فضول وقشور؛ فلها رجالها ومتونها ومجالسها ومناهجها في البحث والمناظرة ويحتاجها كل عصر بمقدار ما يجدّ فيه من أسئلة وانحرافات، إلّا أنّ منزلة هذا العلم تختلّ إذا نُقل من مجال التحقيق بين أهله إلى تعبئة عامة تُلقى على الناشئة والشباب، فيدخل الشابّ المسجد طالباً معرفة دينه فيجد نفسه مدفوعاً بالخطاب التحشيديّ إلى اصطفاف لا يملك أدواته، فيتعلم مبكراً أسماء من يوافق ومن يخالف ولمّا تتكون لديه أصلاً القدرة التي يعرف بها وجه الصواب في أصل المسألة
وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الداء وصفاً يكاد يصيب مشهدنا باسمه، فقال في "مجموع الفتاوى 20/164":
لقد دخل هؤلاء وهم يريدون أن يصلحوا ما أفسدته السنوات في أرواحهم فاكتشفوا أن أول درس ينتظرهم هو مع من ينبغي أن يختلفوا، لتبدأ خسارة أعمق من أن يتخيلها الغارقون في معركتهم؛ لأنّ الشابّ الذي جاء إلى المسجد وفي قلبه سؤال عن الله تعالى قد يخرج منه وقد صار سؤاله عن أهل الله أنفسهم.
للقبيلة الفكرية راياتُها أيضاً
الدراسات العقدية من أجلِّ علوم الإسلام وفي تاريخها جهد هائل في تحرير مسائل الإيمان وحراسة التصور الإسلامي ورد الشبهات والتمييز بين المقالات، ولا يستقيم عقل طالب العلم بالاستخفاف بها أو وصفها بأنها فضول وقشور؛ فلها رجالها ومتونها ومجالسها ومناهجها في البحث والمناظرة ويحتاجها كل عصر بمقدار ما يجدّ فيه من أسئلة وانحرافات، إلّا أنّ منزلة هذا العلم تختلّ إذا نُقل من مجال التحقيق بين أهله إلى تعبئة عامة تُلقى على الناشئة والشباب، فيدخل الشابّ المسجد طالباً معرفة دينه فيجد نفسه مدفوعاً بالخطاب التحشيديّ إلى اصطفاف لا يملك أدواته، فيتعلم مبكراً أسماء من يوافق ومن يخالف ولمّا تتكون لديه أصلاً القدرة التي يعرف بها وجه الصواب في أصل المسألة
كل سؤال كبير يطرحه الجيل ثم نؤجله لصالح معركة أقل اتصالاً بحياته، وكل منبر يستهلك طاقته في التحشيد بين المدارس الفكريّة وكل شاب يدخل باحثاً عن معنى ثم يخرج محمّلاً بقائمة من الخصوم والأعداء فإنّه يترك وراءه مساحةً يستطيع مشروع آخر أن يدخل منها
وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الداء وصفاً يكاد يصيب مشهدنا باسمه، فقال في "مجموع الفتاوى 20/164":
"ولهذا تجدُ قوماً كثيرين يحبّون قوماً ويبغضون قوماً لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولةً نقلاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها ولا يعرفون لازمها ومقتضاها، وسببُ هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة وجعلها مذاهب يدعى إليها ويوالي ويعادي عليها".
ثم قال: "وليس لأحدٍ أن ينصب للأمّة شخصاً يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النّبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرّقون به بين الأمة يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون".
وهذه كلمة تصدر من عالم عاش في قلب المنازعات العقدية وكتب وردّ وناظر وخالف، فعرف أن تحرير القول بالدليل شيء وتحويله إلى رايةٍ للاجتماع والافتراق شيء آخر، وأن ترجيح المذهب ثمرةُ نظر وأما جعل أسماء الرجال والمدارس حدوداً للحب والبغض والولاء، فذلك هو الموضع الذي ينتهي عنده العلم وتبدأ العصبية.
إنّ القبيلة الفكرية تتكوّن على مهل وتبلغ أخطر آثارها حين تدخل بين طالب الحق والحق نفسه؛ فيبدأ الشاب انتماءه باحثاً عن الدليل ثم يكتشف مع الأيام أنه صار يبحث عمّا يثبت سلامة الجماعة التي انتمى إليها، ويقرأ الكتب بعين تنتظر التأييد والتحشيد للجماعة والتيّار، فتراه يستثقل الحجة إذا جاءت من جهة يخالفها أو لا يحبها، ويفرح بالخطأ إذا وقع فيه مخالفوه، فيتحول السؤال الذي كان يجتهد لتحصيل المعرفة به وتمتين الانتماء إلى الحقّ إلى وسيلة لحراسة الهويّة الضيّقة للجماعة والتيّار الفكري، ويغدو الرجوع عن الرأي ثقيلاً لأنه لم يعد رجوعاً عن قول فحسب ولكنّه يغدو اقتراباً من خصمٍ وابتعاد عن أصحاب وإخوة تيار وجماعة؛ وعندئذ يضيق طريق الحقيقة أمامه، وذلك لأن القبيلة الفكريّة قد أعادت ترتيب وجدانه الصّانع لانتمائه وولائه أكثر من ترتيبها لأفكاره، فأصبح يحتاج إلى شجاعة أخلاقية نادرة كي يقول لأخيه في الجماعة:
وهذه كلمة تصدر من عالم عاش في قلب المنازعات العقدية وكتب وردّ وناظر وخالف، فعرف أن تحرير القول بالدليل شيء وتحويله إلى رايةٍ للاجتماع والافتراق شيء آخر، وأن ترجيح المذهب ثمرةُ نظر وأما جعل أسماء الرجال والمدارس حدوداً للحب والبغض والولاء، فذلك هو الموضع الذي ينتهي عنده العلم وتبدأ العصبية.
إنّ القبيلة الفكرية تتكوّن على مهل وتبلغ أخطر آثارها حين تدخل بين طالب الحق والحق نفسه؛ فيبدأ الشاب انتماءه باحثاً عن الدليل ثم يكتشف مع الأيام أنه صار يبحث عمّا يثبت سلامة الجماعة التي انتمى إليها، ويقرأ الكتب بعين تنتظر التأييد والتحشيد للجماعة والتيّار، فتراه يستثقل الحجة إذا جاءت من جهة يخالفها أو لا يحبها، ويفرح بالخطأ إذا وقع فيه مخالفوه، فيتحول السؤال الذي كان يجتهد لتحصيل المعرفة به وتمتين الانتماء إلى الحقّ إلى وسيلة لحراسة الهويّة الضيّقة للجماعة والتيّار الفكري، ويغدو الرجوع عن الرأي ثقيلاً لأنه لم يعد رجوعاً عن قول فحسب ولكنّه يغدو اقتراباً من خصمٍ وابتعاد عن أصحاب وإخوة تيار وجماعة؛ وعندئذ يضيق طريق الحقيقة أمامه، وذلك لأن القبيلة الفكريّة قد أعادت ترتيب وجدانه الصّانع لانتمائه وولائه أكثر من ترتيبها لأفكاره، فأصبح يحتاج إلى شجاعة أخلاقية نادرة كي يقول لأخيه في الجماعة:
أخطأت، ولمخالفه في الجماعة الأخرى: أصبت، وكي يرضى أن يخسر شيئاً من دفء الجماعة مقابل يحفظ لنفسه أمانة البحث عن الحقّ والانتماء إليه مجرّداً من كلّ انتماء دونه.
وقد وضع الإمام أبو حامد الغزالي للمناظرة ميزاناً أشد قسوة على النفس من كل ما نحسن إلقاءه على مخالِفينا، فقال في "إحياء علوم الدين 1/74":
وقد وضع الإمام أبو حامد الغزالي للمناظرة ميزاناً أشد قسوة على النفس من كل ما نحسن إلقاءه على مخالِفينا، فقال في "إحياء علوم الدين 1/74":
"أن يكون في طلب الحقّ كناشد ضالّة لا يفرّق بين أن تظهر الضالّة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحقّ؛ كما لو أخذ طريقاً في طلب ضالّته فنبّهه صاحبه على ضالّته في طريق آخر فإنّه كان يشكره ولا يذمّه ويكرمه ويفرح به. فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم".
ثم نبّه في الصفحة نفسها إلى أن حضور المجامع قد يحرك الرياء والحرص على أن ينصر كل واحد نفسه "محقاً كان أو مبطلاً"، فالاختبار الحقيقي للمناظر يقع في اللحظة التي يظهر فيها الحق على لسان الرجل الذي قضى زمناً يرد عليه؛ أيفرح للحق أم يسود وجهه لأن الجمهور رأى صاحبه مصيباً؟
ثم نبّه في الصفحة نفسها إلى أن حضور المجامع قد يحرك الرياء والحرص على أن ينصر كل واحد نفسه "محقاً كان أو مبطلاً"، فالاختبار الحقيقي للمناظر يقع في اللحظة التي يظهر فيها الحق على لسان الرجل الذي قضى زمناً يرد عليه؛ أيفرح للحق أم يسود وجهه لأن الجمهور رأى صاحبه مصيباً؟
فيقول: "فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحقّ على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذمّ من أفحمه طول عمره ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق".
ومأساة التعبئة العقدية والتحشيد بين الجماعات أنها تلقي إلى الشاب في أول الطريق أثقالاً لم تتكوّن لديه بعد أدوات حملها وربما لم تكن هذه القضايا داخلة أصلاً في دائرة أسئلته؛ فهو يأتي يريد أن يعرف الله تعالى وأن يؤمن به إيماناً يستقر في قلبه وأن يطمئن إلى أصول دينه ويجد ما يطفئ ذلك القلق الإيماني الذي يعصف بجيله، وأن يفتح كتاب الوحي على أسئلة عصره وآلامه وحيرته ومستقبله، فإذا هو يُستقبل بخريطة واسعة من الأسماء والمواقف والمدارس والرجال، ثم يُطلب إليه أن يحدد موضعه فيها سريعاً وأن يعرف ممن يأخذ وممن يحذر ومن يُقدّم ومن يُؤخر، قبل أن يعرف أصل المسائل التي اختلف القوم فيها وقبل أن تتكون لديه ملكة تمييز يستطيع بها أن يزن قولاً أو يفهم حجةً أو يقدّر موضع خلاف؛ وبعد زمن قد نكتشف أننا نجحنا في أن نصنع منه منتسباً شديد الحماسة يحسن تعداد مخالفي مدرسته ويحفظ مواطن الاعتراض عليهم، بينما بقي نصيبه ضعيفاً من معرفة الله تعالى التي جاء يطلبها ومن اليقين الذي دخل المسجد باحثاً عنه ومن القرآن الذي كان يرجو أن يجد فيه جواباً عن نفسه والعالم الذي يضطرب من حوله.
إن صيانة البحث العقدي من هذه السوق الجماهيرية حفظٌ لهيبته وصيانةٌ للشباب كذلك؛ فتبقى أصول الاعتقاد موضع تعليم جاد يرسّخ اليقين ويهدي العقل، وتبقى دقائق الخلاف في مجالها الذي يليق بها حيث تُحرَّر الأقوال وتُوزن الأدلة ويُرد الخطأ بقدره دون عصبيّة قبَليّة، وتظل المساجد قادرة على استقبال من يدخلها يبحث عن الله تعالى وعن معنى الإيمان في حياته، بدل أن يستوقفه عند الباب سؤال مستعجل يريد منه أن يحدد منذ اللحظة الأولى: في أي مدرج من مدرجات الجمهور ستجلس وأيّ فريقٍ ستشجّع؟
من يربح الفراغ؟
في آخر صفوف المسجد مقعدٌ خلا بعد أن كان يشغله شاب جاء وفي صدره من الأسئلة ما يفوق خرائط المدارس العقدية ومعاركها كلها؛ أسئلة عن الله تعالى والقدر والعدل وعن بلد خرج من محنة طويلة وقد أصاب الإنسان فيه من الهدم أكثر مما أصاب البنيان، فهو يحتاج إلى إعادة بناء وعيه وأفكاره واتجاهاته وإلى أن يفهم واقعه ومستقبله ومجتمعه وتحولاته وموقعه من كل ما يجري حوله؛ فإذا استهلكت معارك الأسماء والاصطفافات وقت هذا الجيل بقيت أسئلته عند الباب ثم خلا المقعد في المسجد ولم يخلُ عقل صاحبه ولا قلبه؛ فحمل أسئلته معه إلى الخارج ومن هناك يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يقلق المتنازعين والمتعاركين حقاً: من سيجلس إلى هذا الشاب بعدنا ومن سيملأ الفراغ الذي تركناه؟
قال مالك بن نبي في "إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث" (ص45):
ومأساة التعبئة العقدية والتحشيد بين الجماعات أنها تلقي إلى الشاب في أول الطريق أثقالاً لم تتكوّن لديه بعد أدوات حملها وربما لم تكن هذه القضايا داخلة أصلاً في دائرة أسئلته؛ فهو يأتي يريد أن يعرف الله تعالى وأن يؤمن به إيماناً يستقر في قلبه وأن يطمئن إلى أصول دينه ويجد ما يطفئ ذلك القلق الإيماني الذي يعصف بجيله، وأن يفتح كتاب الوحي على أسئلة عصره وآلامه وحيرته ومستقبله، فإذا هو يُستقبل بخريطة واسعة من الأسماء والمواقف والمدارس والرجال، ثم يُطلب إليه أن يحدد موضعه فيها سريعاً وأن يعرف ممن يأخذ وممن يحذر ومن يُقدّم ومن يُؤخر، قبل أن يعرف أصل المسائل التي اختلف القوم فيها وقبل أن تتكون لديه ملكة تمييز يستطيع بها أن يزن قولاً أو يفهم حجةً أو يقدّر موضع خلاف؛ وبعد زمن قد نكتشف أننا نجحنا في أن نصنع منه منتسباً شديد الحماسة يحسن تعداد مخالفي مدرسته ويحفظ مواطن الاعتراض عليهم، بينما بقي نصيبه ضعيفاً من معرفة الله تعالى التي جاء يطلبها ومن اليقين الذي دخل المسجد باحثاً عنه ومن القرآن الذي كان يرجو أن يجد فيه جواباً عن نفسه والعالم الذي يضطرب من حوله.
إن صيانة البحث العقدي من هذه السوق الجماهيرية حفظٌ لهيبته وصيانةٌ للشباب كذلك؛ فتبقى أصول الاعتقاد موضع تعليم جاد يرسّخ اليقين ويهدي العقل، وتبقى دقائق الخلاف في مجالها الذي يليق بها حيث تُحرَّر الأقوال وتُوزن الأدلة ويُرد الخطأ بقدره دون عصبيّة قبَليّة، وتظل المساجد قادرة على استقبال من يدخلها يبحث عن الله تعالى وعن معنى الإيمان في حياته، بدل أن يستوقفه عند الباب سؤال مستعجل يريد منه أن يحدد منذ اللحظة الأولى: في أي مدرج من مدرجات الجمهور ستجلس وأيّ فريقٍ ستشجّع؟
من يربح الفراغ؟
في آخر صفوف المسجد مقعدٌ خلا بعد أن كان يشغله شاب جاء وفي صدره من الأسئلة ما يفوق خرائط المدارس العقدية ومعاركها كلها؛ أسئلة عن الله تعالى والقدر والعدل وعن بلد خرج من محنة طويلة وقد أصاب الإنسان فيه من الهدم أكثر مما أصاب البنيان، فهو يحتاج إلى إعادة بناء وعيه وأفكاره واتجاهاته وإلى أن يفهم واقعه ومستقبله ومجتمعه وتحولاته وموقعه من كل ما يجري حوله؛ فإذا استهلكت معارك الأسماء والاصطفافات وقت هذا الجيل بقيت أسئلته عند الباب ثم خلا المقعد في المسجد ولم يخلُ عقل صاحبه ولا قلبه؛ فحمل أسئلته معه إلى الخارج ومن هناك يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يقلق المتنازعين والمتعاركين حقاً: من سيجلس إلى هذا الشاب بعدنا ومن سيملأ الفراغ الذي تركناه؟
قال مالك بن نبي في "إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث" (ص45):
"إنّ كل فراغ أيديولوجي لا تشغله أفكارنا ينتظر أفكاراً منافية معادية لنا؛ فهذه هي القاعدة العامة والمتخصصون في الصراع الفكري يعرفونها كما يعرفون أبناءهم". ثم يمضي في المعنى نفسه إلى أن أهل الصّراع الفكري قد يسهمون في صناعة هذا الفراغ، وقد يملؤونه زمناً بأفكار وسيطة تؤدي وظيفة الفصل بين الإنسان وأفكاره التي كانت تمنحه رؤيته ومرجعيته.
وهذا هو موضع الخسارة الفادحة في معاركنا الداخلية؛ فالشاب الذي يغادر المسجد بعد أن استنفد خطابُه طاقته في تعريفه بالسلفي والأشعري وأسماء الرجال ومواطن الرد عليهم؛ يخرج وفي عقله مساحة بقيت بلا جواب وفي قلبه أسئلة بقيت تلحّ عليه وهذه المساحة لا تبقى خالية طويلاً؛ فالأفكار تتنافس على الإنسان والمشروعات الفكرية تعرف قيمة العقل الذي فقد ثقته بمرجعيته، فتأتيه من الباب الذي تُرك مفتوحاً فتصغي إلى قلقه وتفسر له العالم وتعطيه لغة يفهم بها نفسه، ثم تمنحه جماعةً يشعر داخلها أنه مفهوم ومسموع، وقد نكون في تلك الساعة منشغلين بإحصاء النقاط في معركة داخل البيت بينما يعمل غيرنا بهدوء على كسب صاحبه كله.
وخطر الفراغ هنا أنه فراغٌ نصنع بعضه بأيدينا؛ فكل سؤال كبير يطرحه الجيل ثم نؤجله لصالح معركة أقل اتصالاً بحياته، وكل منبر يستهلك طاقته في التحشيد بين المدارس الفكريّة وكل شاب يدخل باحثاً عن معنى ثم يخرج محمّلاً بقائمة من الخصوم والأعداء فإنّه يترك وراءه مساحةً يستطيع مشروع آخر أن يدخل منها، وعندئذ يصبح السؤال عن الرابح شديد الوضوح، فالرابح هو من وجد الشاب بعد أن فقدناه وأحسن مخاطبة عقله بعد أن شغلناه نحن بأنفسنا عن أسئلته.
والرابح من هذا الفراغ معروف ولا يحتاج ذكره إلى كثير مواربة ولا إلى استحضار عقدة المؤامرة؛ فكل مشروع فكري ينازع المرجعية الإسلامية على عقل الشاب وقلبه سيجد في هذا الانشغال الداخلي فرصةً ثمينة؛ فالتيارات التي تريد للدين أن ينكمش إلى المجال الفردي ويغيب عن تشكيل المجال العام، وتلك التي تعيد تعريف الحرية والإنسان والأسرة والقيم من داخل مرجعيتها المصادمة للوحي، والخطابات التي ترى الوحي مادةً يعاد تأويلها لتخضع لتصورات العصر وسيولة المرحلة، والنزعات التي تختزل الإنسان في رغبته ومصلحته ونجاحه الشخصي؛ كل هؤلاء يملكون مشروعات لها منظّروها الذين لديهم لغةً جذابة وتصوراً للإنسان والحياة، ويعرفون كيف يصلون إلى الشاب الذي خرج من المسجد وفي صدره أسئلة كثيرة بقيت معلقة.
ولا يحتاج هؤلاء إلى أن يشعلوا معركتك حتى ينتفعوا بها؛ يكفي أن تديرها أنت طويلاً وأن تنفق فيها منبرك وطاقتك وعقول شبابك وثقتهم بعلمائك ثم تترك أمامهم ذلك الشاب الذي أنهكته الأسئلة؛ سيجلس إليه غيرك ليسمع قلقه ويحدثه عن الحرية والهوية والمعنى والعدالة والكرامة والدولة والمستقبل ثم يضع بين يديه تفسيراً كاملاً للعالم، بينما كان خطابه الديني مشغولاً بإثبات أن فلاناً أخطأ في صفة وأن مدرسةً انحرفت في مسألة وأن شيخاً ينبغي أن يحذر منه.
سوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي
وهنا تقع الخسارة كاملة؛ لأن كل ساعة يستهلكها الخطاب الديني العام في تعبئة الشباب لمعارك المدارس العقدية -وهي مسائل لها أهلها ومجالسها العلمية- تُنتزع من أسئلة تضغط على هذا الجيل في إيمانه وأخلاقه ووطنه ومستقبله، وتُترك الساحة لمن يملك مشروعاً فكرياً آخر فيملؤها بمفرداته وتصوراته وقيمه، وحينئذ يكون السلفي مشغولاً بالأشعري والأشعري مشغولاً بالسلفي، بينما يقف أصحاب المشروعات الفكريّة المصادمة للوحي كلّه خارج الحلقة ينتظران الشاب الذي خرج منها متعباً ثم يقولان له ببساطة: تعال؛ سنريك العالم من زاوية أخرى.
وسوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي، ويمنحه قدرةً على فهم الحرية والعدل والدولة والمسؤولية والعمران، ويشارك في ترميم مجتمع أثقلته الشكوك والانقسامات وفقدان الثقة بين أفراده ومكوناته.
وهذا هو موضع الخسارة الفادحة في معاركنا الداخلية؛ فالشاب الذي يغادر المسجد بعد أن استنفد خطابُه طاقته في تعريفه بالسلفي والأشعري وأسماء الرجال ومواطن الرد عليهم؛ يخرج وفي عقله مساحة بقيت بلا جواب وفي قلبه أسئلة بقيت تلحّ عليه وهذه المساحة لا تبقى خالية طويلاً؛ فالأفكار تتنافس على الإنسان والمشروعات الفكرية تعرف قيمة العقل الذي فقد ثقته بمرجعيته، فتأتيه من الباب الذي تُرك مفتوحاً فتصغي إلى قلقه وتفسر له العالم وتعطيه لغة يفهم بها نفسه، ثم تمنحه جماعةً يشعر داخلها أنه مفهوم ومسموع، وقد نكون في تلك الساعة منشغلين بإحصاء النقاط في معركة داخل البيت بينما يعمل غيرنا بهدوء على كسب صاحبه كله.
وخطر الفراغ هنا أنه فراغٌ نصنع بعضه بأيدينا؛ فكل سؤال كبير يطرحه الجيل ثم نؤجله لصالح معركة أقل اتصالاً بحياته، وكل منبر يستهلك طاقته في التحشيد بين المدارس الفكريّة وكل شاب يدخل باحثاً عن معنى ثم يخرج محمّلاً بقائمة من الخصوم والأعداء فإنّه يترك وراءه مساحةً يستطيع مشروع آخر أن يدخل منها، وعندئذ يصبح السؤال عن الرابح شديد الوضوح، فالرابح هو من وجد الشاب بعد أن فقدناه وأحسن مخاطبة عقله بعد أن شغلناه نحن بأنفسنا عن أسئلته.
والرابح من هذا الفراغ معروف ولا يحتاج ذكره إلى كثير مواربة ولا إلى استحضار عقدة المؤامرة؛ فكل مشروع فكري ينازع المرجعية الإسلامية على عقل الشاب وقلبه سيجد في هذا الانشغال الداخلي فرصةً ثمينة؛ فالتيارات التي تريد للدين أن ينكمش إلى المجال الفردي ويغيب عن تشكيل المجال العام، وتلك التي تعيد تعريف الحرية والإنسان والأسرة والقيم من داخل مرجعيتها المصادمة للوحي، والخطابات التي ترى الوحي مادةً يعاد تأويلها لتخضع لتصورات العصر وسيولة المرحلة، والنزعات التي تختزل الإنسان في رغبته ومصلحته ونجاحه الشخصي؛ كل هؤلاء يملكون مشروعات لها منظّروها الذين لديهم لغةً جذابة وتصوراً للإنسان والحياة، ويعرفون كيف يصلون إلى الشاب الذي خرج من المسجد وفي صدره أسئلة كثيرة بقيت معلقة.
ولا يحتاج هؤلاء إلى أن يشعلوا معركتك حتى ينتفعوا بها؛ يكفي أن تديرها أنت طويلاً وأن تنفق فيها منبرك وطاقتك وعقول شبابك وثقتهم بعلمائك ثم تترك أمامهم ذلك الشاب الذي أنهكته الأسئلة؛ سيجلس إليه غيرك ليسمع قلقه ويحدثه عن الحرية والهوية والمعنى والعدالة والكرامة والدولة والمستقبل ثم يضع بين يديه تفسيراً كاملاً للعالم، بينما كان خطابه الديني مشغولاً بإثبات أن فلاناً أخطأ في صفة وأن مدرسةً انحرفت في مسألة وأن شيخاً ينبغي أن يحذر منه.
سوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي
وهنا تقع الخسارة كاملة؛ لأن كل ساعة يستهلكها الخطاب الديني العام في تعبئة الشباب لمعارك المدارس العقدية -وهي مسائل لها أهلها ومجالسها العلمية- تُنتزع من أسئلة تضغط على هذا الجيل في إيمانه وأخلاقه ووطنه ومستقبله، وتُترك الساحة لمن يملك مشروعاً فكرياً آخر فيملؤها بمفرداته وتصوراته وقيمه، وحينئذ يكون السلفي مشغولاً بالأشعري والأشعري مشغولاً بالسلفي، بينما يقف أصحاب المشروعات الفكريّة المصادمة للوحي كلّه خارج الحلقة ينتظران الشاب الذي خرج منها متعباً ثم يقولان له ببساطة: تعال؛ سنريك العالم من زاوية أخرى.
وسوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي، ويمنحه قدرةً على فهم الحرية والعدل والدولة والمسؤولية والعمران، ويشارك في ترميم مجتمع أثقلته الشكوك والانقسامات وفقدان الثقة بين أفراده ومكوناته.
وأمّا دقائق الخلاف العقدي فتبقى في موضعها العلمي، يحررها أهلها وتوزن أدلتها ويجاب فيها عن الخطأ فيها بقدره من غير أن تتحول إلى رايات تعبئة قَبَليّة يحملها شباب ما زال كثير منهم في أول الطريق إلى المسجد وإلى معرفة دينه.
وحساب الربح والخسارة هنا أوضح من أن تحجبه ضوضاء المناظرات؛ فالمسألة لا تُقاس بعدد المقاطع التي انتشرت ولا بعدد من قيل إنهم أُفحموا ولا بارتفاع أصوات الأتباع بعد مجلس ناجح في نظرهم؛ فالحساب الحقيقي يبدأ من ذلك الشاب الذي كان يجلس في آخر الصف ثم غاب: من أخذه بعدنا؟ من أصغى إلى أسئلته؟ من منحه تفسيراً آخر للحياة والدين والوطن؟ وأي فكرة استقرت في عقله يوم عجزنا نحن عن أن نعطيه ما جاء يطلبه؟
هناك يظهر الطرف الثالث في هذه المعركة؛ لم يحتج إلى أن يرفع راية ولا أن يخوض مناظرة ومع ذلك قد يخرج منها بأثمن ما كان ينبغي للطرفين أن يحفظاه؛ لقد ظفر بالشباب أنفسهم.
وحساب الربح والخسارة هنا أوضح من أن تحجبه ضوضاء المناظرات؛ فالمسألة لا تُقاس بعدد المقاطع التي انتشرت ولا بعدد من قيل إنهم أُفحموا ولا بارتفاع أصوات الأتباع بعد مجلس ناجح في نظرهم؛ فالحساب الحقيقي يبدأ من ذلك الشاب الذي كان يجلس في آخر الصف ثم غاب: من أخذه بعدنا؟ من أصغى إلى أسئلته؟ من منحه تفسيراً آخر للحياة والدين والوطن؟ وأي فكرة استقرت في عقله يوم عجزنا نحن عن أن نعطيه ما جاء يطلبه؟
هناك يظهر الطرف الثالث في هذه المعركة؛ لم يحتج إلى أن يرفع راية ولا أن يخوض مناظرة ومع ذلك قد يخرج منها بأثمن ما كان ينبغي للطرفين أن يحفظاه؛ لقد ظفر بالشباب أنفسهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق