السبت، 26 سبتمبر 2026

بعد أربعة أعوام على رحيله.. ماذا بقي من الإمام القرضاوي؟

بعد أربعة أعوام على رحيله.. ماذا بقي من الإمام القرضاوي؟


د. وصفي عاشور أبو زيد
تمر اليوم، السادس والعشرين من سبتمبر، أربعة أعوام كاملة على رحيل شيخنا الإمام يوسف القرضاوي، الذي انتقل إلى جوار ربه في السادس والعشرين من سبتمبر سنة 2022م، بعد عمر مديد امتلأ بالعلم والتعليم، والفقه والفتوى، والدعوة والتربية، والفكر والجهاد، والكتابة والتأليف، وخدمة الإسلام وقضايا أمته.
وأربعة أعوام في حساب الزمن ليست بالمدة الطويلة، ولكنها في حساب الفقد تكفي لأن تكشف لنا أي الرجال كان حضورهم عابرًا فانطفأ بانطفاء حياتهم، وأن حاجة الأمة إليه تتعاظم، وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ، وتكشف كذلك عن أيهم كانت لهم حياة تتجاوز أجسادهم، وأعمار تمتد بعد آجالهم، وآثار تزداد مع الأيام حضورًا ورسوخًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]؛ فما يقدمه الإنسان ينتهي بانتهاء فعله، أما أثره فقد يمضي بعده أجيالًا، يتسع مداه، وتتجدد ثماره، ويكتب الله لصاحبه منه ما شاء أن يكتب.
ولست أكتب اليوم عن القرضاوي مؤرخًا لحياته، ولا مترجمًا لمراحل سيرته، ولا محصيًا لمؤلفاته ومواقفه؛ فقد كتبت عن شيخي ستة كتب، وهو ما لم أكتبه عن عالم آخر، وعشت مع مشروعه العلمي والفكري والفقهي والمقاصدي طويلًا، قارئًا وباحثًا وتلميذًا ومحبًّا، ولكنني أكتب اليوم من موضع آخر أشد قربًا وأعمق وجعًا: أكتب من موضع التلميذ الذي مضت أربعة أعوام على رحيل شيخه، ثم اكتشف أن الأيام لم تنقص افتقاده له، وإنما زادته؛ حتى إنني أفتقده أكثر مما أفتقد والدي، ويخشع قلبي إلى اليوم إذا فاجأني مقطع مرئي له، أو سمعت صوته من حيث لا أحتسب، فأشعر أن الرجل الذي غاب عن الدنيا ما زال حاضرًا في ناحية عميقة من الوجدان، ومن هنا يلح عليَّ في هذه الذكرى سؤال واحد: بعد أربعة أعوام من رحيل الإمام القرضاوي، ماذا بقي منه؟
بقي عالمًا في كتبه كما كان عالمًا في حياته
أول ما بقي من القرضاوي ذلك الميراث العلمي الهائل الذي لا يكاد المرء يحيط بأطرافه؛ فقد أغنى المكتبة الإسلامية في الفقه وأصوله، والمقاصد وقواعدها، والقرآن وتفسيره، والسنة وفقهها، والعقيدة والفكر، والدعوة والتربية، والتزكية والسلوك، والاقتصاد والثقافة، والأدب والشعر، وقضايا الأمة والإنسان، ولم تكن كثرة التأليف عنده استكثارًا من العناوين، ولا تكرارًا للمقولات، بل كانت تعبيرًا عن عقل موسوعي يرى الإسلام بناء متكاملًا، فلا يستطيع أن يعزل الفقه عن الأخلاق، ولا الاقتصاد عن القيم، ولا الأحكام عن مقاصدها، ولا الدعوة عن التربية، ولا السياسة عن الرشد، ولا النص عن الواقع، ولا أحكام الفرد عن مصير الأمة، وقد انتهى هذا العطاء إلى أعمال كاملة بلغت مائة وخمسة مجلدات كبيرة، في خمسة وسبعين ألفًا من الصفحات؛ وهي في تقديري أعظم ما تركه القرضاوي لهذه الأمة، وأبقى ما يمكن أن يمتد به عمره العلمي بعد رحيله.
ومن أراد أن يتعرف إلى الإسلام في شموله وعمقه وتوازنه وسماحته وعدله، كما فهمه القرضاوي وعاشه ودعا إليه، فليدخل إلى هذه الموسوعة؛ لا ليقرأها قراءة المقلد الذي سلَّم عقله، فالقرضاوي نفسه لم يكن يريد صناعة مقلدين، ولكن ليقرأ تجربة اجتهادية امتدت نحو قرن، وعاصرت دولًا وثوراتٍ وحروبًا وتحولات فكرية واجتماعية واقتصادية هائلة، وحاول صاحبُها أن يجعل الوحي حاضرًا في كل ذلك.
وقد يسَّر الله للأجيال اليوم ما لم يكن ميسورًا لنا في بدايات طلبنا للعلم؛ فالأعمال متاحة إلكترونيًّا في موقع وتطبيق، ولا يحتاج الطالب إلى المال الذي يشتري به عشرات المجلدات، ولا إلى الأرفف التي تحملها، وإنما يحتاج إلى شيء واحد لا توفره التكنولوجيا لأحد: همة القراءة؛ ولهذا فإن من الوفاء للقرضاوي ألا نحول ذكراه إلى موسم للرثاء، بل إلى موسم للقراءة؛ فالعالم لا يخلد بكثرة الصور التي تنشر له في ذكرى وفاته، وإنما يخلد حين تظل أفكاره حية في العقول، وكتبه مفتوحة بين أيدي الأجيال.
وكان من أجمل خصائص هذه المكتبة أن صاحبها كتب الفقه بقلم أديب، وكتب الفكر بروح شاعر، وأدخل إلى جفاف الاصطلاح ماء البيان؛ كان القرضاوي شاعرًا له دواوين، وأديبًا له مسرحيات، وظل الشاعرُ والأديب يسكنان الفقيهَ والأصوليَّ والمفتي؛ فلم تكن عبارتُه مجرد وعاء يحمل الحكم، بل كانت جزءًا من قدرته على إيصاله، ومع ذلك لم تُضعف أدبيةُ اللغة دقةَ الفقه، كما لم تخنق دقة الفقه إشراق اللغة؛ فلم يكن البيان عنده زينة توضع على أطراف الفكرة، وإنما كان طريقًا إلى حسن عرضها وتقريبها، وهذه خصلة نادرة؛ فكثير من الفقهاء إذا دققوا جفَّت عباراتهم، وكثير من الأدباء إذا أشرق بيانهم تراخت دلالاتهم، أما هو فكان يحاول أن يجمع إلى إحكام الفكرة حسن العبارة، وإلى سلطان الدليل جمال البيان.
بقي الفقيه المشتبك والمفتي الذي يعالج الإنسان
وبقي من القرضاوي نموذج أعده من أهم النماذج التي قدمها الفقه المعاصر: الفقيه المشتبك مع الحياة، فلم يكن فقيهًا يجلس بعيدًا عن الناس ثم يستدعي لهم أجوبة من كتب عصور أخرى دون أن يسأل عما تغير في عالمهم، وإنما دخل بفقهه إلى الأسواق والمصارف والجامعات والبيوت والمؤسسات، وإلى قضايا المرأة والأسرة والشباب والأقليات، وإلى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، وإلى النوازل التي صنعتها الحداثة والدولة المعاصرة والتقنية الجديدة؛ كان يشعر بأن الفقه الذي لا يجيب عن أسئلة عصره يفقد جانبًا من وظيفته، وأن العالم الذي يعرف النص ولا يعرف العالم الذي يريد تنزيل النص عليه قد يخطئ في التنزيل وإن أصاب في الحفظ والاستدلال.
ومن هنا كان وعيه بالواقع جزءًا أصيلًا من صناعته الفقهية والإفتائية؛ فلم يكن الواقع عنده خبرًا يقرأه في صحيفة، وإنما منظومة من الحقائق والعلاقات والقدرات والمصالح والمفاسد، فكان يسعى إلى الإحاطة بالواقعة من جهاتها، ثم يحقق مناط الحكم فيها، وينظر في المصالح والمفاسد، ويرتب الأولويات، ويوازن بين الممكن والمأمول، ويستشرف المآلات والعواقب، ثم ينزل الحكم في موضعه بقدر ما يراه محققًا لمقصود الشارع، ومن هنا اجتمع في منهجه فقهُ النص وفقهُ الواقع، وفقهُ الموازنة وفقه الأولويات، وفقه المقاصد وفقه المآلات؛ وهذه ليست عناوين متجاورة في مشروعه، بل دوائر متداخلة في عقل فقهي واحد، وهي أجهزة متكاملة في النظر الفقهي والإفتائي لا ينفصل بعضها عن بعض، وقد يوافقه الباحث في اجتهاد ويخالفه في آخر، لكن يصعب إنكار أنه أعاد إلى الفقيه المعاصر سؤالًا بالغ الأهمية: هل عرفت الواقع كما عرفت الحكم؟
وتجلت هذه الروحُ بأوضح صورها في فتاواه؛ فالفتوى عند القرضاوي لم تكن آلة تضع السؤال في أحد طرفيها فتخرج من الطرف الآخر كلمة: حلال أو حرام، بل كان ينظر إلى السائل وراء السؤال، وإلى الإنسان وراء المسألة، فيستحضر القرآن والحديث والفقه والأصول والمقاصد والقواعد، ثم يستدعي إلى ذلك خبرة المربي والداعية، وفهم النفس والمجتمع، وحاجة الإنسان إلى البيان والطمأنينة معًا؛ ولهذا كانت كثير من فتاواه تمنحك بعد قراءتها شعورًا بأن شيئًا في صدرك قد استقام، وأن عقلك لم يتلق حكمًا مجردًا، بل تلقى معه علته وحكمته وسياقه وحدوده، وكأن الفتوى عنده كانت تستمد شيئًا من الوظائف التي وصف الله بها القرآن: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]؛ موعظة توقظ، وشفاء يداوي، وهدى يدل، ورحمة ترفق، ومن أراد أن يعرف القرضاوي المفتي حقًّا، فلا تكفيه الاقتباسات المتناثرة عنه؛ عليه أن يقرأ فتاواه كاملة ليرى كيف كان يبنيها، وكيف كان ينتقل بالسائل من الحكم إلى الفهم، ومن الفهم إلى السكينة.
بقي موقف العالم الذي لا يؤجِّر لسانه
وبقي من القرضاوي درسٌ لا يقل قيمة عن كتبه: أن العالم لا ينبغي أن يؤجر لسانه لسلطان ولا لجمهور؛ فلم يكن استقلال العالم عنده أن يعارض الحاكم في كل شيء، كما لم يكن أن يوافقه في كل شيء؛ وإنما أن يكون ولاؤه لما يراه حقًّا، وأن يقول ما يدين الله به ولو أغضب قريبًا أو حبيبًا، حاكمًا أو محكومًا، نخبة أو جمهورًا، ومن الوقائع الدالة في حياته أنه انتقد علنًا، ومن فوق منبر الجمعة المنقول على الهواء، استقبال أمير قطر الوالد شمعون بيريز ومصافحته، وقال كلمته الشهيرة: "على من صافحوا بيريز أن يغسلوا أيديهم سبع مرات إحداهن بالتراب"، وقابله الأمير ورفع يديه للأعلى، وقال: "غسلت يدي سبع مرات إحداهن بالتراب"، ثم لم يمنع ذلك من بقاء الصلة والاحترام، والعبرة عندي ليست بطرافة الواقعة ولا بحدة العبارة، وإنما بالمعنى الكامن وراءها: أن قرب العالم من السلطة لا ينبغي أن يشتري صمته، وأن إحسان الحاكم إليه لا يسقط عنه فريضة النصيحة.
وهذا بعض معنى وراثة النبوة التي قال فيها رسول الله ﷺ: "وإن العلماء ورثة الأنبياء"، رواه أبو داود والترمذي. فالعالم لا يرث عن الأنبياء معلوماتهم وحدها؛ وإنما يرث البيان والبلاغ، والنصح والأمانة، والرحمة والشجاعة، والوقوف مع الحق بقدر الاستطاعة؛ ولهذا بقي من القرضاوي أيضًا انحيازه إلى الشعوب المظلومة، ومطالبته بحريتها وكرامتها، ووقوفه – وفق اجتهاده الذي قد يوافقه الناس فيه أو يخالفونه – إلى جانب حراكها في مواجهة الاستبداد والظلم والقهر؛ لأنه كان يرى العدل مقصدًا مركزيًّا لا هامشًا سياسيًّا، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25] بوصفه بيانًا لوظيفة الرسالات في حياة البشر، لا آية تحفظ بعيدًا عن آلامهم.
وبقي العابد البكَّاء والإنسانُ الودود
لكن القرضاوي الذي بقي في وجداني ليس صاحب الكتب والمواقف وحده؛ بقي أيضًا ذلك الرجل الأواب البكَّاء، الذي كان العلم عنده موصولًا بالقلب، والفكر موصولًا بالخشية، وقضايا الأمة موصولة بالدمعة، كان يبكي خوفًا من الله ورجاءً في رحمته، ويبكي وهو يقرأ القرآن أو يدعو، كما كان يبكي لما ينزل بالمسلمين من دماء وآلام ومصائب.
ومن عرف هذه الناحية منه أدرك أن وراء ذلك الإنتاج العلمي الغزير قلبًا شديدَ الرقة، وأن الفقيه الذي يقلب وجوه الأدلة كان يستطيع في لحظة ذكر أن ينكسر كطفل بين يدي ربه، وقد جمع القرآن بين العلم والخشية في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وذكر النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"، متفق عليه، وما أحوج العلم في زماننا إلى هذه الدمعة؛ فالعلوم التي لا تمر بالقلب قد تصنع عقلًا كبيرًا، لكنها لا تصنع بالضرورة عبدًا كبيرًا.
وبقي من القرضاوي كذلك ودُّه؛ وتلك ناحية لا تظهر في قوائم المؤلفات ولا في الدراسات التي تحصي مناهجه واجتهاداته؛ فقد كان يسأل عن إخوانه وتلاميذه، كبيرهم وصغيرهم، ويتابع مشروعاتِهم وكتبَهم وقراءاتهم، ويشجعهم، ويمنحهم من الاهتمام ما يجعل الواحد منهم يشعر أن له موضعًا في قلب هذا الشيخ الذي ملأ الدنيا علمًا وعملًا، وما أعمق أثر كلمة يقولها عالم كبير لطالب في أول الطريق؛ قد ينساها العالم بعد ساعة، ويحملها الطالب في قلبه أربعين سنة؛ ولهذا فإن بعض العلماء يبقون في المكتبات، وبعضهم يبقون في العقول، وقليل منهم يُرزقون أن يبقوا في القلوب؛ والقرضاوي عندي من هؤلاء الذين بقي علمُهم في العقل، وبقي ودهم في القلب، وبقيت نصائحُهم في الوجدان.
أما أنا.. فقد كان بوابتي الأولى
وللقرضاوي في حياتي قصة تتجاوز علاقة الباحث بموضوع بحثه، أو القارئ بمؤلف يحبه، لقد كان الرجلُ بوابتي الأولى إلى الإسلام وعلوم الشريعة ومصادر التراث والكتب المعاصرة؛ حيث كنت في بداياتي إذا اشتريت كتابًا له لا أكتفي بقراءة الكتاب، بل أدقق في هوامشه ومراجعه:
من أين أخذ هذه الفكرة؟
ومن أي كتاب نقل هذا النص؟
وإلى أي عالم أحال؟
ثم أذهب فأقتني من تلك المراجع ما تسمح به ذاتُ اليد، وكانت ذات اليد يومئذ ضيقة، فأشتري ما أقدر عليه وأقرأه، ثم يقودني المرجع إلى مرجع، والكتاب إلى كتاب، والفكرة إلى مدرسة كاملة من الأفكار؛ حتى تكوّن جانبٌ معتبر من ثقافتي العلمية بهذه الطريقة؛ ولهذا لم يكن القرضاوي بالنسبة إليَّ كتابًا قرأته، بل كان دليلًا إلى مكتبة الإسلام، وكلما فتح لي بابًا دخلت منه إلى أبواب أخرى.
ولهذا أيضًا كتبتُ عنه ستة كتب، وهو عدد لم أكتبه عن غيره؛ لا لأنني أراه فوق النقد، ولا لأن التلمذة عندي تعني إلغاء العقل، فقد تعلمنا منه نفسه أن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، ولكن لأن أثره في تكويني لا يمكنني أن أنكره أو أختصره، وبعد أربعة أعوام من رحيله أجدني أفتقده أكثر مما كنت أظن أنني سأفتقده، بل أفتقده أكثر من والدي رحمه الله؛ وإذا صادفني مقطع فيديو له خشع قلبي لصوته وصورته، واستيقظت دفعةً واحدة طبقاتٌ من الذكريات لا يملك العقل أن يرتبها ولا القلم أن يصفها، وللفقد منطقه الخاص؛ فقد يمضي الزمنُ بالإنسان بعيدًا عن يوم الوفاة، ولكنه لا يمضي به بعيدًا عن الميت إذا كان الميت قد ترك جزءًا منه في روحه.
وبقيت أسرته الكريمة، بما عرفت من برها به ووفائها له، تحمل جانبًا من أمانة هذا الميراث، وتواصل المؤسسات والمشروعات المتصلة بعلمه العمل على إتاحته ونشره وتعليمه، وقد كان من تمام نعمة الله على العالم أن يرزقه أهلًا يحفظون أثره بعد رحيله، ويصلون ما انقطع من حضوره، ويجعلون تراثه متاحًا للأجيال من بعده، وما أرجوه لهذه الجهود أن تتسع وتتجدد، وأن يظل علم القرضاوي مفتوحًا لكل طالب وباحث وقارئ.
ماذا نفعل بهذا الميراث؟
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تنتهي إليه الذكرى: ليس ماذا بقي من القرضاوي، فقد حاولت السطور السابقة أن تجيب عن ذلك، وإنما ماذا سنفعل نحن بما بقي منه؟ فالسؤال بعد رحيل العلماء الكبار لا يقف عند مقدار ما تركوه، وإنما يمتد إلى قدرة الأحياء على إبقاء علمهم حيًّا فاعلًا، ونقل خبراتهم إلى الأجيال، وتحويل تراثهم من مجلدات مصفوفة إلى معرفة مقروءة، ومن معرفة مقروءة إلى وعي، ومن وعي إلى عمل واجتهاد وإضافة، وهنا تقع مسؤولية الأسرة والتلاميذ والمؤسسات والجامعات والباحثين جميعًا؛ فموسوعة القرضاوي ليست تراثَ أسرة، ولا ملكَ جماعة، ولا ذاكرة جيلٍ مضى، وإنما مادةٌ علمية ضخمة ينبغي أن تُفتح للدرس والتحليل والنقد والاستثمار، وأن تُستخرج منها المناهج والنظريات والمفاهيم، وأن تقرأ قراءة العالم الذي نعرف فضله من غير أن ندعي له العصمة، ونحفظ مكانته من غير أن نغلق باب المراجعة والاجتهاد.
وإذا كانت بعضُ بلادنا العربية والإسلامية قد حظرت كتبه في مرحلة من المراحل، فقد شبَّت المعرفة اليوم عن طوق الحظر؛ وذابت المسافات، وتحطمت حواجزُ كثيرةٌ، وصارت المكتبةُ التي كانت تحتاج إلى جدران ورفوف تُحمل في هاتف صغير، وأصبح تراث القرضاوي متاحًا لمن يريد أن يقرأه موافقًا أو مخالفًا، محبًّا أو ناقدًا، طالبًا أو باحثًا، ومن ثَمَّ لم يعد السؤال: من يسمح بقراءة القرضاوي ومن يمنعها؟ وإنما السؤال: من يملك همةَ القراءة، وأمانة الفهم، وشجاعة الإفادة والإضافة؟
إننا حين نذكر القرضاوي لا نضيف إليه شيئًا؛ فقد أفضى الرجل إلى ربه، وإنما نضيف إلى أنفسنا، ونكرم ذاكرتنا العلمية، ونصل حاضرنا بسلسلة من العلماء الذين حملوا لهذا الدين علمًا وهمًّا ورسالة، وقد قال رسول الله ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم (1631). ونرجو أن يكون لشيخنا من «علم ينتفع به» أوفرُ الحظ والنصيب؛ فما تزال كتبُه تقرأ، وفتاواه تدرس، ومحاضراته تسمع، وأفكاره تناقش، وما يزال أناس لم يروه قط يتعلمون منه بعد أن غاب وجهُه وصوتُه عن هذه الحياة الدنيا.
والوفاء للقرضاوي، في نهاية الأمر، ليس أن نقف عند القرضاوي، بل أن نواصل الطريق الذي كان يريد للعلماء أن يسلكوه: أن نجتهد ولا نقلد، وأن نفهم العصر ولا نذوب فيه، وأن نصل النص بالواقع، والفقه بالمقاصد، والعلم بالعمل، والعقل بالقلب، والماضي باليوم والغد، والتبشير في الدعوة بالتيسير في الفتوى، وأن نحمل همَّ الأمة دون أن نفقد ميزان العلم، فليس خير تلاميذ العالِم أكثرهم ترديدًا لكلماته، وإنما أقدرهم على تمثُّل منهجه، واستكمال ما بدأه، والإضافة إلى ما تركه.
رحم الله شيخنا الإمام يوسف القرضاوي؛ رحم الله ذلك العقل الذي حمل همَّ الإسلام، وذلك القلب الذي أوجعته جراحُ المسلمين وخاصة فلسطين، وذلك القلم الذي لم يكد يستريح، وذلك اللسان الذي قال ما رآه حقًّا، وذلك الشيخ الذي دلني ودل أجيالًا غيري على كتب ما كنا لنعرفها، وعلى علماء ما كنا لنهتدي إليهم، وعلى آفاق من الفقه والفكر ما كان الطريق إليها ليكون بالوضوح نفسه لولا اللهُ ثم دلالته .. اللهم اجزه عن علمه وتعليمه ودعوته خير الجزاء، واجعل ما تركه من علم في ميزان حسناته، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين.
أربعة أعوام مضت على رحيل القرضاوي؛ وبعض الرجال تنتهي أعمارهم، ولا تنتهي حياتهم، لأن الله يطوي أجسادهم في التراب، ويبسط آثارهم في الناس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق