الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

هل أخطأت كتب إدارة الوقت ؟

هل أخطأت كتب إدارة الوقت ؟
د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com


هل أخطأت كتب إدارة الوقت حين اختزلت حياتنا في جداول ؟ 
من الموضوعات التي شغلتني في بداية شبابي إدارة الوقت، فقد كنت أراقب كيف تمضي أيامنا، وكيف يستطيع الإنسان أن ينجز ما يريد من غير أن يشعر بأن الساعات قد تسرّبت وتهربت من بين يديه، وأنا من جيل "الثمانينيات" الذي سبق ظهور التطبيقات ووسائل التواصل وغيرها من الأدوات التي نستخدمها اليوم لتنظيم أعمالنا، وكانت إدارة الوقت آنذاك تحمل شيئًا من الصعوبة، لكنها كانت أسهل من جهة أخرى، لأن قلة المشغلات كانت تتيح للإنسان مساحة أكبر للتركيز، حتى وإن لم تكن أمامه وسائل كثيرة للتخطيط والمتابعة، فلم تكن تفاصيل تلك الأيام تصل إلينا، ولم تكن كل لحظة تسرق لحظاتنا الخاصة ولا تقاطعنا.

أما اليوم، فقد أصبحت أدوات التنظيم الإلكترونية للوقت وغيرها متاحة للجميع، من التطبيقات إلى الذكاء الاصطناعي، لكن وجودها لم يجعلنا بالضرورة أكثر قدرة على إدارة وقتنا، فالمشكلة في وجهة نظري لم تعد في نقص الوسائل أو الأدوات، بل في كثرة الملهيات وتفجرها وتزاحم ما يطلب انتباهنا، حتى إن الإنسان قد يبدأ يومه راغبًا في الإنجاز ثم يجد نفسه ينتقل بين التنبيهات والإشعارات والمنصات والرسائل، فيتوزع تركيزه ويمضي الوقت دون أن يشعر، وهكذا قد تتحول الوسيلة الذكية التي صممت لتساعدنا على التنظيم إلى باب وسبب للتشتت، إذا لم نكن واعين بطريقة استخدامها وبالغاية التي نريد أن نحققها من خلالها.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر إلى الوقت، فهو ليس بمورد نملكه ونستطيع إدارته والتحكم فيه، ونحن لا نتحكم في جريانه، بل نتحكم في أنفسنا وما نختار أن نفعله خلاله، فالوقت يمضي، أما قراراتنا وطرائق عيشنا فهي التي تحدد كيف نستثمره، وهذا يرتبط بنظرتنا الكلية إلى الحياة وما نمنحه من قيمة للمعنى، وللأصدقاء والعلاقات، ولتحقيق الإنجازات والطموح الشخصي، مع استحضار مراقبة الله في أقوالنا وأفعالنا، ومن هذا المنطلق، لا تُقاس قيمة الوقت بعدد المهام التي ننجزها، بقدر ما تقاس بما نضعه فيه من جهد وما نتركه من أثر في حياتنا وحياة من حولنا، وبقدرتنا على أن نعيش وفق ما نؤمن بأنه جدير بالاهتمام.

وبناءً عليه، أرى أن تناول إدارة الوقت يحتاج اليوم إلى طرح مختلف لا يغرق في تفاصيل الأعمال اليومية وكتابة الملاحظات والجداول والاستراتيجيات الصغيرة، على أهمية هذه الأدوات في تنظيم العمل ومتابعته، بل ينتقل إلى ما هو أبعد منها، وهو إدارة الذات مع الوقت، وتحديد المجالات الكبرى والغايات الأسمى التي تستحق أن نوجّه إليها جهدنا واهتمامنا، فعندما نسأل أنفسنا عمّا نريد إنجازه في حياتنا، وما المجالات التي نريد أن نترك فيها أثرًا، تتضح الأولويات الكبرى وتُعاد بوصلة الحياة إلى اتجاهها، ويصبح ترتيب تفاصيل اليوم أكثر سهولة ومعنى، وعندها لا يكون التخطيط مجرد توزيع للمهام على ساعات اليوم، بقدر ما يكون وسيلة تربط أعمالنا اليومية بما نطمح إليه على المدى الأبعد، وتساعدنا على التمييز بين ما يخدم أهدافنا وما يستهلك وقتنا بلا فائدة حقيقية.

وهنا يأتي دور التطبيقات والذكاء الاصطناعي، فتساعدنا على التذكير والترتيب وإنجاز بعض الأعمال، لكنهما لا يحددان عنا ولا يفكران بالنيابة عنا ما يستحق وقتنا فعلاً ولا يمنعان التشتت وحدهما، لذلك تبدأ إدارة الوقت من الوعي بقيمة الوقت لدى الجيل الحالي ومعرفة الاتجاه الذي نريد أن نمضي فيه، ثم اختيار الأدوات التي تخدم ذلك الاتجاه، وربما نحتاج إلى أن نعيد تعليم أنفسنا وأبنائنا كيف يختارون ما يمنحونه انتباههم، وكيف يحمون وقتهم من التبعثر، فالسؤال الآن ليس كيف نملأ ساعات يومنا، بل هل يذهب وقتنا إلى المجالات التي نؤمن بأنها مهمة وتستحق؟.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق