السبت، 27 يونيو 2026

هل نعيش نفاقاً رقمياً؟!

 هل نعيش نفاقاً رقمياً؟!  

د. جاسم الجزاع *

في عصر هذه الشاشات التي لا تسقط من بيد أيدينا، نجد أنه أعيد تعريف مفهوم «العلاقات والصداقات» لينكمش في مساحات افتراضية جامدة، ويمكن أن نسميها بـ «العلاقات والصداقات الرقمية»، نتجت عنها علاقات مصلحية في المتابعة بين الطرفين في «السوشيال ميديا»، وهي حالة من النفعية الحديثة التي تنشأ وتزدهر خلف الستائر الإلكترونية، حيث تُقاس قيمة الفرد بمقدار ما يقدمه من دعم رقمي متبادل ورواج افتراضي وصناعة ترندات، وليس بعمق أثره الإنساني أو صدق معدنه، ففي هذا الفضاء الإلكتروني، يتحول الأصدقاء إلى مجرد أرقام صماء في قائمة المتابعين، وتصبح المشاعر الإنسانية مجرد تفاعلات عابرة ، من إعجاب، أو مشاركة، أو تعليق مقتضب، تدور كلها في حلقة مفرغة من تبادل المنافع السطحية ، فما دمت تُغذّي حضور الآخر الرقمي وتخدم وجوده وتدعم منصته، فستظل موجوداً في حساباته، وبمجرد أن يتوقف العطاء، تسقط من قائمة الاهتمام وكأنك لم تكن. 

وتتجلى مظاهر هذه المصلحة في سلوكيات يومية باتت مألوفة في أيامنا، ولعل أبرزها ما نراه في «مجاملات المنصات» المنافقة، حيث يُحتفى بالإنجازات ويُتضامن مع الأزمات بضغطة زر واحدة لا تكلف صاحِبها التفاتة قلب حقيقية ولا ثانية من وقته، فهي شبكات اجتماعية كثيفة المظهر، خاوية المخبر، تنفضّ فوراً وتضمحل بمجرد غياب المصلحة المشتركة أو توقف الحساب عن المتابعة والظهور، مما يكشف عن هشاشة الروابط الافتراضية التي تذوب كالملح عند أول اختبار حقيقي لعمقها ومصداقيتها. 

ولتحويل هذه العلاقات الافتراضية الجافة إلى علاقة إنسانية حقيقية ولها أثر، يتعين علينا نقل الروابط من وراء الشاشات الصامتة إلى أرض الواقع الحي، وتحريرها تماماً من قيد «المنفعة الفورية» والتبادل النفعي الرقمي، فيبدأ ذلك بـ «أنسنة» التواصل من خلال المبادرة بالسؤال الصادق وغير المشروط، ومشاركة اللحظات الحية والأحاديث المباشرة بعيداً عن أزرار الإعجاب، وبناء جسور متينة من التكافل المعنوي والمادي الذي يتجاوز حدود الفضاء الرقمي الضيق، فعندما نتحول بوعي من مجرد «متابعين» على منصة إلى «شركاء حقيقيين» في معترك الحياة مع الآخرين، فيدعم بعضنا بعضاً في العلن والخفاء دون انتظار عائد خوارزمي أو زيادة في عدد المشاهدات، حينها فقط نضمن أن هؤلاء الأصدقاء لن يكتفوا بوضع وسم تعزية بارد، بل ستجدهم أول الحاضرين لمواساتنا والوقوف في جنازاتنا. 

* باحث أكاديمي






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق