الأربعاء، 24 يونيو 2026

أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

  أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

د. جاسم الجزاع



أثناء تصفحي لإحدى الدراسات السابقة المختصة بتحليل الشؤون السياسية ذكرت فيها مقالة نشرت في 2010 بعنوان "من ينقذ أمريكا من نفسها" للكاتب عادل مالك، والذي شخّص فيها طبيعة الاندفاع في السياسة الخارجية الأمريكية التي استنزفت صورتها وقوتها في مستنقعات الحروب الاستباقية حينها، فألهمتني المقالة إلى قراءة ومطابقة لما آلت إليه الأمور اليوم في عهد الرئيس دونالد ترامب، فالكيانات الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، ومهما بلغت قوتها، تظل عرضة للإصابة بـ "الأمراض الإدارية والإستراتيجية" والتي يمكن أن تكون قاتلة حين تعجز عن كبح تمددها الإستراتيجي وتغولها البيروغرافي، وتفقد القدرة حينها على تقييم مخرجات قراراتها العليا بكفاءة عالية وكأنها تتأرجح بين أمزجة السيد ترامب خلال يومه مما أربك حتى وسائل الإعلام العالمية في التكهن وشرح وتحليل مواقفه السياسية.


ونستشعر الآن نحن في الخليج أن السياسة الأمريكية أصبحت بين دفتي النفوذ والمأزق!، وإن إعادة قراءة هذا المأزق الأمريكي اليوم تبدو حاجة حيوية وأكثر إلحاحاً، فالولايات المتحدة لا تزال تملك اليد الطولى والسيطرة الديناميكية على مجريات الأحداث العالمية، لكن عند التدقيق في سلوك الرئيس ترامب الراهن يكشف عن تحولٍ جذري جعل من البيت الأبيض ما يشبه مقر إدارة لشركة استثمارية كبرى، وكأنه بات سلوك السيد الرئيس يطابق تماماً سلوك "رئيس تنفيذي" (CEO) لشركة مغالية في نفعيتها، فلا يرى العالم إلا من خلال عدسة "الصفقة والمكسب المباشر"، دون اعتبار للحسابات الإستراتيجية التقليدية أو المصالح القومية الأخرى بعيدة المدى التي طالما أرست نفوذ واشنطن عبر عقود سابقة، وهذا الأسلوب أدى بوضوح إلى تهميش حاد لمؤسسات الدولة العريقة، بل وحتى "المؤسسات العميقة" والتي باتت تُستبعد من هندسة القرارات المصيرية لصالح صفقات الغرف المغلقة، وهو ما فجّر جدالاً علنياً محتدماً وصراعاً حقيقياً على الصلاحيات بين سلطة السيد الرئيس، وبين أجهزة الدولة ومؤسساتها الأخرى التي تحاول كبح هذا الاندفاع. 

فإن هذا السلوك الذي يطغى على أعراف الحكم السابق يعيد هندسة المشهد الجيوسياسي لشرقنا الأوسط في لحظات مفاجأة، ويجعل فهم "العقلية النفعية" الحاكمة في واشنطن وإقامة عدة دراسات عنها ضرورة لمعرفة اتجاهات الرياح هناك وهنا لتفادي عواصفها المفاجئة التي تخلط الأوراق دون إنذار مسبق خصوصاً عندنا في الخليج العربي.


وأمام هذا النفوذ الطاغي والمهيمن، لا ينبغي لنا في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي أن نقف في موقع "المتلقي السلبي" لنتائج هذه السياسات وتقلباتها المزاجية، بل إن الواجب القومي والإستراتيجي يحتم علينا صياغة رؤية مشتركة تعتمد على "التحصين الداخلي" وبناء "ثقافة مؤسسية إقليمية" قادرة على المناورة وحماية المكتسبات الخليجية والعربية، فإن دورنا اليوم ليس مجرد وساطة لتهدئة النيران، بل التحول إلى "مهندسي استقرار" يملكون بدائلهم الخاصة، فالنفوذ الأمريكي العالي لا يواجه إلا بامتلاك أدوات القوة الاقتصادية، والدبلوماسية الوقائية الذكية، وتقديم نموذج إداري وتنموي رائد يفرض حضورنا كشريك إستراتيجي أصيل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية قادمة وأول الأمر أن تتصالح الأنظمة مع شعوبها وتكون يداً واحدة فهذا لعمري هو رأس الدفاع عن المكتسبات.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق