قراءة في تصريحات إيلون ماسك حول الإسلام
د. جاسم الجزاع
باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com
وإن هذا الاختزال العنصري ضد الإسلام وعزله عن جذوره العقدية والتاريخية والحضارية لا يُرى أبداً كزلّة عابرة، بل هو انعكاس لأزمة فكرية تعاني منها بعض النخب المؤثرة على المشهد العالمي حين تتعامل مع الهوية والثقافة للآخر بمنظور أحادي القطب، فالإسلام لم يكن يوماً مجرد طقوس معزولة أو ممارسات مشوهة، بل هو إرث إنساني يرتكز على قيم مستقرة في العدل والكرامة وبناء العمران البشري، ويتجلى حجم الخلل لدى ماسك حين يُقارن موقفه بمنهج نخب فكرية وغربية منصفة، فنجد على الصعيد الآخر مؤرخين ومفكرين كباراً سبروا غور الحضارة الإسلامية وأعدوا حولها دراسات موضوعية عميقة، كالمستشرقة الألمانية زغريد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" التي وثقت أثر الحضارة الإسلامية الإنساني والفلمنكي، وكذلك المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي الذي أشاد بالقيم الاجتماعية للإسلام وقدرته على الإخاء بين البشر ومحو العرقية، فضلاً عن إنصاف المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون لعدالة التشريع الإسلامي وسماحته، فعندما يُصدر قائد مؤسسة رقمية تتحكم بملايين التدفقات المعلوماتية أحكاماً متسرعة تغفل هذا التاريخ العريض، فإنه يسهم بلا شك في تكريس حالة من الجهالة الجمعية وتغذية للخوارزميات بما يخدم تعميق الفجوة الثقافية بين الشرق والغرب، ويتجاوز بذلك مسؤوليته الأخلاقية والمعرفية في إدارة فضاءات كان من المفترض أن تكون مخصصة لتبادل الفهم الصحيح وتقريب وجهات النظر بين الشعوب ومنع تكريس الصور المشوهة والجهل المركب.
فأمام هذه المعطيات، فإن ما نملكه تجاه هذا الأمر يتجاوز حدود الاستنكار المؤقت إلى ضرورة تبني استراتيجية عمل واعية ومؤسسية، فإننا مطالبون
أولاً بإنتاج خطاب معرفي وثقافي رصين يؤثر بلغات حيّة وبطريقة جديدة عصرية ليخاطب العالم بعقلانية عن المقاصد وشمولية الحضارة الإسلامية،
وثانياً - في رأيي المتواضع - الضغط الفكري والمؤسسي عبر استثمار المساحات المتاحة في المنصات الرقمية لفرض السردية الحقيقية التي تعبر عن هويتنا وليس كما يشوهها الآخرون، فالرد الحقيقي على الجهل لا يكون بالانكفاء عنه والإنزواء، بل بصناعة الوعي المضاد، وتطوير أدواتنا التأثيرية، وبناء حضور استراتيجي يمتلك القدرة على تفكيك هذه الاتهامات وتقديم الإسلام في صورته العالمية النقية كقيمة حضارية وإنسانية لا غنى عنها للبشرية جمعاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق