هل تغيرت سيكولوجية الجماهير في القرن 21 ؟
يُقصد بسيكولوجية الجماهير كما يعرفها البعض بذلك العلم الاجتماعي والنفسي الذي يدرس سلوك الأفراد عندما ينخرطون في حشد أو جماعة بشرية، حيث تذوب حينها الشخصية الواعية للفرد الواحد لصالح "عقل الجماعة "، وهو تصرف يقوده الوجدان لا المنطق، وتتراجع فيه ملكة النقد الذاتي خوفاً من بطش الجماعة، وتعد كتابات الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، ولا سيما كتابه العمدة والمشهور بـ "سيكولوجية الجماهير"، الحجر الأساسي والمنطلق الفكري الأبرز في هذا المجال المعرفي، حيث يرى لوبون أن الجماهير ليست مجرد تجمع عددي، بل هي كيان نفسي جديد يتميز بالاندفاع والشراسة، وسرعة التصديق، والتبسيط الساذج للأفكار المعقدة، والنزوع نحو التطرف والغلو في المشاعر، حيث يتحرك الحشد البشري ككتلة واحدة مدفوعة بالغرائز البشرية واللاوعي الجمعي، وحسب نظريته، فإن المحرك الأساسي لهذه الجماهير ليس الحقيقة العقلانية أو البرهان العلمي، بل المحرضون والزعماء الذين يتقنون استخدام لغة العاطفة والديماغوجيا، والعدوى النفسية، والتركيز على الصور الذهنية المؤثرة والتكرار المستمر للكلمات ذات المعنى المؤثر، مما يسهل قيادة الحشود وتوجيهها نحو أهداف محددة عبر الشعارات الحماسية الملهبة للمشاعر بدلاً من الحجج والبراهين والخطط المنطقية المفصلة.
ومع دخول القرن الحادي والعشرين وما بعد الألفية، نجد أنه لم تتغير الغرائز البشرية لسيكولوجية الجماهير في جوهرها ومنطلقاتها، لكن "البيئة الحاضنة" الحالية التي تنشط فيها شهدت تحولاً جذرياً غير مسبوق في التاريخ البشري، فلقد انتقلت الجماهير من الميادين الملموسة والشوارع إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، ليتشكل مفهوم "الجماهير الشبكية الافتراضية" التي تجتمع وتفترق في ثوانٍ معدودة عبر وسم "هاشتاق" أو مقطع مرئي واسع الانتشار، والفارق الجوهري في عصرنا هو أن العدوى النفسية والتحريض اللذين تحدث عنهما لوبون أصبحا يعملان بسرعة وعبر القارات، وتذكيهما وتزيدهما خوارزميات ذكية مصممة خصيصاً للفت الانتباه وإثارة الغضب والمشاعر لزيادة التفاعل، وهذا الواقع الجديد أنتج ظاهرة شبيهة بـ "غرف العزلة"، حيث يعزل الأفراد أنفسهم داخل إطارات فكرية متشابهة تعيد إنتاج آرائهم وتضخمها، مما يضاعف الاستقطاب السياسي والاجتماعي، ويجعل الجماهير الرقمية أكثر حدة وشراسة في إقصاء المخالفين وممارسة الاغتيال المعنوي والإلغاء الرقمي مما أظهر مفهوم "الذباب الإلكتروني"، والتي هي مدفوعة بوهم المعرفة وسهولة التعبئة عن بُعد دون أدنى مسؤولية واقعية.
لذلك فإن مواجهة الآثار السلبية والمخاطر الناتجة عن سيكولوجية الجماهير الحديثة لا تعني محاولة كبحها تدفق الآراء الجمعية أو قمعها، بل تتطلب إعادة صياغتها بذكاء عبر أدوات هذا العصر ذاته، لتحويلها من طاقة عاطفية تدميرية مساقَة من أطراف شريرة إلى قوة بناءة واعية ومسؤولة في المجتمع، فتبدأ هذه الصياغة بـالتحصين المعرفي الشامل للشعوب، من خلال إدراج مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية الرقمية في المناهج التعليمية، لتمكين الأفراد منذ الصغر من تفكيك السرديات والحكايا الموجهة وتمييز الأخبار الزائفة من الحقائق، وتلي ذلك خطوة إدارة الخوارزميات، عبر فرض تشريعات وقوانين ملزمة لشركات التكنولوجيا الكبرى تمنع المتاجرة بانفعالات البشر وتحد من صناعة الاستقطاب المصطنع، وأخيراً يكمن الحل في تحويل "التفاعل الافتراضي" السلبي إلى "مشاركة مدنية" إيجابية، من خلال توجيه الزخم الرقمي الجارف نحو مبادرات تنموية، وتطوعية، وفكرية حقيقية تؤثر إيجاباً على أرض الواقع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق