مروان بن محمد و "شيخوخة الدولة"
د. جاسم الجزاع
عندما اعتلى الخليفة الأخير الأموي مروان بن محمد منصب الخلافة سنة 127هـ، لم ير أمامه دولة فتية مستقرة، بل وجد نفسه قد ورث دولة أنهكتها الصراعات الداخلية، وتعددت فيها مراكز النفوذ والقوة، واتسعت الفجوة بين السلطة والشعب، فكانت الدولة الأموية يومها تقف على مشارف النهاية والخروج من الزمن، والخليفة مروان مثل رجل صعد إلى سفينة مثقوبة بعد أن اشتد بها الموج، ثم طُلب منه أن يبلغ بها شاطئ الأمان !،
وكان يقول للناس: لقد ركبت من دولتنا مركبًا صعبًا، فلا تلوموني.
نعم قد كان قويًا، وصاحب خبرة عسكرية وقدرة على الصبر والمواجهة، غير أن شجاعة القائد لا تكفي دائمًا لإنقاذ دولة تراكمت عليها أمراضها، فالدول لا تسقط فجأة، ولا تنهار بسبب معركة واحدة، بل تبدأ نهايتها عندما تعجز عن تجديد نفسها، وتستهلك قوتها في نزاعاتها الداخلية، وتستمر في استعمال الأدوات القديمة لمواجهة واقع جديد صعب وغامض مثل دعوة بني العباس والخراسانية، وبعد نحو خمس سنوات فقط من حكمه، سقطت الدولة الأموية سنة 132هـ في معركة الزاب، والعبرة هنا أن بعض الدول تموت قبل إعلان وفاتها، وذلك حين تفقد الثقة بينها وبين الشعب، وتضعف قدرتها على الإصلاح، ويصبح همّ قياداتها حماية مواقعهم بدلًا من حماية مستقبل الدولة.
والدولة نوع من أنواع المنظمات، وإن كانت أكثرها تعقيدًا واتساعًا، ولذلك فإن الأمراض التي تصيب الدول يمكن أن تصيب الشركات والجامعات والوزارات والجمعيات، مهما كان عمرها قصيرًا، ومن هنا يظهر مفهوم «شيخوخة المنظمة»، وهو لا يعني بلوغها عددًا معينًا من السنوات، بل فقدانها المرونة والفضول والقدرة على التعلم والتطور، فقد نجد مؤسسة لم يمضِ على تأسيسها سوى خمس سنوات، لكنها تُدار بعقلية تجاوزها الزمن، فتبدأ الشيخوخة عندما تتضخم الإجراءات، ويتباطأ القرار، وتكثر الاجتماعات دون نتائج، وتصبح المظاهر أهم من الإنجاز الحقيقي، وتزداد حين تتحول متابعة المسؤول إلى تهديد للموظفين، والنقد إلى إساءة، والاختلاف مع المسؤول إلى مخاطرة وظيفية، فعندها يغادر أصحاب الأفكار المجيدة، ويصمت أصحاب الخبرة الوتيدة، ويتقدم أصحاب المجاملة والنفاق، فنجد منظمة تشتري أحدث الأنظمة التقنية، لكنها تستخدمها لخدمة بيروقراطية قديمة، فتبدو شابة في مبناها وشعارها، لكنها هرمة في عقلها وقراراتها، لذلك يقول أحد مفكري الإدارة إن أخطر علامات الشيخوخة أن تنشغل المنظمة بتمجيد تاريخها، ولا تمتلك تصورًا واضحًا لمستقبلها.
أما العلاج الذي لا بد منه لا ينشغل ابتداء بتغيير الشعار، أو تبديل المسميات، أو إعادة هيكلة شكلية فتوهم الجميع بأن التغيير قد وقع، إنما العلاج الحقيقي يبدأ بإعادة الرشد إلى عقل المنظمة، من خلال مراجعة الإجراءات وإلغاء ما فقد ضرورته وأهميته، ويتم تفويض الصلاحيات من أجل التمكين للجيل القادم من القيادات، وتقليل المستويات الإدارية، وتسريع صناعة القرار، وكما تحتاج المنظمات إلى منح الموظفين مساحة آمنة للنقد والاقتراح، ومن الضروري أن ترتبط الترقيات بالكفاءة والإنجاز، لا بالقرب من مراكز النفوذ والواسطات والمعارف، وأن تُفتح الأبواب أمام قيادات ووجوه وأفكار جديدة، ويظل اعتراف القيادة بأخطائها أهم وسائل العلاج السديد لأن المنظمة التي ترفض تصحيح نفسها وتجويد أفعالها في أوقات الاستقرار، ستجبرها الأزمة على التغيير في أحلك الظروف، فالمؤسسات لا تشيخ بكثرة أعوامها، إنما تشيخ إن تركت ما يفيد إلى ما لا يفيد.
والدولة نوع من أنواع المنظمات، وإن كانت أكثرها تعقيدًا واتساعًا، ولذلك فإن الأمراض التي تصيب الدول يمكن أن تصيب الشركات والجامعات والوزارات والجمعيات، مهما كان عمرها قصيرًا، ومن هنا يظهر مفهوم «شيخوخة المنظمة»، وهو لا يعني بلوغها عددًا معينًا من السنوات، بل فقدانها المرونة والفضول والقدرة على التعلم والتطور، فقد نجد مؤسسة لم يمضِ على تأسيسها سوى خمس سنوات، لكنها تُدار بعقلية تجاوزها الزمن، فتبدأ الشيخوخة عندما تتضخم الإجراءات، ويتباطأ القرار، وتكثر الاجتماعات دون نتائج، وتصبح المظاهر أهم من الإنجاز الحقيقي، وتزداد حين تتحول متابعة المسؤول إلى تهديد للموظفين، والنقد إلى إساءة، والاختلاف مع المسؤول إلى مخاطرة وظيفية، فعندها يغادر أصحاب الأفكار المجيدة، ويصمت أصحاب الخبرة الوتيدة، ويتقدم أصحاب المجاملة والنفاق، فنجد منظمة تشتري أحدث الأنظمة التقنية، لكنها تستخدمها لخدمة بيروقراطية قديمة، فتبدو شابة في مبناها وشعارها، لكنها هرمة في عقلها وقراراتها، لذلك يقول أحد مفكري الإدارة إن أخطر علامات الشيخوخة أن تنشغل المنظمة بتمجيد تاريخها، ولا تمتلك تصورًا واضحًا لمستقبلها.
أما العلاج الذي لا بد منه لا ينشغل ابتداء بتغيير الشعار، أو تبديل المسميات، أو إعادة هيكلة شكلية فتوهم الجميع بأن التغيير قد وقع، إنما العلاج الحقيقي يبدأ بإعادة الرشد إلى عقل المنظمة، من خلال مراجعة الإجراءات وإلغاء ما فقد ضرورته وأهميته، ويتم تفويض الصلاحيات من أجل التمكين للجيل القادم من القيادات، وتقليل المستويات الإدارية، وتسريع صناعة القرار، وكما تحتاج المنظمات إلى منح الموظفين مساحة آمنة للنقد والاقتراح، ومن الضروري أن ترتبط الترقيات بالكفاءة والإنجاز، لا بالقرب من مراكز النفوذ والواسطات والمعارف، وأن تُفتح الأبواب أمام قيادات ووجوه وأفكار جديدة، ويظل اعتراف القيادة بأخطائها أهم وسائل العلاج السديد لأن المنظمة التي ترفض تصحيح نفسها وتجويد أفعالها في أوقات الاستقرار، ستجبرها الأزمة على التغيير في أحلك الظروف، فالمؤسسات لا تشيخ بكثرة أعوامها، إنما تشيخ إن تركت ما يفيد إلى ما لا يفيد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق