‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبدالتواب بركات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبدالتواب بركات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 10 فبراير 2020

نكسة الغاز في غياب الفارس

نكسة الغاز في غياب الفارس

الصفقة طرحت لغزًا كبيرًا أيضًا حول إصرار السيسي على استيراد الغاز من إسرائيل رغم إعلان الحكومة الاكتفاء الذاتي من الغاز المسال منذ نهاية 2018

السفير إبراهيم يسري
بدأت مصر استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل في يوم الأربعاء 15 من يناير/كانون الثاني الماضي، وبموجب المعلن من الصفقة تقوم شركتا ديليك الإسرائيلية ونوبل إنيرجي الأمريكية، المشغلتان لحقلي الغاز الطبيعي لوثيان وتمار، بتصدير نحو 85 مليار متر مكعب من الغاز بقيمة 20 مليار دولار على مدى 15 سنة إلى شركة دولفينوس المصرية الخاصة لتتم إسالته في محطات إسالة الغاز المصرية في مدينتي دمياط وإدكو على سواحل البحر الأبيض المتوسط شمالي مصر.
على المستوى الشعبي، قوبلت الصفقة باستياء قطاع عريض من الشعب المصري يرفض التعامل مع اسرائيل ويراها كيانًا غاصبًا وعدوًا تاريخيًا. وعبر هذا القطاع عن موقفه بوضوح بعد ثورة يناير باقتحام المتظاهرين السفارة الإسرائيلية بالقاهرة عدة مرات وغلقها، وبرفض اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى اسرائيل والتي أبرمها في عهد مبارك رجل الأعمال الراحل حسين سالم.
وعلى مستوى الحكومة، اعتبر الجنرال عبد الفتاح السيسي الصفقة إنجازا يحسب له، وقال عند تناوله للصفقه في فبراير/شباط 2018، إنه "جاب جون" أي أحرز هدفا كبيرا بإنجاز الصفقة، وإنها تحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، وإنه كان يحلم بهذا الإنجاز منذ أربع سنوات، وهو التاريخ الذي تولى فيه حكم مصر رسميًا.
في المقابل، وفي إسرائيل حيث الشفافية والمساءلة، كان وقع الصفقة مختلفا تمامًا عنه في مصر، فقد قوبلت الصفقة بالتهليل، واعتبرتها حكومة الكيان إنجازا غير مسبوق، ووصف رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الاتفاقية بالتاريخية، واعتبر يوم إبرام الصفقة عيدًا لإسرائيل، وكشف عن أن نصف عائدات الصفقة سيدخل في صورة ضرائب إلى الخزانة الإسرائيلية، ما يعني أن عشرة مليارات دولار سوف تصرف لاحقا على التعليم والخدمات الصحية والرفاهية للمواطنين الإسرائيليين، وفق تعبير نتنياهو. وقال وزير الطاقة إنه يوم يستحق أن يكون عطلة رسمية لبلده.
تداعيات الصفقة
عكس ما أنجزه نتنياهو لبلده، لم يكشف السيسي عن أي عائدات يمكن أن تعود على الاقتصاد المصري نظير استخدام البنية التحتية لشبكة الغاز القومية وأنابيب نقل الغاز ومصانع الإسالة المصرية، ولم يَعد بدولار واحد سيدخل الخزينة المصرية من الصفقة، ولم يكشف عن أسعار الاستيراد، ولم يتطرق إلى سلبيات الصفقة وتداعياتها على الاقتصاد المصري والقرار السياسي والأمن القومي.
الصفقة طرحت لغزًا كبيرًا أيضًا حول إصرار السيسي على استيراد الغاز من إسرائيل رغم إعلان الحكومة الاكتفاء الذاتي من الغاز المسال منذ نهاية 2018، وعن اكتشاف حقل ظهر الذي يحتوي احتياطيات تريليونية من الغاز الطبيعي، بل واعلانها عن التحول إلى التصدير بكميات اقتصادية وصلت إلى 45 شحنة خلال سنة 2019.
وبطريقة ساخرة اعترف السيسي باللغز الذي حير المصريين، وتساءل مثلهم: "إزاي أنت بتقول حقل ظهر.. وحققنا الاكتفاء الذاتي.. وفي نفس الوقت أنتم هتجيبوا غاز من حتة تانية؟"
ثم يرد على نفسه بلغز آخر فيقول: "ما احنا لو هنجيب من حتة تانية هنجيب طبقًا لآليات السوق.. يا رب توصلكم القصة دية، يعني هنشتري بكام؟ إنتوا عارفين احنا بنشتري إزاي حاجتنا؟"  
وتساءل: "عارفين؟ هه!.. لأ.. احنا جبنا جون يا مصريين في الموضوع ده!" ويهز رأسه بسخرية وينظر إلى رئيس الوزراء الذي يجلس إلى يمينه ويسأله: "مش كده ولا إيه؟" والأخير لا يملك إلا أن يبتسم ويهز رأسه بالموافقة.
ونتيجة لتأثير الصفقة على قطاع الغاز المصري المحلي، خفضت الشركة القابضة للغازات الطبيعية "إيغاس" المصرية المملوكة للدولة إنتاج حقل ظهر من الغاز إلى نحو 2.4 مليار قدم مكعب من الغاز يوميا، والذي كان يصل إلى 3 مليارات قدم مكعب، وذلك بسبب ارتفاع ضغوط الشبكة القومية للغازات، وفق تصريح مسؤول في الشركة لصحيفة البورصة المصرية، ما يعني أن الحكومة أعطت الأولوية للغاز المستورد من إسرائيل على حساب المنتج الوطني، وهو ما أعلنت عنه الحكومة الإسرائيلية والتي قالت إن مصر سوف تستهلك جزءا من الغاز محليًا، وليتضرر الاقتصاد المصري، وليربح الإسرائيلي.
على خطى مبارك
بمباركة المخلوع مبارك، وبتفويض من مجلس الوزراء، أصدر وزير البترول في سنة 2004، قرارًا يسمح لرجل الأعمال الراحل حسين سالم، صاحب شركتي الشرق والبحر المتوسط للغاز، بعقد صفقة لتصدير الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل. وبموجب الصفقة تلتزم الحكومة المصرية بضخ 1.7 مليار متر مكعب سنويًا من الغاز المسال إلى الكيان الصهيوني ولمدة 15 عاما، ، وبسعر يتراوح بين 70 سنتاً و1.25 دولار للمليون وحدة حرارية.
كانت تكلفة استخراج ونقل الغاز تصل إلى 2.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وكانت أسعار الغاز في أوربا في هذا التوقيت تدور حول 11 دولارا. وأصدر وزير البترول قرارًا آخرًا برفع أسعار البنزين والسولار ليتحمل المواطن المصري الفقير تكاليف وخسائر الصفقة، ما يعني أن الصفقة مثال لأغرب صفقات النهب المنظم للموارد الطبيعية المصرية والتي تتم بمباركة رئيس الدولة الذي أقسم على رعاية مصالح الشعب، وبالتواطؤ مع إدارة جهاز المخابرات العامة المنوط بمواجهة الأخطار التي تهدد الأمن القومي المصري.
تصدى للصفقة المناضل الوطني وفارس الدبلوماسية المصرية، السفير إبراهيم يسري، وقاد حملة شعبية كبيرة ضد الصفقة تحت شعار "لا لنكسة الغاز" وأقام دعوى أمام محكمة القضاء الإداري لوقفها ولإلغاء قرار رفع أسعار البنزين والسولار، وحصل بالفعل على حكم من محكمة القضاء الإداري ببطلان تصدير الغاز لإسرائيل ووقف الصفقة.
وأبطل القاضي، وهو المستشار محمد أحمد عطية، قرار الحكومة بتصدير الغاز المصرى إلى إسرائيل لأنه تم من دون الرجوع إلى مجلس الشعب. واعتبره قرارًا إداريًا يمكن التقاضي بشأنه، وليس من أعمال الحكم والسيادة التي يمنع القضاء من نظرها كما ادعت الحكومة. واعتبر الصفقة استنزافًا لموارد مصر الطبيعية التي تلتزم الدولة بتنميتها والحفاظ عليها بنص المادة 123 من الدستور والتي تنص على "يحدد القانون القواعد والاجراءات الخاصة بمنح الالتزامات المتعلقة باستغلال موارد الثروة الطبيعية". وقال في حيثيات حكمه: "أن الدستور حرص على حماية موارد الثروة الطبيعية للبلاد باعتبارها موردا مهما من موارد الدولة ليست ملكا للاجيال الحالية فحسب بل يشترك فى ملكيتها الأجيال المستقبلية".
والمستشار عطية معروف بأحكامه الوطنية الفارقة في أواخر حكم المخلوع مبارك، والتي قضى فيها بإلغاء الحرس الجامعى ومنع تواجده داخل حرم الجامعة، وكذلك الحكم بالسماح للقوافل الإغاثية بالدخول إلى قطاع غزة عبر منفذ رفح البري. صحيح أن الحكومة التفت على حكم بطلان صفقة تصدير الغاز لإسرائيل وأوقفته واستمرت في التصدير، ولكن الحكم كان له أثر كبير في إثبات فساد مبارك والنيل من هيبته والتجرؤ على نظام حكمه قبل ثورة يناير، كما كان له دور كبير في وقف التصدير تمامًا بعد ثورة يناير، وتقلد عطية منصب وزير مجلسي الشعب والشورى وتنمية الإدارة المحلية بعد الثورة المباركة.
وقال القاضي في حيثيات الحكم إن: "ما نطقت به الأوراق من سرعة متناهية وتعاصر مريب فى إنشاء الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (شركة قطاع عام) وإنشاء شركة شرق البحر الأبيض المتوسط وهى شركة مساهمة قطاع خاص وتعديل نشاط الشركة الأخيرة والغرض منها ثم منحها -فور ذلك- دون غيرها عقد امتياز واحتكار شراء الغاز الطبيعى المصرى الذى يتم تصديره إلى إسرائيل، الأمر الذى يثير التساؤل عن أسباب ذلك التزامن العجيب وعن السرية والتكتم الشديد الذى فرضته جهة الإدارة حول صفقة بيع الغاز المصرى لإسرائيل وحجب تفاصيلها عن الشعب ونوابه وذلك ما يتعارض مع الشفافية التى بات أمرها مستقرا فى ضمير الأمة والعالم المتحضر، كما أنه يخل بالثقة الواجب توافرها فى تعاملات جهة الإدارة"، وكلها اعتبارات يصلح الاحتكام إليها في إبطال صفقة استيراد الغاز من إسرائيل للتشابه الكبير بين ملابسات الصفقتين.
في غياب الفارس
شبه السفير إبراهيم يسري صفقة تصدير إسرائيل الغاز لمصر باحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية استنادا إلى وعد بلفور المشؤوم وبيعها مرة ثانية للفلسطينين أو طردهم منها. وأقام دعوى ضد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الاقتصادية التي وقعتها مصر مع قبرص عام 2003، وقال إن حقلي الغاز في شرق البحر المتوسط، ليڤياثان الذي أعلنت إسرائيل عن اكتشافه في 2010 وتقوم بتصدير الغاز منه إلى مصر ضمن الصفقة، وأفروديت الذي اكتشفته قبرص باحتياطيات يقدر سعرها بحوالي 200 مليار دولار، يقعان ضمن المياه الاقتصادية المصرية الخالصة.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2013، عقد الرئيس المؤقت، عدلي منصور، اتفاقية مع رئيس قبرص الجنوبية في حضور رئيس الوزراء حازم الببلاوي، ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، بشأن تنمية الخزانات الحاملة للهيدروكربون عبر تقاطع خط المنتصف، في غياب البرلمان المخول بالتصديق على هذه الاتفاقيات.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، صدق الجنرال السيسي بالموافقة على الاتفاقية، ونُشرت في الجريدة الرسمية من دون عرضها على البرلمان. ومن موقع مسؤوليته الوطنية، اعترض السفير إبراهيم يسري على إجراء السيسي، ورفع المناضل دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لوقف الاتفاقية التي أفقدت مصر نصف حقها في المياه الاقتصادية لصالح قبرص وإسرائيل، لكن المحكمة قضت بعدم الاختصاص بنظر الدعوى، وقالت إن تلك الاتفاقيات تدخل ضمن أعمال السيادة التي تخرج عن اختصاص القضاء.
طعن يسري على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، ولا تزال القضية منظورة أمام المحكمة ولكن الفارس الذي أبطل صفقة تصدير الغاز المصري لإسرائيل بسعر بخس ترجل في يونيو/حزيران الماضي، وتبقى مصر في انتظار فارس وطني يقوم بدوره في التصدي للقضية ويمنع تبديد مواردها الاقتصادية.

وداعا يا نيل مصر

الثلاثاء، 19 مارس 2019

حظر البصل المصري بالسعودية..

حظر البصل المصري بالسعودية.. ابن سلمان يفضله هنديًا!

شددت السعودية الاشتراطات على المنتجات الزراعية المصرية لصالح الحليف الهندي بعد زيارة ولي العهد فبراير الماضي باسبوع واحد فقط.

عبدالتواب بركات

أكاديمي وكاتب مصري ، دكتوراه في العلوم الزراعية.

 استاذ مساعد في مركز البحوث الزراعية، عمل مستشارا بوزارة التموين والتجارة الداخلية

أغلقت المملكة العربية السعودية أبوابها أمام المنتجات الزراعية المصرية بأربعة شروط كي تستطيع دخول إلى أسواق المملكة، وهي أن تخضع المصانع المصرية المصدرة للمنتجات الغذائية للتفتيش والرقابة من جانب لجنة فنية سعودية وهيئة سلامة الغذاء المصرية، وأن تعتمد وزارة الزراعة المصرية أو هيئة سلامة الغذاء المزارع الموردة للمملكة، وأن تخضع المنتجات المصرية لاختبارات معملية فى الموانئ المصرية قبل تصديرها إلى المملكة من خلال شركتين أجنبيتين ابتداء من شهر مارس الجاري.
تعلم سلطات المملكة أن 98% من الشركات المصرية والبالغ عددها 2606 شركة تفتقد الاشتراطات الجديدة، ما يعني تعمد منع نفاذ المنتجات الزراعية المصرية للاسواق السعودية.
وفي الوقت الذي طالب المجلس التصديرى للصناعات الغذائية المصري السعودية منح الشركات المصرية مهلة مقدارها 6 أشهر للوفاء باشتراطاتها الجديدة، اكتفت بالسماح لعدد 46 شركة فقط للتصدير إلى أسواقها وفق الاشتراطات الجديدة، بنسبة 1.7%.
وبالرغم من تقديم تسهيلات لشركائها الدوليين فرضت السعودية اختبارات معملية على المنتجات المصرية من خلال شركتين أجنبيتين تتكلف العينة الواحدة من 450 حتى 3500 دولار، ما يعادل 7800 جنيه حتى 61000 جنيه، وإذا نجحت شركة واحدة في استيفاء الاشتراطات، فإن منتجاتها لن تنافس في السوق السعودي القريب جغرافيًا من مصر ولن تجد من يشتريها بسبب تكلفة الاختبارات الاستفزازية.
حظر البصل المصري
في السابع عشر من يناير الماضي حظرت المملكة استيراد البصل من مصر، وأصدرت وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية بيانًا ذكرت فيه أن الحظر جاء بسبب احتواء البصل المصري على متبقيات مبيدات بنسبة أعلى من الحد المسموح به عالميًا..
المبرر السعودي لحظر البصل المصري غير علمي، إذ تحتوي أوراق البصل على طبقة شمعية تمنع استقرار المبيدات على سطحها وتقلل امتصاصها داخل الأوراق.
ولم تكتفِ المملكة بحظر شحنات الشركة المخالفة فقط، بل حظرت كل واردات البصل من مصر، ما يعد انتهاكا لاتفاق يلزم السلطات السعودية بوجوب إخطار الحجر الزراعي المصري حتى يوقف شحنات الشركة المخالفة وحدها ودون غيرها من الشركات المنضبطة. كما لم تُخطر السلطات السعودية نظيرتها المصرية بقرار الحظر، وعلمت الأخيرة بقرار الحظر من وسائل الإعلام، وليس من قنوات الاتصال الدبلوماسية بين البلدين، ما يعد تشهيرا بالمنتجات الزراعية المصرية في السوق الدولية.
السلطات السعودية خيرت المصدرين المصريين بإعدام حاويات البصل على أرض المملكة ودفع 1800 دولار تكلفة لإعدام كل حاوية، أو إرجاع البصل إلى بلد المنشأ وهو مصر، وهو ما يكلف الحاوية الواحدة قرابة 6 آلاف دولار. وبالتالي خسر المصدرون 100 ألف جنيه في كل حاوية تحتوي على 29 طنا، وخسر آلاف من العاملين في محطات التصدير مصدر الرزق لهم ولأولادهم.
السعودية انفردت بقرار الحظر ودون أن تحظره دولة واحدة من 25 دولة تستورد البصل المصري ومنها: روسيا وبريطانيا وفرنسا واليابان وبلجيكا والولايات المتحدة الأمريكية، وجميعها تتشدد في مواصفات المنتجات الغذائية التي تدخل بلادها أكثر من السعودية، ما يجعل القرار السعودي في حاجة إلى سبب آخر للحظر غير المبرر.
حظر السعودية البصل وغلق الباب أمام باقي المنتجات يشكك في حرصها على مصالح الشقيقة الكبرى ويعيد إلى الذاكرة مشاركتها لروسيا والولايات المتحدة في حظر المنتجات المصرية بسبب رفض مصر استيراد القمح الملوث بفطر الإرغوت المسرطن من الدولتين في 2016، وليس لأسباب صحية كما قيل، بدليل أن الدولتين علقتا الحظر في نفس الموسم الزراعي بعد قبول مصر استيراد القمح الملوث بالإرغوت ثم تبعتهما السعودية مباشرة بتعليق الحظر.
استقرار السوق وعدم تذبذب الطلب من موسم إلى آخر هو شرط نجاح العلاقات التجارية بين الدول.
في المقابل فإن حظر السعودية البصل المصري يعني غلق السوق وخراب بيوت الآلاف من الفلاحين المصريين الذين يزرعون البصل كل عام في مساحة 15 ألف فدان من أجل السوق السعودي أكبر مستورد للبصل المصري بمعدل 200 ألف طن، وهي تمثل قرابة 50% من إجمالي صادرات مصر من البصل، وبالتالي يفقد الآلاف المزارعين والعمالة الزراعية اليومية في المزارع ومحطات التصدير مصدر رزقهم.
إساءة سعودية ودفاع تركي
بعد حظر السعودية البصل المصري، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تخوفات من جودة المنتجات المصرية في الدول التي تستوردها. وكتب ناشط يعيش في إيطاليا، وهي من أكبر الدول المستوردة للمنتجات المصرية يقول إن: "أغلبها تسقى بماء الصرف الصحي". واعتبر آخر يعيش في ليبيا، وهي كذلك تستورد المنتجات المصرية بكميات كبيرة، سبب رفض المنتجات المصرية لأنها: "الصرف الصحي والوباء والسرطان".
وعلق مواطن سوداني يقول: "لأن أغلب المنتجات أصبحت مغشوشة وبها نسبة عالية من المواد المسرطنة المضرة بصحة الانسان". وقال آخر: "كيف لدولة يوجد بها 17 مليون حالة فيروس سي أن تقوم بتصدير الأغذية". وعلق مواطن من الكويت بقوله: "علشان مسرطنة". كتب آخر يقول: "كلها بلهارسيا وفيروس الكبد".
وفي روسيا التي تستورد 70 ألف طن من البصل المصري سنويًا كتب موقع إيست فروت الروسي يقول إن "المشكلة الرئيسية هي أن هذا الحظر لم يكن له تأثير سلبي على الأسعار في البلاد فحسب، بل أثر أيضًا على سمعة البصل المصري، والتي سيتم الآن فحصها والتدقيق فيها بعناية أكبر" ..
وهكذا أساءت المملكة إلى سمعة المنتجات المصرية وعرضتها للخسائر.
في الوقت الذي تدعي فيه الحكومة المصرية أن المملكة السعودية الحليف الأكبر لمصر، وأن تركيا هي الشيطان الأكبر وداعمة الإرهاب في مصر، فقد وافقت تركيا على طلب للحكومة المصرية باستيراد البصل من مصر بعد أسبوع واحد من قرار الحظر السعودي وبكميات غير محددة ما يعطي فرصة للمزارعين والمصدرين المصريين لتعويض السوق السعودي.
وبالرغم من التوتر السياسي بين البلدين إلا أن تركيا لم تقطع العلاقات التجارية مع مصر، ولم توقف اتفاقية التجارة الحرة المشتركة، ولم تحظر المنتجات الزراعية المصرية كما تفعل السعودية، ولم تفضل البصل الهندي على المصري كما فعلت السعودية.
لعنة خاشقجي
على هامش قمة العشرين في الأرجنتين نهاية العام الماضي، التقى رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليشارك في كسر العزلة الدولية التي أحاطته بعد جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في تركيا في مقابل استثمارات سعودية في عدة مجالات.
ووفق وكالة الأنباء السعودية الرسمية كان جوهر الاستثمار في المجال الزراعي عبارة عن إحلال الواردات الهندية الزراعية محل الواردات الزراعية من دول أخرى إلى المملكة.
وقبل القرار السعودي بحظر البصل المصري بأسبوعين فقط، كتبت وكالة رويترز تقريرا قالت فيه إن الهند تعاني من انهيار حاد في أسعار البصل بسبب انخفاض طلبات التصدير إلى منطقة الخليج، وإن المزارعين الهنود قاموا باحتجاجات وأغلقوا الطرق السريعة وألقوا البصل على الطريق بعد أن انخفضت الأسعار إلى أقل من روبية واحدة للكيلوغرام الذي يكلف 8 روبيات.
ورصد مراسلو رويترز استياء المزارعين بسبب انخفاض أسعار البصل ما يضر بشعبية حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء نارندرا مودي في الولايات الريفية في الانتخابات المزمعة في مايو القادم.
ثم شددت السعودية الاشتراطات على المنتجات الزراعية المصرية لصالح الحليف الهندي بعد زيارة ولي العهد فبراير الماضي للهند بأسبوع واحد فقط. وقد صرح مصدر مطلع بهيئة الغذاء لصحيفة القبس الكويتية بأن إيقاف استيراد البصل المصري في السعودية جعل التجار السعوديين يتجهون إلى السوق الهندية مباشرة، وهو ما رفع سعر البصل الهندي في السوق الخليجي إلى 300 دولار بعد أن كان في الأسابيع الماضية بـ 230 دولارا.
خسائر مضاعفة
والسعودية هي المستورد الأول للحاصلات الزراعية المصرية، وبلغت وارداتها 767 ألف طن بقيمة بلغت 329 مليون دولار في موسم التصدير الماضي، وهي تسبق كل من روسيا التي استوردت 767 ألف طن بقيمة 326 مليون دولار، والإمارات التي استوردت 220 ألف طن بقيمة 114 مليون دولار، وهولندا التي استوردت 222 ألف طن بقيمة 148 مليون دولار، وبريطانيا التي استوردت 144 ألف طن بقيمة 135 مليون دولار.
حظر السعودية المنتجات المصرية يحرم المصريين العاملين بالمملكة وأسرهم المقيمين معهم، والذين بلغ تعدادهم قرابة الثلاثة ملايين مصري من منتجات بلادهم التي يفضلونها على غيرها، لزيادة دخل بلدهم من العملة الصعبة.
إقبال المصريين على المنتج المصري كان سببا رئيسا في أن تصبح السعودية المستورد الأول للمنتجات المصرية، ولم يكن للسعودية أي دور في تفضيل المنتج المصري على غيره من المنتجات الأجنبية.
حرمان المقيمين المصريين من استهلاك منتجات بلادهم يزيد من خسائر قطاع التصدير الزراعي المصري والذي يعمل به 35% من إجمالي القوى العاملة.