السبت، 25 يوليو 2026

أوراقُ الفتنة

أوراقُ الفتنة
مقدمة أولى: التاريخُ فيه سُمٌّ قاتل



علي فريد الهاشمي 

حَدَّثّنَا (أحمد موسى)؛ قال:
حَدَّثَنا (عمرو أديب)؛ قال:
حدثنا (إبراهيم عيسى)؛ قال:
حدثنا (مصطفى بكري)؛ قال:
"رأيتُ الرئيس (محمد مرسي) في بهو من أبهاء قصر الاتحادية وهو يتحدث مع السفيرين القطري والأمريكي، فاقتربت منهم دون أن يشعروا بي؛ فسمعتهم يتكلمون عن بيع قناة السويس لأمريكا، ورهن الأهرامات لقطر، واقتسام (تيران وصنافير) بين مصر وإسرائيل؛ فأصابتني رجفةٌ من هول ما سمعت وغصصت بريقي وغلبتني كحة لم أستطع كتمها، فانتبهوا لي، ونظر مرسي إليَّ شزراً ثم أمر حرسَه بإخراجي إلى بهو الصحفيين!!

***

لا أحد يملكُ عقلاً يُمكن أن يُصَدِّقَ هذه الرواية..
لا لوضوح الكذب والتلفيق في متنها ومضمونها- فكثيرٌ من العامة والخاصة صَدَّقوا أكثرَ مِن هذا ومستعدون لتصديق أكثر من هذا- ولكن لِسَنَدِها الغارق في الظلمات!!
كلنا يعرف الآن مَن هو (عمرو أديب) ومن هو (أحمد موسى)، ومَن هو (إبراهيم عيسى)، ومَن هو (مصطفى بكري)..
نحن لا نحتاج إلى مَن يُخبرنا بحقيقة هؤلاء الكذبة المرتزقة.. فأية رواية وجدنا بين رواتها هؤلاء وأمثالهم؛ فإننا سنكذبها ابتداءً، ونعرف اختلاقها أو تحريفها.. وأيّ كتابٍ وجدنا صاحبه يستشهد بروايات هؤلاء وأقاصيصهم فقط؛ فإننا سنشك في الكتاب وصاحبه رأساً، وسنتوقف في الأخذ عنه أو الاستشهاد به..
اللهم إلا إنْ جاءت تلك الروايات أو بعضها عن طريقِ ثقاتٍ مشهورين بالصدق والعدالة، أو إنْ عايشناها بأنفسنا وشاركنا فيها، أو إنْ رأيناها صوتاً وصورةً وحركة؛ دون تدخل تقني يتلعب بها أو يقتطع أجزاءها.. والعينُ تُخدَع والبصرُ يزيغ!!

هَب الآن أنه بعد مائتي سنة، أو ألف سنة من زمننا هذا- إن كان قد بقي في الزمن ألف- أراد باحثٌ صادق أو مؤرخٌ عَدْل أن يكتب تاريَخ الثورة المصرية التي عشناها جميعاً؛ فلم يجد- لأيِّ سبب من الأسباب- سوى أحمد موسى، وعمرو أديب، ومصطفى بكري، وأضرابهم؛ لينقل عنهم تاريخ الثورة المصرية لجيله وللأجيال اللاحقة.. هَبْ أنَّ ذلك حدث.. كيف تتخيل أنَّ يكون الحال آنذاك؟!

هذا بالضبط ما فعله (الإمام الطبري) رحمه الله وغفر له في تاريخه المشهور؛ حين روى تاريخ الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم، وتاريخَ ما تلا ذلك من فتن صاحبت قيام الدولة الأموية؛ معتمداً- في الأعم الأغلب مِن كتابه- على مُتَّهَمين بالكذب، أو وَضَّاعين وسبئية، أو شيعة وروافض؛ مثل: محمد بن السائب الكلبي، وهشام بن محمد الكلبي، وأبي مخنف لوط بن يحيى، ومحمد بن عمر الواقدي.. وغيرهم مِن أمثالهم.

وقبل أن يظنَّ ظانٌ أننا نتجاوز حدود الأدب مع الإمام الطبري رحمه الله؛ فإننا نسارع فنقول ما تعلمناه من أشياخنا- وإنْ كان في النفس منه شيءٌ وأشياء- أنَّ الطبري رحمه الله جرى في تاريخه على نسق زمنه في الجمع والتكثر والإسناد دون تعليق منه أو شرح؛ "ومن أسند فقد أحال، ومَن أحالَ فقد سَلِم"؛ فخرج بإحالاته مِن مظان التُّهَمِ ودهاليز الرِّيَب..
وهذا الكلام الذي ينشب في الحلق فيستعصي على البلع وإنْ شربت وراءه قربة ماء؛ يستشهدون له بقول الطبري في مقدمة تاريخه:"
" فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدي إلينا".
لا أعرف أحداً تكلم في مرويات الطبري- مَدحاً أو قَدحاً- إلا استشهد بهذا النص أو جوبه به؛ حتى صار هذا النص كالقميص الواقي من الرصاص، أو كمسمارٍ أمام منشار!!
وهذا النص وإنْ كان فيه كثيرٌ من الوجاهة إلا أنَّ خلاصته كالتالي:
سأنقل لك تاريخ الثورة المصرية عن أحمد موسى، وعمرو أديب، وإبراهيم عيسى، وأمثالهم، ثم أنت بعد ذلك وشأنك.. إنْ لم تُصدِّقْ فَعُدْ وَدَقِّق!!
ومع أنَّ هذه الخلاصة حقيقة واقعية مجردة.. إلا أنَّ فيها شيئاً من ظلمٍ للطبري رحمه الله، وذلك لسببين؛ الأول: أنَّ الطبري لم ينفرد بهذا المنهج من بين المؤرخين؛ فكلهم أو أغلبهم كانوا ينهجون هذا النهج في روايات التاريخ والأدب..
والثاني: لأنَّ علم التاريخ آنذاك- إنْ صح أن يُسمى علماً في أولياته- لم يكونوا يعتمدون في مروياته على التثبت والتحقق والتدقيق بقدر اعتمادهم على الجمع والتكثر؛ فهو روايات شفاهية ينقلها إنسان عن إنسان غير مشترطٍ- غالباً- صِدق الناقل أو دِقَّةَ المنقول؛ على عادة العرب والناس عامةً في رواية أخبارها ووقائعها.. ومن هنا جاءت التسمية الأولى لهذا العلم ضمن مصطلح (أيام العرب) أو (أيام الناس).. ومعلومٌ أنَّ ما كان هذا شأنه؛ ربما تزيد فيه الراوي- فيما لا بأس به غالباً، أو فيما به بأس أحياناً-؛ فَبَهَّرَ الخبرَ وَحَسَّنَهُ، وأضاف إليه مِن الأقوال والأفعال ما يرفع به ذِكر قبيلته، ويُشيع به مآثرها، ويعلي به كعبها، ويتكثر به من أشعارها وخُطَبِهَا؛ (كالذي رُوي عن قريشٍ خاصةً مِن أنها كانت تتكثر من الشعر إذ لم يكن لها منه ما لغيرها من القبائل).. وكان الناس لا يحملون كلَّ هذا على محمل الجد دائماً، ولا يتوقفون عنده- غالباً- لإسقاطه وَرَدِّهِ؛ فهم يعرفون أنها أسمارٌ وأخبارٌ وأشعارٌ يُزجون بها أوقاتهم، ويفاخرون بها أندادهم، ويحفظون بها أنسابهم، ويثبتون بها وقائعهم، ويُنَشِّئون عليها أبناءهم..
وربما عرف السامعُ مكامنَ التزيد ومساقطَ الخطأ ومواقعَ المبالغة؛ فتغافل عن كل ذلك وأمضاه؛ إذ ليس السياق سياق تحقيقٍ وتدقيقٍ، أو منافسة ومنافرةٍ ينبني عليها حكم أو يترتب عليها خَطْب..
وهذا وأمثاله مِن طبائع الناس مُذ كان الناس، وهو كثيرٌ وعاديٌ ومطروقٌ، حتى في أيامنا هذه في حكايانا وأقاصيصنا (وسواليفنا).
ولا يعني هذا أنَّ المؤرخين (الصادقين، الخالين من الأغراض، المشهود لهم بالصدق والعدالة)؛ كانوا يتعمدون نقل الأكاذيب أو ترويج الأباطيل- كغيرهم من المؤرخين المتهمين-، ولكنهم كانوا يمارسون ما يمارسه الناس من التغاضي عن التدقيق والتمحيص في نقل التاريخ والآداب؛ لأنه تاريخ وآداب لا ينبني عليه عمل ولا يترتب عليه حكم، كما كانوا يعرفون أيضاً أنه من الصعب- وربما من المحال- أن تُروى الوقائعُ بحذافيرها، أو يصدق الرواةُ كلُّهم؛ فتسامحوا- من أجل ذلك- في الأخذ عن الصادق والكاذب، والصالح والطالح، والبريء والمتهم، والمُعَدَّلِ والمجروح؛ ما لم يتسامحوا بمثله في الأخذ عمن يروي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شرعٌ ودينٌ تنبني عليه أعمال، ويترتب عليه حلال وحرام.. والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كالكذب على غيره..
فأخذوا عن كل أحدٍ في التاريخ والآداب، ولم يأخذوا في الحديث إلا عمن ثبت صدقه وعدله وضبطه من غير شذوذ ولا علة.. ففرقوا بذلك- كما هو معروف- بين (منهج النقد الحديثي)، و(منهج الجمع التاريخي).
المفارقة هنا أنَّ التاريخ نفسه، أو (أيام العرب)، أو (أيام الناس) كان سبباً كبيراً من أسباب ظهور (منهج النقد الحديثي) نفسه..
(تذكر هذا جيداً واستصحبه معك في القراءة لتعرف أنَّ الأمر في التاريخ لم يعد- مع الزمن- أمر (سواليف) وأخبارٍ وأشعار؛ بل صار ديناً أو شبه دين ينبني عليه عمل، ويترتب عليه حكم)..
كان (يوم الدار)، أو (يوم عثمان) رضي الله عنه- وهو تاريٌخ وحَدَثٌ في أصله- سبباً كبيراً من أسباب ظهور هذا المنهج الضابط؛ فبعد استشهاده رضي الله عنه مظلوماً، وسيطرة الانقلابيين الخوارج على المدينة عاصمة الخلافة، وترويع أهلها، وتغيير نظام الحكم الإسلامي من الشورى إلى بدايات التغلب؛ ظهرت الفرق والجماعات السياسية والدينية التي ما كان صليل السيوف يهدأ بينها إلا ويبدأ صرير الأقلام وشقشقة الألسن؛ فكثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع الأحاديث على لسانه الشريف؛ لاستغلالها في المنافحة والملافحة..
وكان الناس حديثي عهد بتقوى لا يتخيلون أبداً أنه يُمكن لمسلمٍ أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيقول: قال، وهو لم يقل، أو فعل، وهو لم يفعل، أو أمر ونهى، وهو لم يأمر ولم يَنْه..
فلما كثر الأمر وخرج عن نطاق تقبل القول أو العمل أو الأمر أو النهي، إلى حدود الغرابة والدهشة ثم الاستنكار؛ تنبهوا لإمكانية الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وعلموا أنَّ النفوس تغيرت بعد الجيل الأول، وأنَّ أبناء الزمان أفسدتهم العصبية والحزبية؛ فبدؤوا- طَبْعَاً وتلقائيةً- في رَدِّ كثيرٍ مما يسمعون منسوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إما لأنَّ راوِيهِ مُتَّهمٌ عندهم بتحزبٍ أو بدعة (وهذا هو بعض نقد السند)، وإما لأنَّ الكلام الذي سمعوه منسوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُشبه كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم، أو كما يقولون: ليس عليه رداء النبوة، (وهذا هو بعض نقد المتن).
وكان لمعرفتهم بطبيعة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وتذوقهم طرائقَ كلام الجيل الأول أثر مبدئي في تمييز الصحيح من السقيم..
وهذا طبعي وفطري في الناس كلهم قديماً وحديثاً؛ فإنك مثلاً حين تسمع لأول مرةٍ كلاماً تستغربه أو تستحسنه أو تستقبحه؛ لا يخطر على بالك شيء أكثر من سؤالك: لمن هذا الكلام، أو من صاحب هذا الخبر، ثم بعد ذلك تنظر في الكلام وتدقق فيه، فإن كنتَ تعرف كلامَ المنسوب إليه، وغلب على ظنك- من معرفتك بطرائق كلامه- أنه يمكن أن يقوله؛ آمنتَ وصَدَّقت بنسبته إليه، وإلا رددتَه وقلت: لا يشبه كلام فلان.. ومَن عايش شعر الشعراء- مثلاً- وعرف طرائقهم في الكلام؛ سهل عليه- في الأعم الأغلب- حين يسمع بيتاً دون نسبةٍ، أو مختلفٍ في نسبته؛ أن يتوقع اسم صاحبه، أو يتوقع زمنه أولاً، ثم صاحبه ثانياً.. وهذا كثير ومتعارف عليه بين أهل كل فن، وهو وإن لم يصدق دائماً بسبب اختلاف الأذواق والفهوم؛ يمكن أن يُستَصْحَبَ لتقوية نِسبةٍ أو تضعيف أخرى.
بهذه البدايات أسسوا منهجاً نقدياً واجهوا به الأكاذيب وفضحوا به الكذبة، ثم تطور هذا المنهج تطوراً عظيماً عبر الأجيال حتى صار ميزةً لعلم الحديث بين العلوم، ومفخرةً لهذه الأمة بين الأمم.
وكان أكثر ما اهتموا به بعد ذلك هو البحث في سلسلة السند، والتفتيش عن عدالة الرواة وضبطهم، وتحديد طبقاتهم، والتأكد من لقاء بعضهم بعضاً، وأخذ بعضهم عن بعض..
وما اهتموا بنقد السند كثيراً إلا لمعرفتهم أنَّ نقد السند وإسقاطه؛ سيوفر عليهم عناء نقد المتن ورده..
فما الحاجة إلى نقد متنٍ في روايةٍ رواها- أو كان بين رواتها- أمثالُ: عمرو أديب، أو أحمد موسى، أو إبراهيم عيسى، أو لَوْحُ الثلج و(برطمان التوابل) يوسف زيدان؟! هي بالضرورة كاذبة غالباً، أو غير صحيحةٍ إلا إذا عضدها من هو معروف بالصدق والضبط والعدالة..
ثم لم يجدوا غضاضةً- بعد أخذٍ ورد- في الأخذ عن صاحب البدعة (غير المكفرة) فيما لا يعضد بدعته، وبشروط العدالة والضبط وعدم الدعوة إلى بدعته؛ لغلبة الظن أنه سيجر القرص إلى ناره؛ فَرَوَوا عن الشيعة الأوائل الذين كانوا (فقط) يُفَضِّلونَ علياً على عثمان- وكان تفضيلُ عليٍ على عثمان بدعةً آنذاك-، كما رووا عن الخوارج في غير بدعتهم أيضاً وبالشروط ذاتها..
والخوارج في الرواية أقل خطراً من الشيعة؛ إذِ الخارجيُّ لا يكذب عليكَ وإنْ قتلك؛ لأنه يرى كفر مرتكب المعصية أو الكبيرة؛ والكذب معصية.. فهو لاعتقاده أنَّ الكذب يُخرجه من الملة؛ يمكن أن يقتلك ولكن لا يمكن أن يكذب عليك.. أما الشيعي فيقتلك، ويكذب عليك، ويرى قتلك ديناً، كما يرى الكذب عليك ديناً!!

***

ما سَبق شَرحٌ شديدُ الاختصار لطبيعة المنهجين:
التاريخي القائم على الجمع والتكثر، والحديثي القائم على التنقية والتحرز.. ولا يُعدَم أن تجد في أوليات المنهجين شذوذاً عن هذه القاعدة؛ فيمكن أن تجد مؤرخاً يتحرز في رواياتِه وينقِّيها؛ فلا ينقل عن كلِّ أحدٍ، ولا يوغل في ذكر تفاصيل لا جدوى لها غالباً، أو اختلُفَ في صحتها؛ كخليفة بن خياط، وعوانة بن الحكم، وسيف بن عمر.. كما يمكن أن تجد مُحدِّثاً يغلبه منهج الجمع والتكثر فيروي كل حديثٍ سمعه أو قرأه طلباً للتكثر، وربما طلباً للرفعة والرواج المعنوي والمادي عند العامة والسلطان..
وفي علماء المدرسة الكوفية الكثير من هؤلاء؛ إنْ لم تكن المدرسة كلها أو أغلبها قامت على هذا وأمثاله.

والأصلُ في كل علمٍ جَمْعُهُ ثم تنقيته؛ فلا يُلام الجامعُ حال جمعه إلا إذا أصدر حكماً قبل التنقية.. والتنقية استبعادٌ وإثبات، والأصلُ في المُنَقِّي أن يشرح أسباب إثباته كما يشرح أسباب استبعاده، فإذا اقتصر الجامعُ على الجمع دون تنقية أو تعليق؛ بدا جمعُه للناس كأنه تنقية، فحكموا على (المجموع غيرِ المنقَّى) واستشهدوا به؛ فضلوا وأضلوا.. وهو ما حدث مع مرويات الطبري التاريخية خاصةً.
وهذا- إنْ جاز أو تُغُوفِلَ عنه في أخبار الماضين من الأمم الغابرة؛ مثل: طِسْم وجديس وعاد وثمود، وأساطير بَدء الخلق وأول الزمان، وترهات الرومان واليونان؛ مما يصلح للأسمار والترويح عن الأنفس-؛ لم يَجُز في رصد أعظمِ فتنةٍ عصفت بالأمة في أولياتها فلم تجتمع بعدها على إمام..
لأن هذه الفتنة لم تعد أخباراً تروى للسمر، أو حكايا تُحكى للترويح؛ بل صارت ديناً ومعتقداً بُنيت عليها أحكام، وترتبت عليها أعمال، واعتُقدت بسببها عقائد، وسُفكت فيها دماء، وقُسِّمَ بها خير القرون إلى ما يُشبه (الملائكة والشياطين)!!
وقد تنبه إلى هذا إمامٌ كبير في الجرح والتعديل؛ هو الإمام (الجوزجاني) رحمه الله؛ فكتب كلاماً مذهلاً فارقاً في بابِهِ يدل على بُعدِ نظرٍ، وشدة تحرز، وصدق توقع؛ فقال في كتابه (أحوال الرجال):
" فَيَا لِعبادِ الله أما لكم في المقانع مِن المبرزين وأهلِ الأمانة من المحدثين سعة ومنتدح أن تحووا حديثهم الذي رووه عن الثقات والمتقنين من أهل كل بلدة؛ فتعتقدونه فإنَّ في حديثهم لذي فهمٍ غنى، لا؛ ولكن كثيراً منكم جار عن الطريق، وجعل طلبه لهذا الشأن وجمعه نزهةً وشهوة، فإذا استُعتِبَ فيه قال: إنما أكتبه للمعرفة، فيا سبحان الله تكتبُ حديثَ أهل الصدق للمعرفة، وحديث المتهمين للمعرفة، فمتى تتركُ هذا؟! وعسى أن ينشأ بعدنا قومٌ فإنْ عوتبوا فيهم؛ قالوا: قد روى عنه فلان؛ فيتخذوه حجة، فكما نقول نحن اليوم لِبَعضِ البُلْهِ: لم تروي عن فلان؟! قال: أليس قد روى عنه فلان؟! فقد صار حديثُ أهلِ الزيغ أيضاً يُطلب بالطُّرقِ المظلمةِ بعد الحجة الواضحة.."
وهذا- كما ترى- نصٌ استشرافيٌ جليل استشرف به الجوزجاني رحمه الله ما حدث بعد ذلك فعلاً.. وهو وإنْ كان يقصد به الحديث الشريف؛ إلا أنه يصدق على كل رواية يُمكن أن يترتب عليها ما يترتب على الحديث الشريف..
والحديث الشريف نفسه- مع كل هذا- لم يسلم من الوضع أيضاً؛ فقد وضع الكذبةُ والمنافقون والمغرضون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثبتَ الضعفاءُ والمجروحون والموهَّنُون عنه صلى الله عليه وسلم؛ ما فاق أثَرُه السيء أثرَ أسوأ المرويات التاريخية لأسوأ الرواة التاريخيين؛ لأنَّ المسلم قد يرد أقاصيص التاريخ بأريحيةٍ غيرِ شاعرٍ بذنب أو حاملٍ لإثم، أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحسب المسلم أن يسمع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى يُسلِّم بالأمر والنهي والفعل والتقرير، ثم لا يُشكك في نسبة القول أو الفعل أو التقرير إليه صلى الله عليه وسلم إلا بعد بحث وتدقيق؛ ليريح ضميره ويتحرز من تحمل إثم الرد أو ذنب التشكيك.. ولهذا كان خطر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من خطر الكذب على غيره.. بل لا مقارنة بين الخطرين أصلاً.
الظريف في الأمر أن الإمام الجوزجاني رحمه الله كان شيخاً للإمام الطبري؛ أخذ عنه الطبري كثيراً من علمه، كما أخذ عنه الأئمة: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم.. ومن غير المُتَصَوَّرِ عقلاً ألا يكون الطبري قرأ هذا النص في كتاب شيخه، أو سمعه، أو سمع منه في دروسه المباشرة ما هو أشد منه؛ فالجوزجاني رحمه الله كان معروفاً بالصلابة والحدة في نقد الرجال وسلاسل الإسناد؛ خاصة تلك المتعلقة بالتشيع والمدرسة الكوفية،- وكان مُصيباً في ذلك وبعيدَ نظر فيه رحمه الله- وربما غلبته حِدَّتُهُ فاشتد في إطلاق عبارات الجرح بقسوةٍ بالغة، حتى توقف كثيرٌ من المُحّدِّثين في قبول جرحه لراوٍ بعينه إنْ انفرد بجرحه، بينما عدوا تعديله قمة التعديل.. وهو صاحب القاعدة السابقة (جواز الأخذ عن صاحب البدعة الصدوق في غير ما يعضد بدعته).
والطبري عموماً لا تغيب عنه هذه المضامين وأمثالها؛ بيد أنَّه رحمه الله غلبته طبيعته الموسوعية المحبة للجمع والتكثر، وتقصي روايات السابقين وأقوالهم في المسائل التي يتناولها.. وهي طريقة غلبت على كثير من علمائنا الأجلاء عبر تاريخنا كله، خاصةً في العهود المتأخرة.. ولعل السيوطي رحمه الله خير مثال على ذلك؛ فقد شَابَه الطبريَّ ومَاثَلَهُ في الجمع والتكثر والتفسير بالمأثور؛ حتى لتكاد تشعر وأنت تطالع نتاج الرجلين رحمهما الله أنهما تخيلا أنَّ طوفاناً كطوفان نوح سيضرب الأرض ويعفي الآثار ويمحو العلم؛ فهما يجمعان كل شيء حتى لا يضيع..
وهذا وإنْ كان فيه خيرٌ كثيرٌ كثيرٌ كثيرٌ لطالب العلم؛ إلا أن خطره على العوام لا يُستهان به؛ بل وعلى طلبة العلم أيضاً؛ فإنك ستعاني الأمرين حتى تُفهِمَ العاميَّ حقيقةَ الأمر حين يأتيك بروايةٍ غايةٍ في الغرابة والبشاعة، ثم يقول لك: انظر إنها في الطبري، إنها في البداية والنهاية، إنها في مستدرك الحاكم.. وهذا العامي ربما يكون من حملة (الماجستير والدكتوراه) في فنٍ غير فن الرواية أو التاريخ أو ما يسمونها العلوم الإنسانية عموماً.. أما طلبة العلم المتحزبين، أو المغرضين، أو السائرين على الأثر، وعلى كُلِّ أثر؛ فإنَّ الأمرَّيْنَ اللَّذَين عانيتَهما مع العامي سيصيران مع هؤلاء ألف مُرِّ ومُرّ، وستصبح كلمات مثل: (الاستحسان) و(الاستصحاب)، و(غلبة الظن)، و(يُعملُ به في فضائل الأعمال)، و(مَن سلفك في هذا)؛ رصاصاً مذاباً يُصَبُّ في أذنيك صَبَّاً!!
ومع ملازمة هذه الطبيعة له؛ إلا أنَّ الطبري رحمه الله- وكما هو معروف- لم يسحب منهجه في التاريخ إلى التفسير والفقه والحديث؛ فهو في هذه العلوم يجمع أيضاً؛ ولكنه يُنَقِّي ويُهَذِّبُ ويُعَلِّقُ ويُبدي الرأي ويُرَجِّحُ ويتحرى روايات المُعَدَّلين في الإسناد؛ لارتباط هذه العلوم بما يحرم التجوز فيه من قرآن كريم وسنة مطهرة..
ولذلك لم يرو شيئاً لأبي مخنف في تفسيره وحديثه وفقهه؛ بينما روى له في تاريخه قريباً من ستمائة روايةٍ؛ خصص منها لبيعة علي رضي الله عنه، ولما سبقها من مقتل عثمان رضي الله عنه أكثر من مائة وعشرين رواية، كما خصص لموقعة كربلاء ومقتل الحسين رضي الله عنه أكثر من مائة رواية، ثم وزَّع بقيتها على أكثر من مائة وعشرين سنة؛ من خلافة الصديق رضي الله عنه إلى نهاية الدولة الأموية سنة 132ه؛ مروراً بخلافة معاوية رضي الله عنه، واستخلاف يزيد رحمه الله، وموقعة الحرة، وحركتيْ المختار الثقفي والتوابين، ومعارك الخوارج..
ولا يعني هذا أنَّ الطبري جعل أبا مخنف عمدته في الرواية؛ بل كان- كما يبدو- يتخير الرواةَ للأحداث؛ فهو يُغَلِّبُ الأخذ عن (سيف بن عمر) في الردة وبعض الفتوح، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (ابن إسحاق) في السيرة والمغازي، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (الواقدي) في سرايا وغزوات العهد الراشدي، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (عوانة بن الحكم) في أخبار الدولة الأموية وصراعاتها، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (ابن السائب الكلبي) في الأنساب والفتوحات الأولى، ويُغَلِّبُ الأخذ عن (المدائني) في أواخر الدولة الأموية وبدايات العباسية.. وهكذا تجده يتنقل بين الرواة من راوٍ لآخر بحسب الأحداث؛ إمَّا لغلبة ظنه أن هذا الراوي هو الأعلم بالحدث، أو أنَّ روايته هي الأليق بالتصديق والأقرب للواقع؛ وإما- وهو ما أميل إليه بشدة- لمجرد الجمع والتكثر؛ بغض النظر عن الصدق والكذب.
وواضحُ هنا أنَّ الطبري رحمه الله اختار أسوأ الرواة (أبا مخنف) لأسوأ أحداث تاريخنا (مقتل عثمان، وبيعة علي، ومقتل الحسين)؛ وهي أحداثٌ مفصليةُ صارت- أو صُيِّرَتْ بفعل السياسة والتحزب- سبباً في إفرازِ ومراكمةِ أسوأ أنواعِ الدمامل والصديد عبر عصورنا الإسلامية كلها.. ثم جاء الطبري رحمه الله وصبغها باسم هذا الشيعي الكذاب، حتى ليصح أن يقال- مع بالغ الاحترام للطبري: لولا الطبري ما كان أبو مخنف!!
***
سيقول لكَ أهلُ الاختصاص: إنَّ إخضاع تاريخ الطبري لمناهج النقد الحديثة عملٌ غير مستحسن، والأفضل النظر إليه بعين زمنه.. وهذا الكلام وإنْ كان مغرقاً في التجريد العقلي الجاف؛ إلا أنَّه يؤكد ما نحاول تقريره في هذا المقال.. فحين نظرنا إلى تاريخ الطبري بعين زمنه؛ وجدنا عينَ زمنه تقول لنا:
احذر مما تقرأ فإنَّ جُلَّهُ مرويٌ عن عمرو أديب، ومصطفى بكري، وإبراهيم عيسى، وأحمد موسى.. فإذا رأيت سَقَطَ أبناءِ الزمان، و(عيالَ الفيس بوك) يكتالون من هذه الروايات بالكيلو (ويتنططون) بها أمام الناس، ثم يرمونها في وجوههم؛ معتمدين على نظافة اسم الطبري؛ فأخبرهم أنَّ نظافة اسم الطبري لا تنسحب على (قذارة) أبي مخنف، وإبراهيم عيسى، وأنَّ أمانة الطبري في النقل المُسنَد لا تنسحب على (خيانة) ابن السائب، ومصطفى بكري في الكذب المفضوح!!
صحيحٌ أنَّ إخبار هؤلاء العيال بهذا وأمثاله لن يردعهم عن (النطنطة) والتقافز.. بيد أنه سيُشِيعُ بين الناس منهجيةَ (السند) في النقل عن كتب الثقات، ثم منهجية (الفهم) لطبيعة تلك الكتب بحسب تخصصاتها.. وشيئاً فشيئاً سيبدأ الناس في قراءة الطبري وأمثاله من خلال (السند)؛ فلا يقولون بعدها: "قال الطبري: وكان تحت منصة (رابعة العدوية) نَفَقٌ ينتهي بكُرةٍ أرضية يمارس فيها المعتصمون (جهاد النكاح)، وتعذيب المخالفين وقتلهم ودفنهم فيها.. وقد حدثتنا قناة الميادين الشيعية أنَّ هذا النوع من الجهاد انتقل إلى سوريا وشاع فيها؛ حتى لا تكاد تجد مجاهداً إلا مارسه أو حرص على ممارسته.." لن يقولوا إنَّ الطبري قال ذلك؛ بل سيقولون: هذه روايات الكذبة أبي مخنف، وأحمد موسى، وابن السائب، وعمرو أديب؛ بالإضافة إلى منصات الشيعة الإعلامية التي كانت تمارس- فيما يخص سوريا- دعايةً سوداء ضد المجاهدين في الإعلام؛ بالتزامن مع قَتْلِ ميليشياتهم للمسلمين السوريين على الأرض..
الظريف- وهذه جملة اعتراضية- أنَّ الذي مارس القتل حقيقةً في (رابعة) كان هو النظام المصري الذي أشاع هذه الأكاذيب ضد معتصمي رابعة.. والذي مارس (قتال النكاح) حقيقةً في سوريا؛ كان هو النظام النصيري الشيعي الذي جَنَّدَ مَن أسماهنَّ (صبايا العطاء) للتشبيح والترويح عن الضباط الروس الصليبيين والضباط الإيرانيين المشركين.. ولا غرابة في هذا عندهم؛ فالشيعة يمارسون ذلك يومياً من خلال (المتعة) التي يعتمدونها ديناً!!
***
بهذه الطريقة في القراءة سيفهم الناس شيئاً فشيئاً طبيعة التأليف في علم التاريخ قديماً، كما سيفهمون طبيعة الطبري في الولع بالجمع والتكثر الذي كان منهجاً شائعاً في التأليف آنذاك.. بل والآن أيضاً؛ فإنَّ أحداً لا يؤلف كتاباً أو يكتب بحثاً إلا جمع وحشد له غالبَ ما كُتبَ في موضوعه.. وحسبك أنك لا تكاد تخطو خطوةً في أبحاث (العَالِمية) التي يسمونها الماجستير والدكتوراه إلا وتصاحبك أسئلةُ المشرف عليك: هل جمعت كل ما يخص موضوعك؟! هل استقصيتَ كل الآراء فيه؟! هل طالعت الدراسات السابقة؟! وهكذا دواليك تجمع، ثم تصنف، ثم ترتب، ثم تنقح، ثم تنقد، ثم تتابع أو تخالف..
***
وقد كان في الإمكان التغاضي عن جَمْعِ الطبري وروايتهِ عن المشهورين والمُتهَمِين بالكذب والرفض والسبئية؛ إنْ هو نقَّح واستدرك ونقد وأبدى رأيه.. كنا سنعرف- على الأقل- موقفه من الأحداث بدلاً من تعريض اسمه لتهمة التشيع التي برأه منها جلة العلماء قديماً وحديثاً.. وقد أحسن ابن كثير في هذه النقطة تحديداً؛ فعلى الرغم من اعتماده في (البداية والنهاية) على تاريخ الطبري ومروياته في الفتنة- بما فيها مرويات أبي مخنف- إلا أنه كان يُحَذِّرُ مِن الاغترار برواياته، وينتقد إكثار الطبري من الرواية عنه، ويستدرك وينقح ويُبدي رأيه رفضاً وتشكيكاً.. وهذا ما لم يفعله الطبري- جرياً على عادة التسامح في رواية التاريخ-؛ فلم ينتقد ولم يعلق، "ووقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح"؛ كما قال- الأستاذ شاكر مصطفى في موسوعته: (التأريخ العربي والمؤرخون)، "ولم يحاول استخلاص الروايات الموثقة مما جمعه، وترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفياً بالعزو إلى المصادر"؛ كما قال الأستاذ أكرم ضياء العمري في كتابه (عصر الخلافة الراشدة)؛ ما "أدى إلى تراكم الروايات الكاذبة والمستشنعة عن تاريخنا الإسلامي عبر العصور، وترسيخ الأوهام والأباطيل عنه في أذهان الناس" كما قال الأستاذ محمد طاهر البرزنجي في كتابه (صحيح وضعيف تاريخ الطبري).
كان هذا أكبر انتقاد وُجِّهَ للطبري رحمه الله في تاريخه؛ بالإضافة إلى انتقادات أخرى؛ مثل: إكثاره من الحكايات الخرافية والإسرائيليات عن بدء الخلق، وأوليات الأمم، وقصص الأنبياء وأحوال العرب قبل الإسلام، وعُمْرِ الدنيا، ثم تجزئته للأحداث وتوزيعها بين السنين والعودة إليها في سنة أخرى، وقطعه رواية راوٍ لِذِكْرِ روايةِ راوٍ آخر وسط رواية الأول، وإغفاله بعضَ الأحداث الكبرى مثل فتح الأندلس ودولة بني أمية فيها.. وغير ذلك مما ستشعر به حين تقرأ الكتاب قراءة متصلة، أو ستجده مختصراً ومركزاً في مقدمات كتاب (صحيح وضعيف تاريخ الطبري).
***
سيثور في ذهنك الآن- ولعله ثار سابقاً- سؤالٌ يقول: ألم يجد الطبري- وهو مَنْ هو في علمه وصدقه وضبطه- رواة موثوقين في زمنه، وفيما رجع إليه من مصادر قبل زمنه؛ ينقل عنهم بدلاً من النقل عن كل هؤلاء المتهمين أو الكذبة أو الضعفاء؟!
والحقيقة أنه وَجَدَ موثوقين كُثر، وروى عن موثوقين كُثر، أو عمن هم أقومُ قيلاً أو أقل ضعفاً أو أكثر قبولاً، أو عن ضعفاء غير متهَمِين بكذبٍ أو تشيع؛ فقد روى عن ابن أبي خيثمة، ومحمد بن بشار (بندار)، ومحمد بن المثنى العنزي البصري، ويونس بن عبد الأعلى، وأبو كريب، وخليفة بن خياط، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم، وعمر بن شبة النميري؛ وغيرهم من أمثالهم على اختلاف مراتبهم في الموثوقية؛ بيد أنَّ روايته عن هؤلاء غابت أو طُمرت وسط ركام المرويات الأخرى لأسبابٍ عِدَّةٍ؛ منها:
الأول: أن المواضيع التي روى لهؤلاء فيها لم يثر حولها كثيرُ جدلٍ، أو كان الاختلاف حولها هَيِّنَاً لَيِّنَاً لم تتفرق الأمة بسببه؛ مثل الفتوحات الأولى، وخلافة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وبعض الأحكام، وبعض التفسير، وبعض تفاصيل الأنظمة الإدارية المستحدثة في الخلافة الراشدة، أو الدولتين الأموية والعباسية..
الثاني: أنَّ ما رواه عنهم فيما تفرقت الأمة بسببه كان قصيراً ومختصراً غالباً لا يروي غُلة الأقاصيص والحكايا والأساطير التاريخية، أو واقعياً بحسب حجمه الطبيعي آنذاك دون تهويل أو تزيد؛ فغالب روايات خليفة بن خياط، وسيف بن عمر، وعوانة بن الحكم؛ في مقتل الحسين مثلاً؛ كانت صفحات معدودة ليس فيها كثير تفاصيل، وبعضها- كرواية خليفة بن خياط- لا تكاد تُتِمُّ صفحتين..
الثالث: أنَّ ما رواه عنهم من مطولات فيما تفرقت الأمة بسببه؛ ظل دون زخم ملحمي كزخم مقتل الحسين؛ فروايته عن سيف بن عمر في مقتل عثمان مثلاً تجاوزت سبعين صفحة كان فيها من التوازن والواقعية والمعقولية ما يمكن أنْ يُقرِّبها من الحقيقة؛ بيد أنها ظلت- منذ ذلك التاريخ وحتى الآن للأسف الشديد- حادثةً عاديةً أو أقرب إلى العادية إذا قورنت بزخم حادثة الحسين.. هذا على الرغم من علو درجة عثمان رضي الله عنه التي فاقت درجة الحسين رضي الله عنه فضلاً وسابقةً وبذلاً وجهاداً ومنصباً شُورِّيَاً، بالإضافة إلى بشاعة ما ارتكبه الخوارج الانقلابيون في حق عثمان من إهانةٍ وإذلالٍ وتجويعٍ وتعطيشٍ ونهبٍ لداره، وهتكٍ لعرضه، وترويعٍ للمدينة وأهلها، واستباحةٍ لحرمتها، وإسقاطٍ للشورى وتغييرٍ لنظام الحكم، وجعجعةٍ بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللاتي هُنَّ (أهل البيت) بنص القرآن؛ مما لم يحدث مثله للحسين رضي الله عنه؛ على الرغم من تزيد الكذابين في تفاصيل مقتله.. ولا يحتاج المُدقّقُ إلى كثير نظر لمعرفة أسباب ذلك؛ فَتَسَيُّد الرؤية العباسية المعتمدة على الرواية الكوفية، ثم التشيع بدرجاته كلها، ثم ترفع أهل السنة عن انحطاط اللطم والكربلائيات وتجديد الأحزان وتوثين البشر، ثم العاطفية المغالية عند كثير من خواص أهل السنة وعوامهم تجاه الحسين؛ كلُّ هذا وغيرُه سَاهَمَ في تضخيم حادثة الحسين إلى حدٍ مغرق في الغرائبية والتوثين، وترقيق حادثة عثمان إلى حدٍ مغرقٍ في التهاونية والعقوق!!
وأنت ترى في عصرنا هذا كيف يتلعب الإعلام بالقضايا تلعب الصبيان بالكُرةِ، وكيف يخدع- حتى العقلاء- عن عقولهم خديعة الطفل بالحلوى؛ فيُعلِي من شأن قضية ويخفض من شأن أخرى، ويضع قضية في المركز، ويُهمل أخرى في الهامش؛ وهما في الأهمية والعاطفية والدينية سواء؛ فيُري الجميعَ حصارَ (غزة) ساعةً بساعة ويوماً بيوم؛ بينما يُخفي في الهامش مثلاً حصار الحوثي لمدينة (تعز) منذ 2015 وحتى كتابة هذه السطور.. ويُرِي الجميعَ مجازر (غزة) على الهواء مباشرةً- وهي تستحق- بينما يُخفي في الهامش مجازر (الموصل) التي فاقت مجازر غزة عشرات المرات (ولا مفاضلة في المجازر).. أما (الباغوز) فسأكون شديد التفاؤل إن ظننتُ أن عشرة بالمائة ممن يقرؤون كلامي هذا يعرفونها أو يعرفون مكانها؛ فضلاً عن معرفتهم بما حدث فيها من إبادةٍ كاملةٍ شاملة!!
هذا عدا تجريف الوعي وتغييب العقول بتصوير المنحرفين مهتدين، والمشركين مجاهدين، والمجرمين أبطالاً مقاومين؛ تماماً كما يحدث الآن مع الشيعة- حَوثَةً، وحزبالةً، وحَشْدَاً، ومَلالِيَاً-؛ لأنَّ أمريكا تضربهم بعد انتهاء غرضها منهم؛ ككلابِ صيدٍ صادت بهم مُعَلَّمين، ثم صادتهم مسعورين!!
لقد تم تضخيم حادثة الحسين تضخيماً كبيراً جداً؛ لا لمكانته وفضله فقط؛ فإنَّ أباه علياً رضي الله عنه قُتِلَ قبله وكان أفضل منه، وعثمان رضي الله عنه قُتِلَ قبله وكان أفضل منه، وعمر رضي الله عنه قُتِلَ قبله وكان أفضل منهم جميعاً؛ ولكن لأنَّ (قناة الجزيرة الكوفية) آنذاك رأتْ أنَّ حادثة الحسين هي النموذج الأمثل الصافي الذي يمكن استخدامه بحمولاته(الدينية والعاطفية والسياسية والثورية)؛ في تحقيق الأغراض وإدراك الأهداف؛ ثم لا يستطيع أحدٌ الاعتراض على هذا الاستخدام، أو إسقاطه أو إعادة النظر والتفكير فيه؛ كالذي يمكن أن يحدث مع مَقَاتِلِ الشخصياتِ الأخرى.. وهي بهذه الحمولات سلاحٌ مثاليٌ فتاكٌ يمكن استخدامه لتحقيق كل الأغراض الدينية والسياسية والعاطفية والثورية، وطعن وتشويه كلِّ مَن تسول له نفسه إعادة التفكير والنظر باتهامات (النصب)، وكراهية آل البيت، وماذا ستقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة (هذا إنْ أدخلوك الجنة).. تماماً كـ(قضية فلسطين) التي حَمَّلهَا مستخدموها بكل الحمولات الدينية والعاطفية والسياسية والثورية؛ لتحقيق أهدافهم وإدراك أغراضهم؛ حتى صارت وثناً يُعبد من دون الله، أو صنم عجوة يعبده القومجيون بأنواعهم، والمتأسلمون بأنواعهم، والشيعة بأنواعهم، ثم يأكلونه عند أول عَضَّةِ جوع.. فإذا ظهر من يطالب بضرورة التوقف قليلاً لإعادة النظر في حمولات هذه القضية، وطبيعة استخداماتها، ومنطلقات مستخدميها؛ ضربته اتهامات (التصهين، والعمالة، والاستخذاء، والتخذيل، وكراهية مَنْ أسموهم رجال الله، والاستهانة بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.. لتظل فلسطين كدماء الحسين التي استخدمها العباسيون لضرب أبناء عمومتهم الأبعدين بني أمية، ثم لما انتهوا منهم؛ التهموا صنم العجوة وضربوا أبناء عمومتهم الأقربين بني عليٍ والحسين؛ وبطرائق أشد بشاعة وأكثر خسة.. ولو نال بنو علي والحسين ما ناله بنو العباس لفعلوا في أبناء عمومتهم ما فعله أبناء عمومتهم فيهم؛ فإنَّ الملك عقيم، والتاريخ يكتبه المنتصرون، ويُثّبِّتُهُ العامةُ والغوغاء وينقيه الغرباء.. ولا جذر أثبت من العامة والغوغاء؛ فإنهم إنْ نشؤوا على شيء وتعاقبت عليه أجيالهم؛ صار تغييره محالاً أو قريباً من المحال.. ولا ألم أبشع من ألم الغرباء؛ فإنهم لا يواجهون المنتصر الذي كَتَبَ وهَلكَ بقدر ما يواجهون التربةَ نفسَها التي نبتوا فيها.. ولا غربة أشد من هذا!!
***
لقد كان منهجُ الطبري في الجَمْعِ سيفاً ذا حدين؛ جاء منه بعضُ خير، وسال منه سيلُ شر.. أما خيره فإنَّ اعتماد الطبري على الإسناد فتح لمن جاء بعده أبواب معرفة حقيقة الرواية بمعرفة حقيقة الراوي.. صحيحٌ أنَّ هذه الأبواب لا يتقن الدخول منها كلُّ أحد؛ ولكنها- في النهاية- أصلٌ أصيل يمكن للباحث- آن البحث والمناقشة- أن يُصحح بها الروايات أو يُضَّعفَهَا أو يَرُدَّهَا؛ تماماً كما هي أصل أصيل في التعامل مع رواة الحديث الشريف جرحاً وتعديلاً؛ وإنْ كان المنزع في الحديث الشريف غير المنزع في علم التاريخ.. وقد أسقط ابنُ الأثيرُ في (كامله) سلاسلَ الإسناد، وانتقى وهَذَّبَ وأعادَ الصياغةَ سَردَاً دون سند؛ فخفف على القاريء بعضَ العنت، ولكنه ثَقَّلَ المؤنة على الباحث المدقق لاضطراره إلى الرجوع إلى سلاسل الإسناد لمعرفة الصحيح من الزائف..
وتخيل أنت أنَّ الطبري- وهو الرائد الأول الذي استقى منه كل من جاء بعده هذه المرويات- حَذَفَ سلاسلَ الإسناد كما فعل ابن الأثير؛ فظهرت مروياته كلها كأنها صحيحة معتمدة عنده؛ لعدم تدخله في الرواية بنقدٍ أو تهذيب.. كيف كان الوضع سيكون آنذاك؟!
أما شَرُّهُ؛ فهو ذلك الشر الذي حَذَّرَ منه الإمام الجوزجاني تلاميذه في نصه سالف الذكر؛ حيث قال: "..... ولكن كثيراً منكم جار عن الطريق، وجعل طلبه لهذا الشأن وجمعه نزهةً وشهوة، فإذا استُعتِبَ فيه قال: إنما أكتبه للمعرفة، فيا سبحان الله تكتبُ حديثَ أهل الصدق للمعرفة، وحديث المتهمين للمعرفة، فمتى تتركُ هذا؟! وعسى أن ينشأ بعدنا قومٌ فإنْ عوتبوا فيهم؛ قالوا: قد روى عنه فلان؛ فيتخذوه حجة، فكما نقول نحن اليوم لِبَعضِ البُلْهِ: لم تروي عن فلان؟! قال: أليس قد روى عنه فلان؟!".
وهذا الشر هو الذي صبغ تاريخنا كله بسيل من الأكاذيب تلقاها المؤرخون عن المؤرخين فأثبتوها تكثراً وجمعاً وتقميشاً؛ فصارت- وإنْ نفاها بعضُهم وشكك فيها بعضُهم وتوقفَ فيها بعضهم- كما قال الشاعر:
قد قِيلَ ما قِيلَ إنْ صِدقاً وإنْ كذباً
فما اعتذارُكَ عن قولٍ إذا قيلا
الظريف أنَّك ستجد الطبري في بعض رواياته عن أبي مخنف والواقدي وغيرهما يقطع الرواية ويكتفي بما ذكره منها؛ معللاً ذلك بشناعة بقيتها أو بشاعتها، أو عدم احتمال العامة لها؛ فقد قال حين تناول المراسلات بين معاوية رضي الله عنه وبين محمد بن أبي بكر:"... فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة"، وقال في أسباب (مسير المصريين إلى عثمان رضي الله عنه):"... ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته"، وقال في قصة مقتل عثمان رضي الله عنه:" وأمَّا الآخرون فإنهم رَووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، وأموراً شنيعة كرهت ذكرها"..
وهذه الجمل الاستدراكية القليلة من الطبري تدل على أنه لم يكن غافلاً عن كلمة شيخه الجوزجاني، أو عن شناعة وبشاعة ما بين يديه من مرويات أبي مخنف والواقدي وابن السائب وغيرهم.. ولكن لعلها شهوة الجمع والتكثر، أو لعله الميل النفسي والهوى، أو لعله أي شيء آخر ضمن دائرة حسن الظن.. وما أكثر ما خَاطَبْتُ الطبري بيني وبين نفسي وأنا أقرأ هذه الجمل قائلاً: غفر الله لك.. ليتك حين أعرضت عما أعرضت عن ذكِره لشناعته؛ سمعتَ كلامَ شيخك وأعرضت إعراضاً كاملاً عن أبي مخنف وأمثاله؛ فقد كانت أكاذيبه سبباً من أسباب فساد العقول، وغلبة الأهواء، وسفك الدماء على مدار أكثر من ألف سنة، وما منع من ذلك كله تنبيهُك في مقدمتك أنك أدَّيْتَ على نحو ما أُدِّيَ إليك!!
***
ختاماً أقول:
لقد قرأتُ تاريخ الطبري كاملاً ثلاث مرات؛ مرةً في بدايات سنوات الجامعة، ومرة قبيل بحث الدكتوراه، وثالثة من خمس سنوات تقريباً.. ثم أنا أعود إليه الآن بين الفينة والأخرى لأقارنه بالمطولات مِن أمثاله كلما عَنَّ لي مشكل، أو واجهتني عُقدة، أو (نَطَّ) في وجهي (عيالُ الفيس بوك).. والنطنطة لا تفنى والعيال لن تَكُف!!
ما زلت أذكر وقع المرة الأولى على قلبي.. لقد تلوث!!
يبدو أننا لا نكبر إلا إذا تلوثت قلوبنا، وتلوثُ القلوب استنارةٌ للعقول.. لقد هَجَمْتُ بالقراءة على ما لم يكن قلبي الطري مستعداً له؛ فَسَقَطَ العَشَاءُ بي على سِرْحَان!!
والقراءة المبكرة كالزواج المبكر؛ متعةٌ وتلوث.. تلوثٌ بالمعرفة في الأولى وتلوثٌ بالمسؤولية في الثانية.. وما هو بتلوث على الحقيقة بل فهم لطبيعة الحياة..
تبدو المعرفةُ- في مستوىً من مستوياتها- تلوثاً وجُرماً وورطةً أخفُّ ما فيها الدهشةُ الحائرة، وأثقلُ ما فيها استحالة الرجوع!!
ورطةُ المعرفة الكبرى أنكَ لا تملكُ أدواتَ مواجهةِ تَبعاتِها إلا بمزيدٍ منها؛ فكأنها فَخٌّ لا تَنخلعُ منه إلا إلى فَخٍّ آخر، ومع كل فَخٍّ جديد ألمٌ جديد يستنبتُ أداةَ مواجهةٍ جديدة؛ تماماً كألم الثعبان حين ينسلخُ من إهابٍ لإهاب، والنسرِ حين ينخلعُ من مخالبَ لمخالب.. وعلى قَدْرِ تتابع آلام معرفتك؛ يكون اكتمالُ أدواتِ مُواجَهَتِك!!
***********************************
مقالات قادمة إنْ شَاء اللهُ ويَسَّر:
_ الكوفة.. دارُ السَّكِ ومَسْكُوكَاتُها.
_ كيف نقرأ تاريخنا.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق