يشهد العالم اليوم نازلة من أعظم النوازل الفاجعة، ومحنة تنفطر لها القلوب، حيث يواجه أهل غزة الصامدون آلة بطش وتدمير لا ترحم شجرًا ولا حجرًا، ولا طفلًا ولا شيخًا. وفي خضم هذه الدماء والأشلاء والخراب، يخرج علينا بين الحين والآخر من يلبس لبوس الوعظ، أو ينساق وراء التخذيل، ليوجه سهام النقد والاتهام إلى المستضعفين، مدعيًا زُورًا وبُهتانًا أن ما حلّ بهم من دمار واستشهاد هو عقوبة إلهية بما كسبت أيديهم وبسبب ذنوبهم وبُعدهم عن منهج ربهم.
إن هذا الفهم السقيم، والربط العشوائي بين المصائب وغضب الله تعالى، يعكس خللاً منهجيًا خطيرًا، ووهمًا كبيرًا في فهم السنن الإلهية. فالقول بأن دمار غزة بسبب ذنوب أهلها هو قراءة مبنية على الجهل، ومستندة إلى الحمق، تُسقط سياق الابتلاء والتمحيص، وتتجاهل حقيقة أن البلاء قد ينزل بالعبد رفعةً لدرجته، وبسبب طاعته وثباته.
وفي هذا المقال، نقوم بتفنيد هذه الشبهة وبيان حقيقة ما يجري لأهلنا في غزة مستندين إلى الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة.
أولاً: التمييز بين مصيبة العقوبة ومحنة الابتلاء
وقع أصحاب الفكر التخذيلي في خلط واضح بين نوعين من المصائب والنوازل التي تصيب البشر:
1- مصيبة العقوبة والاستئصال وهي التي تصيب الكفار والمكذبين أو العصاة المجاهرين كعقوبة معجلة في الدنيا. وقد استدل هؤلاء بالآية التي نزلت عقب غزوة أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هو مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]. فالخطاب في أُحد كان لصحابة كرام خالف رماةٌ منهم أمرًا عسكريًا صريحًا للرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت النتيجة الدنيوية المباشرة انكشاف ظهر الجيش. أما أهل غزة اليوم، فلم يفروا من زحف، ولم يخالفوا أمرًا شرعيًا بالثبات، بل هم مرابطون يدافعون عن مقدسات الأمة وعن أنفسهم وأعراضهم ضد عدو صائل، فشتان بين المقامين.
2- محنة الابتلاء والتمحيص وهي التي تصيب الصالحين والأولياء والمجاهدين لا لذنب جنوه، بل لطهارة أيديهم، وعلو هامتهم، ورفضهم الخنوع والذل. فالابتلاء هنا بوابتهم إلى المقامات العُلا في الجنة، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].
ثانياً: الإيذاء بسبب الطهارة والطاعة لا بسبب المعصية
إن استقراء التاريخ البشري، وقصص الأنبياء في القرآن الكريم، يثبت بشكل قاطع أن الصالحين يُحاربون ويُضطهدون بسبب طهارتهم وتمسكهم بالحق، لا بسبب نَجاستهم أو معصيتهم. ولنا في قصة نبي الله لوط عليه السلام وعائلته خير دليل؛ حيث لم يجد قومه المجرمون مبررًا لإخراجهم والتنكيل بهم إلا طهارتهم وعفتهم، قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56]. فبالمثل، فإن جرم أهل غزة في عيون عدوهم والمخذلين هو أنهم “يتطهرون” من دنس الخيانة، ويرفضون بيع مقدسات الأمة، ويتمسكون بحقهم في العيش بعزة فوق أرضهم، والتنكيل بهم هو ضريبة هذه الطهارة الإيمانية والجهادية.
وكذلك أخبرنا القرآن عن أصحاب الأخدود الذين حُفرت لهم الأخاديد وأُشعلت فيها النيران وقُذفوا فيها أحياءً. فما هو الذنب الذي اقترفوه؟ يجيبنا القرآن بوضوح: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. لم يكن هناك ذنب سوى الإيمان.
فكيف يجرؤ عاقل بعد ذلك أن يقول إن الدماء التي تسيل في غزة هي عقوبة على معاصيهم، والقرآن يقرر أن القتل في سبيل الله قد يكون محض استهداف للمؤمنين بسبب إيمانهم؟!
ثالثاً: السيرة النبوية والمحنة بسبب تبليغ الرسالة
إذا نظرنا إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، نجد حياته سلسلة متصلة من الشدائد والمحن والابتلاءات. فهل كان إيذاؤه بسبب ذنب؟ حاشاه وهو المعصوم.
تذكر كتب التاريخ والحديث ما أصابه يوم ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الله ويسألهم النصرة، فناله منهم من الأذى والسخرية ما لا يطيقه بشر، ورموه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان.
وجاء في صحيح البخاري من حديث عروة بن الزبير أنه سأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟”.
لم يكن هذا الإيذاء عقوبة للنبي صلى الله عليه وسلم على تقصير، بل بسبب امتثاله التام لأمر ربه.
وما يمر به أهل غزة اليوم من حصار وتجويع وقتل، ما هو إلا امتداد لشعب أبي طالب الذي حوصر فيه النبي والمؤمنون حتى أكلوا ورق الشجر؛ ولم يكن ذلك لذنوب اقترفوها، بل لدين اعتنقوه وحق نصروه.
رابعاً: السنة النبوية
لقد وضعت السنة النبوية الضوابط الشرعية الدقيقة التي تُفند ادعاءات المخذلين:
الحديث الأول: شدة البلاء وعلاقتها بصلابة الدين
عن سعد بن وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، «أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: ” الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ، زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ، خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ “»
أخرجه أحمد، والترمذي، وقال: “حسن صحيح” ، وابن ماجه، والدارمي، وصححه الألباني.
فالحديث يدل صراحة على أن شدة البلاء تتناسب طرديًا مع صلابة الدين، وقوة الإيمان، لا مع كثرة المعاصي. وأهل غزة بصمودهم الأسطوري أمام أعتى آلات الدمار يبرهنون على صلابة إيمانية قلّ نظيرها؛ فالبلاء دليل طوعي على قوة دينهم وقربهم من ربهم.
الحديث الثاني: الابتلاء علامة المحبة الإلهية
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ…».
أخرجه الترمذي وقال: “حديث حسن غريب”، وابن ماجه، وصححه الألباني في “السلسلة الصحيحة”.
فهنا يربط الحديث بين الابتلاء والمحبة الإلهية ربطًا شرطيًا قاطعًا. فالبلاء للمؤمن أمارة محبة واصطفاء؛ ليسمع تضرعهم، ويرفع درجاتهم، ويتخذ منهم شهداء. وما أصاب غزة هو علامة حب الله لهم واصطفائه ليكونوا حجة على الأمة.
الحديث الثالث: نزول المنازل العالية بالبلاء لا بالعمل
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَنْزِلَةُ فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ، فَلَا يَزَالُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ إِيَّاهَا».
أخرجه أبو يعلى، وابن حبان، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
فالحديث يفيد بأن الله قد يكتب للمؤمن منزلة رفيعة في الجنة لا تبلغها أعماله العادية، فيسوق إليه البلاء ليرتقي لتلك المنازل. وأي منزلة أعظم من الشهادة والرباط؟ إن دمار البيوت وفقد الأحبة في غزة هو الجسر الإلهي للفردوس الأعلى.
خامساً: الحكمة الإلهية من وراء ابتلائهم وثباتهم
تكشف لنا مقاصد الشريعة عن حكم بالغة من وراء هذه المحن، وكلها تدور في فلك التكريم والتمحيص لا العقوبة:
اتخاذ الشهداء:
قال تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]؛ فالشهادة ليست موتًا عبثيًا، بل هي اصطفاء واختيار من الله لثلة من عباده ليكرمهم بجواره.
تميز الصفوف وفضح النفاق:
المحن الكبرى هي الفاضحة التي تميز الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَميزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]. ومن خلال محنة غزة، انجلى الغبار عن منافقي العصر الذين يبررون للعدو جرائمه.
إحياء روح الجهاد والأمة:
أعاد صمود غزة إحياء القضية في قلوب الملايين، وأثبت أن أمة الإسلام أمة حية لا تموت وإن أثخنتها الجراح، وهذا نصر معنوي كبير يمهد للنصر المادي.
وختاما:
إن القول بأن ما حل بأهل غزة هو بسبب ذنوبهم وبعدهم عن منهاج ربهم، هو قول باطل عاطل، ترفضه نصوص الكتاب وتكذبه أسانيد السنة. بل إن الحق الأبلج هو أن ما حل بأهل غزة إنما هو بسبب طاعتهم وثباتهم، ولأجل قربهم من ربهم ودفاعهم عن مقدسات أمتهم، وعلامة جليلة على حب الله لهم واصطفائه إياهم. فبشرى لكم يا أهل غزة منازل الشهداء، ولتعلم الأمة أن خذلانها لغزة هو ذنب الأمة بأسرها الذي تحاسب عليه، أما غزة فقد أدت ما عليها وسجلت بدمائها أروع صفحات المجد والثبات. نسأل الله أن يتقبل شهداءهم، ويشفي جرحاهم، وينصرهم على عدوهم ومن خذلهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق