‏إظهار الرسائل ذات التسميات جزا بندر الهاجري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جزا بندر الهاجري. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 31 أغسطس 2026

أنا بلا قطيع

 أنا بلا قطيع




الفراغ الأيديولوجي... أم النجاة من الاستعباد الفكري؟!

في مجتمعاتنا، يُنظر إلى الإنسان الذي لا يحمل راية فكرية واضحة وكأنه كائن ناقص التكوين، مشروع إنسان لم يكتمل بعد، أو شخص تائه ينتظر من يقوده إلى «الحقيقة المطلقة». 

فإن لم تكن يسارياً اتُّهمت بالضبابية، وإن لم تكن محافظاً وُصفت بالانفلات، وإن لم تكن منتمياً لقبيلة الفكرة أو مذهب الجماعة أو حزب المصالح، أصبحت متهماً بمرضٍ اجتماعي جديد اسمه: الفراغ الأيديولوجي.

لكن، ماذا لو كان هذا «الفراغ» ليس جهلاً كما يُروَّج له؟ ماذا لو كان في بعض الأحيان أعلى درجات النجاة؟

أنا أكتب... ولاأزال أبحث عن ذاتي. لا أكتب لإرضاء أقصى اليسار، ولا لأصفق لأقصى التشدد، ولا لأُطرب أولئك الذين يحوّلون الأفكار إلى أصنامٍ مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. 

أكتب لأن الكتابة بالنسبة لي ليست هواية عابرة، بل طقس نجاة. 

أكتب لأنني أستمتع حين أكتب، ولأن رأسي حين يهدأ فوق الوسادة آخر الليل، أشعر بأنني قد أفرغت شيئاً من ضجيج هذا العالم، من الأسئلة الثقيلة، من الفوضى التي يصنعها بشرٌ يصرّون على ارتداء اليقين حتى وإن كان مثقوباً.

ولأنني أكتب، بدأت أتساءل: من أنا؟ بأي لونٍ فكري أرسم؟ أي وصفٍ يليق بي؟ هل يجب عليّ أن أكون شيئاً محدداً كي أُرضي القارئ؟ هل الإنسان ناقصٌ ما لم ينضم إلى قطيعٍ فكري يصفق معه، ويغضب معه، ويكره معه؟

الحقيقة المؤلمة أن مجتمعاتنا لا تخشى الفراغ الأيديولوجي بقدر ما تخشى الإنسان الذي يفكر وحده.

فالإنسان الذي لا يُستقطب... يُربك الجميع.

ذلك الشاب الذي لم يقع أسيراً لقبيلةٍ سياسية، ولم يبتلع خطاباً دينياً بلا تفكير، ولم يسمح لمصالح الآخرين أن تستأجر عقله... يبدو دائماً مشبوهاً في أعين أصحاب المشاريع الكبرى. 

لأن العقل الحر لا يُستخدم بسهولة، ولا يُقاد بالعاطفة، ولا يركض خلف الصيحات كجوادٍ أُلبس لجامه وأُطلق نحو غنائم لا تخصه.

ولنكن صرحاء حدّ الإزعاج...

كم شابٍ استُخدم باسم القبيلة؟

أُقنع أن ولاءه الأعمى «فزعة»، بينما كان مجرد جسرٍ بشري لعبور طموحات ابن القبيلة الباحث عن النفوذ والمقعد والامتيازات؟!

كم إنسانٍ فارغ فكرياً جرى تعبئته مذهبياً أو دينياً حتى تحوّل من إنسان بسيط إلى مقاتلٍ نفسي يخاصم المجتمع، مقتنعاً أن طريق الجنة يمر عبر خدمة أجندات الأرض؟!

كم شخصاً صُنع منه خصمٌ لفئةٍ أخرى فقط ليشعر بأنه «الأرقى» و«الأكثر استحقاقاً»، بينما كان في الحقيقة مجرد أداة تُستخدم لإرضاء نخبةٍ تتغذى على الانقسام؟!

وكم مستثمرٍ صغير جرى دفعه -بوعي أو دون وعي- لضرب مستثمر أصغر منه، كي يلتهم الحوت الأكبر السوق بهدوء، تاركاً خلفه عائلات تتآكلها الديون وأحلاماً تُدفن تحت ركام المصالح؟!

المشكلة ليست في وجود الأفكار، بل في طريقة تسويقها.

الفكرة في هذا الزمن لم تعد دائماً مشروعاً أخلاقياً أو معرفياً... بل تحوّلت أحياناً إلى سوق نخاسة حديثة، يُباع فيها الإنسان على هيئة ولاءات. مرة باسم الوطنية، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الحرية، ومرة باسم النخبة، بينما النتيجة واحدة: مصادرة العقل الفردي.

وهنا يبرز السؤال الذي نخاف منه أكثر من أي شيء:

لماذا لا نُشخّص الحالة كما هي؟

في الطب يقولون: «التشخيص الدقيق هو البوصلة التي تحدد مسار الشفاء». فلماذا نصرّ اجتماعياً على تجميل العلل؟ لماذا نخاف من الاعتراف بأننا أحياناً نصنع أجيالاً تُعبَّأ أكثر مما تُعلَّم؟ تُحرَّض أكثر مما تُثقّف؟ تُقاد أكثر مما تُفكّر؟

لست من دعاة فوضى فكرية، ولست ضد الدين، ولا ضد القيم، ولا ضد الانتماءات الطبيعية. لكن ضد أن يتحول الإنسان إلى وقود مجاني لحروب الآخرين، أو إلى حطبٍ يُلقى في نار المآرب الحزبية والفئوية والمصلحية.

أنا لا أخاف على الشباب من الفراغ الأيديولوجي بقدر خوفي عليهم من الامتلاء الكاذب.

ذلك الامتلاء الذي يجعل الشاب يردد شعارات لا يفهمها، ويقاتل معارك لم يخترها، ويدافع عن أشخاص لن يتذكروا اسمه حين تنتهي المعركة.

ولعلّ هواية بسيطة، قراءة كتاب، رياضة، كتابة، سفر، أو حتى شغف يبدو «تافهاً» في نظر المجتمع ... أكثر نفعاً أحياناً من عقلٍ تمت مصادرته بالكامل لصالح شيخ فكرة، أو زعيم تيار، أو تاجر نفوذ.

في النهاية...

لكل إنسان أن يختار فكره، وأن يقترب ممن يشاء، ما دام لم يتحول اختلافه إلى كراهية، وقناعته إلى عصا، وإيمانه إلى وسيلة لإلغاء الآخرين.

فالإنسان ليس رقماً في قطيع، وليس مشروعاً تابعاً، وليس حطباً لمعركة أحد.

وفي زمن الضجيج الفكري... ربما تصبح أعظم شجاعة أن تقول بهدوء:

أنا أبحث عن ذاتي... لا عن قطيع.

X:jzaband

الأحد، 9 أغسطس 2026

تحالف مكة... بداية شرق أوسط جديد؟

 تحالف مكة... بداية شرق أوسط جديد؟


ليس كل اتفاق دفاعي إعلاناً عن حرب، وبعض الاتفاقات تكون أهم لأنها تعلن عن تغيير في ميزان القوى.

من هنا تبرز أهمية الاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة، والذي يقوم على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً. فاللافت ليس فقط الدول الموقعة، وإنما التوقيت: اتفاق يأتي في لحظة يعيش فيها الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله اضطراباً، وفي ظل الحرب الأميركية-الإيرانية وتراجع اليقين بشأن شكل النظام الإقليمي بعد انتهائها.

السعودية تبحث عن تعدد الخيارات الأمنية. لذلك تبدو الشراكة مع تركيا وباكستان محاولة لبناء طبقة إضافية من الردع.

تركيا تضيف إلى المعادلة قوة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة وموقعاً إستراتيجياً يربط الخليج بالشرق الأوسط وأوروبا، بينما تضيف باكستان ثقلاً عسكرياً ودولة نووية ذات علاقات تاريخية مع السعودية.

لكن اختزال التحالف في أنه «تحالف ضد إيران» سيكون تبسيطاً.

صحيح أن إيران ستكون حاضرة بقوة في حساباته، خصوصاً مع الحرب الحالية، لكن الهدف الأعمق يبدو هو منع أي قوة من فرض معادلتها منفردة على المنطقة.

فالتحالف يقول بصورة غير مباشرة: الاعتداء على دولة لن يبقى بالضرورة مشكلة تخصها وحدها.

وهذه هي قيمة الردع.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالسعودية ما زالت شريكاً رئيسياً لها، وتركيا عضو في الناتو، وباكستان مرتبطة بعلاقات تاريخية مع الولايات المتحدة. لكن الرسالة الجديدة هي أن دول المنطقة تريد أن تمتلك قدرة تفاوضية وأمنية مستقلة، حتى وهي تحتفظ بشراكاتها الغربية.

وهنا تأتي أهمية مصر.

فوجود إطار تشاوري يضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر يفتح الباب أمام احتمال تطور الاتفاق الثلاثي إلى منظومة إقليمية أوسع. وإذا حدث ذلك، فإننا لن نكون أمام اتفاق دفاعي محدود، بل أمام نواة لنظام أمني جديد يجمع المقدرات السعودية، والقوة التركية، والثقل العربي المصري، والقدرة الإستراتيجية الباكستانية.

وهذا قد يكون أحد ملامح «الشرق الأوسط الجديد»؛ ليس الشرق الأوسط الذي تفرضه قوة واحدة، وإنما شرق أوسط متعدد مراكز القوة.

أما الحرب الأميركية–الإيرانية، فقد يكون التأثير الأكبر للتحالف في منع توسعها. فإذا أصبحت مهاجمة السعودية تحمل احتمالاً لدخول قوى أخرى في المعادلة، فإن حسابات طهران ستتغير، كما ستتغير حسابات واشنطن وإسرائيل.

لكن التحالف يواجه اختباراً حقيقياً: هل تستطيع الدول الثلاث تحويل الاتفاق من إعلان سياسي إلى تعاون عسكري واستخباراتي ودفاعي فعلي؟

في تقديري، نعم؛ لأن الاتفاق ليس وليد أزمة عابرة، بل يأتي بعد مسار سعودي–باكستاني سابق، وتقارب سعودي–تركي، ومشاورات أوسع تضم مصر.

ولهذا قد يكون اتفاق مكة أهم من مجرد تحالف دفاعي.

إنه إعلان بأن الشرق الأوسط بدأ يبحث عن أمنه داخل المنطقة، لا خارجها فقط.

والسؤال الحقيقي بعد الحرب الأميركية–الإيرانية لن يكون فقط: من انتصر؟

بل: من امتلك القدرة على إعادة رسم قواعد اللعبة؟

الأربعاء، 22 يوليو 2026

حين أصبح الإنسان عبداً لردائه الجديد

 حين أصبح الإنسان عبداً لردائه الجديد



جزا بندر الهاجري

في عام 1769، كتب الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو، مقالاً لم يكن يعلم أنه سيصبح بعد قرون أحد أهم المفاهيم في علم النفس الاستهلاكي. 

لم يكن يتحدث عن الاقتصاد، ولا عن الأسواق، ولا عن الإعلانات، بل عن رداء مخملي فاخر أُهدي إليه. كانت هدية بسيطة في ظاهرها، لكنها غيّرت حياته.


نظر ديدرو، إلى ردائه الجديد، ثم التفت إلى منزله، فإذا بالأثاث يبدو رخيصاً، والمكتب قديماً، والكرسي مهترئاً، والسجاد لا يليق بالمشهد الجديد. بدأ يستبدل قطعة بعد أخرى، حتى انتهى به الأمر غارقاً في الديون، ليكتب عبارته التي اختصرت مأساة الإنسان الاستهلاكي:

«كنت سيد ردائي القديم، فأصبحت عبداً لردائي الجديد».

لم تكن المشكلة في الرداء، بل في العقل الذي أقنع صاحبه بأن قطعة واحدة من الفخامة تستوجب تغيير الحياة بأكملها.

اليوم، وبعد أكثر من قرنين، لم يعد تأثير ديدرو، مجرد نظرية فلسفية، بل أصبح أسلوب حياة يهيمن على المجتمعات الحديثة، ومنها المجتمع الكويتي. 

فما إن يشتري أحدهم ساعة فاخرة، حتى يشعر أن سيارته لم تعد تليق بها، ثم يرى أن منزله أقل من مستوى سيارته، وأن ملابسه لا تناسب منزله، وأن المقهى الشعبي لا ينسجم مع صورته الجديدة، فينتقل إلى لوبيات الفنادق الفاخرة، لا لأن القهوة هناك ألذ، بل لأن الصورة أهم من المذاق.

إنها رحلة لا تنتهي.

رحلة تبدأ بساعة، وتنتهي بقرض.

في الماضي، كانت الأسرة الكويتية تبني حياتها على الضروريات. كان رب الأسرة يتقاضى راتباً متواضعاً، لكنه يكفي لإطعام سبعة أو ثمانية أفراد، ويوفر لهم المسكن والكسوة والتعليم، بل ويترك مساحة للادخار. لم تكن الحياة خالية من الطموح، لكنها كانت تعرف الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الكماليات والأساسيات.

أما اليوم، فقد انعكست المعادلة.

أصبحت الكماليات هي الأساسيات، وأصبحت الأساسيات مجرد تفاصيل لا يلتفت إليها أحد.

لم يعد السؤال: هل أحتاج هذا الشيء؟

بل أصبح: ماذا سيقول الناس إن لم أمتلكه؟

وهكذا انتقل الإنسان من العيش لنفسه إلى العيش أمام الآخرين.

دخلت البراندات العالمية إلى وعينا قبل أن تدخل إلى خزائننا. وأصبحت أسماء مثل باتيك فيليب، وأوديمار بيغيه، وريتشارد ميل، وهاري وينستون، رموزاً للنجاح في نظر البعض، رغم أنها صُممت في الأصل لفئة محدودة من الملوك وكبار رجال الأعمال وهواة جمع الساعات، لا لتكون معياراً يقاس به نجاح الإنسان أو قيمته.

ولم تتوقف العدوى عند الساعات.

امتدت إلى السيارات، فأصبحت أسماء مثل أستون مارتن، وماكلارين، وبوغاتي، ليست مجرد وسائل نقل، بل أدوات لإثبات المكانة الاجتماعية.

ثم امتدت إلى السفر.

فلم يعد السفر راحة، بل أصبح استعراضاً.

وأصبحت أسماء مثل كورشوفيل، والمالديف، وسيشل، وموناكو، وكان، أحلاماً إلزامية في نظر كثيرين، حتى ظن البعض أن السعادة لا توجد إلا هناك، وأن الإجازة داخل الوطن أو في وجهة بسيطة تعني الفشل الاجتماعي.

لكن الحقيقة أكثر قسوة.

فنحن لا نطارد تلك الأماكن لأنها أجمل دائماً، بل لأن الآخرين سبقونا إليها.

لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أكبر مصنع للرغبات الوهمية. فهي لا تعرض حياة الناس كما هي، بل تعرض أفضل لحظاتهم، بعد مئات الصور والمحاولات والفلاتر. ومع ذلك، يقارن الإنسان حياته اليومية بتلك اللقطات المنتقاة، فيشعر أن حياته ناقصة، وأن عليه أن يشتري المزيد ليصبح مثلهم.

وهنا تكمن خطورة تأثير ديدرو.

فهو لا يسرق المال فقط، بل يسرق الرضا.

يجعل الإنسان يحتقر ما يملك، ويطارد ما لا يحتاج، ويؤجل سعادته إلى أن يشتري الشيء التالي، ثم يكتشف أن السعادة انتقلت إلى الشيء الذي يليه.

وهكذا يدخل في سباق لا خط نهاية له.

إن أخطر أنواع الفقر ليست قلة المال، بل قلة القناعة.

وأخطر أنواع الثراء ليست كثرة الممتلكات، بل كثرة الاحتياجات.

لقد أقنعنا المجتمع الاستهلاكي بأن قيمة الإنسان في ما يلبس، وما يقود، وما يرتدي في معصمه، وما ينشره في حساباته، بينما الحقيقة أن قيمة الإنسان كانت وستظل في ما يحمله من علم، وما يقدمه من خُلق، وما يتركه من أثر.

لسنا ضد الرفاهية، ولا ضد أن ينعم الإنسان بما أحل الله له من طيبات الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرفاهية إلى معيار للكرامة، وعندما يصبح الاستهلاك هوية، لا مجرد اختيار.

إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المظاهر، بل يحتاج إلى إعادة تعريف النجاح.

فالنجاح ليس ساعة بمئات الآلاف، ولا سيارة تتجاوز قيمتها قيمة منزل، ولا رحلة إلى جزيرة بعيدة.

النجاح الحقيقي أن تعيش في سلام مع نفسك، وأن تنفق في ما تحتاج، وأن تملك الأشياء دون أن تمتلكك.

وهذا هو الدرس الذي أراد دنيس ديدرو، أن يورثه للعالم منذ أكثر من مئتين وخمسين عاماً.

لكن يبدو أن كثيراً منا ما زال يرتدي ذلك الرداء... وما زال يدفع ثمنه حتى اليوم.

الاثنين، 22 يونيو 2026

الإقطاعية الحديثة... لقد استبدلنا السلاسل بكلمات مرور

 الإقطاعية الحديثة... لقد استبدلنا السلاسل بكلمات مرور




في عام 1095، كان الفلاح الأوروبي يعرف تماماً من هو سيده.

كان يعيش على أرض يملكها الإقطاعي، ويدفع له ما يطلبه، ويعمل حيث يريد، ويذهب إلى الحرب إذا أمره بذلك.

كانت العلاقة واضحة، بل فجة إلى حد الوقاحة.

أما في عام 2026 فالوضع أكثر رقيّاً... أو هكذا نعتقد.

اليوم، لا أحد يطلب منك أن تعمل في أرضه. بل يطلب منك أن تنشئ حساباً لديه.

لا أحد يجبرك على دفع العشور. بل يجعلك تضغط على زر «أوافق على الشروط والأحكام».

ولا أحد يسوقك إلى الإقطاع بالسوط، بل بالتنبيهات والإشعارات والعروض المخصصة لك بعناية.

***

في عام 1994، ترك شاب أميركي وظيفة مريحة في وول ستريت، وقرّر بيع الكتب عبر الإنترنت من مرآب صغير.

اسمه جيف بيزوس.

ذلك المرآب أصبح لاحقاً شركة اسمها أمازون.

في عام 1997، دخلت الشركة سوق الأسهم.

وفي عام 2026، تجاوزت قيمتها السوقية تريليونات الدولارات.

أما بيزوس، نفسه فتنقلت ثروته خلال السنوات الأخيرة بين 150 و250 مليار دولار بحسب حركة الأسواق.

رقم يصعب على العقل البشري استيعابه.

دعنا نبسطه.

لو أن إنساناً امتلك مليار دولار فقط، وأنفق مليون دولار يومياً دون توقف، فسيحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لينفقها كلها.

أما مئتا مليار دولار فتعني أكثر من خمسة قرون من الإنفاق بمليون دولار يومياً.

خمسة قرون.

منذ سقوط الأندلس تقريباً وحتى يومنا هذا.

وفي عام 1995، أسس شابان موقعاً بسيطاً للبحث في شبكة الإنترنت.

أحدهما اسمه لاري بايج.

والآخر سيرغي برين.

تحول المشروع لاحقاً إلى «غوغل».

اليوم يعرف «غوغل» ما نبحث عنه، وماذا نقرأ، وإلى أين نذهب، وما الذي يقلقنا قبل النوم.

في العصور القديمة كان الإقطاعي يعرف عدد الأبقار التي يملكها الفلاح.

أما الآن فهناك شركات تعرف عدد ساعات نومك، ونوعية الموسيقى التي تسمعها، واحتمال أن تشتري حذاءً جديداً خلال الشهر المقبل.

أي النظامين أكثر معرفة بالإنسان؟

ثم جاء إيلون ماسك.

في عام 1999، باع شركته الأولى.

وفي عام 2002 أسس شركة الفضاء الخاصة التي عُرفت لاحقاً باسم SpaceX.

ثم دخل عالم السيارات الكهربائية عبر تسلا.

ثم الأقمار الاصطناعية، ثم الذكاء الاصطناعي،

ثم منصات التواصل الاجتماعي.

وفي عام 2026، ما زال يتصدر قوائم أثرياء العالم بثروة تتجاوز في فترات كثيرة 300 مليار دولار.

رقم يفوق الناتج المحلي لبعض الدول.

وليس هذا هو السؤال.

السؤال الحقيقي:

كيف أصبح شخص واحد يمتلك قدرة على التأثير في الفضاء والاتصالات والإعلام والذكاء الاصطناعي وأسواق المال في الوقت ذاته؟

هل نحن أمام رجل أعمال استثنائي؟

أم أمام نسخة حديثة من كبار الإقطاعيين؟

قد يقول قائل: لكنهم لم يسرقوا أحداً.

صحيح.

لم يأت أحدهم إلى بيتك ويصادر أرضك.

بل فعل شيئاً أكثر ذكاء.

جعلك تدخل أرضه بإرادتك.

تحمل هاتفاً يعمل على أنظمته.

وتبحث عبر منصاته.

وتتسوق من متاجره.

وتتواصل عبر شبكاته.

وتحفظ ملفاتك في خوادمه.

ثم تعود إلى المنزل مقتنعاً أنك مستقل تماماً.

المفارقة المضحكة أن الإنسان الحديث يهاجم الإقطاعيين الذين عاشوا قبل ألف عام، بينما يقضي يومه كله داخل إقطاعيات رقمية جديدة.

إقطاعيات لا ترفع رايات فوق القلاع.

بل شعارات فوق التطبيقات.

ولا تفرض الضرائب بالقوة.

بل تستخرج البيانات.

ثم تبيعها لمن يعرف كيف يحولها إلى نفوذ.

لا أدعو هنا إلى كراهية النجاح.

ولا إلى معاداة الرأسمالية.

ولا إلى مصادرة الثروة.

بل إلى طرح سؤال مزعج فقط.

عندما تمتلك قلة من البشر ثروات تفوق ميزانيات دول، وتتحكم في منصات يتجاوز مستخدموها عدد سكان القارات، فمن الذي يحكم العالم فعلاً؟

الحكومات؟

أم الأسواق؟

أم الخوارزميات؟

أم أولئك الذين يكتبون الخوارزميات؟

إذاً، المشكلة ليست في إيلون ماسك.

ولا في جيف بيزوس.

ولا في غيرهما.

ربما المشكلة فينا نحن.

نحن الذين سلمنا الراحة مقابل الاستقلال.

والسرعة مقابل الخصوصية.

والترفيه مقابل الانتباه.

ثم جلسنا نتساءل كيف أصبح النفوذ مركّزاً في أيدٍ قليلة.

لذلك لا أملك خاتمة لهذا المقال.

لأنني لا أملك جواباً.

كل ما أملكه هو سؤال أضعه أمام القارئ:

إذا كانت الإقطاعية القديمة قامت على امتلاك الأرض، والإقطاعية الحديثة قامت على امتلاك البيانات والعقول والوقت...

فهل ما زلنا أحراراً؟

أم أننا مجرد فلاحين رقميين لم ننتبه بعد إلى أن القلعة انتقلت من فوق التل... إلى داخل جيوبنا؟

X: jzabandr