الاثنين، 22 يونيو 2026

متى دخلت غرفتك الصينية؟

 متى دخلت غرفتك الصينية؟

حمد حسن التميمي

حين تكتب لصديقك في لحظة حزنه عبارة مواساة طويلة وبليغة فيتأثر حدَّ البكاء، بينما أنت في الحقيقة تتناول قهوتك ببرود تام وتنظر من النافذة دون أن يتحرك في صدرك شعور واحد، فاعلم أنك دخلت غرفتك الصينية الخاصة.

أنت لم تكذب، والكلمات التي اخترتها كانت مثالية ومناسبة تماماً للموقف، لكنك فعلت ذلك كآلة مدربة، سحبت الإجابة الصحيحة من كتيب القواعد الاجتماعي ومررتها لمن ينتظرها، دون أن تفهم أو تشعر بكلمة واحدة مما كتبت. 

هذا تحديداً ما تنبأ به الفيلسوف جون سيرل عام 1980 في تجربته الفكرية المعروفة بالغرفة الصينية، حين تخيل شخصاً يجلس في غرفة مغلقة يستلم رموزاً صينية لا يفهمها، ويتبع كتاب تعليمات يخبره أي رمز يكتب رداً على أي رمز آخر، فيخرج لمن يسأله بالخارج إجابات صحيحة تماماً دون أن يفهم حرفاً واحداً منها. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال أكثر إزعاجاً: إذا كان الرجل في الغرفة لا يعرف أنه لا يفهم، فكيف تضمن أنك لست في غرفتك الآن، تُخرج كلمات صحيحة عن مشاعرك دون أن تفهمها فعلاً؟

سيرل صمم تجربته ليقول إن مطابقة الرموز ليست فهماً، والقواعد الصحيحة ليست وعياً. لكن المؤسسات التعليمية تعمل بنفس منطق الغرفة منذ قرون. الطالب يدخل المدرسة كغرفة مغلقة، يُعطى كتاب تعليمات اسمه المنهج، ويتعلم أي رمز يكتب رداً على أي سؤال في ورقة الامتحان. يحصل على الدرجة الكاملة ويصفق له الجميع، بينما لم يختبر الفكرة فعلاً ولا شعر بها، فقط حفظ التركيب دون أن يلمس المعنى. وهذا لا يتوقف عند المدرسة، بل يمتد للأيديولوجيات والمعتقدات التي نتبناها كاملة دون أن نفهم كواليسها، نردد شعاراتها لأن الكتيب يقول ذلك ويصفق لنا من حولنا.

الأخطر في هذا كله ليس أننا نخدع الآخرين بكفاءتنا الظاهرية، بل أننا نخدع أنفسنا أولاً. 

نقول «أنا أحب هذا» أو «أنا أؤمن بذلك» بثقة تامة، لأن الكتيب الذي تلقيناه في الصغر يخبرنا أن هذا هو الرد الصحيح في موضعنا. 

والمشكلة أن هذا الخداع لا يُحس من الداخل، الرجل في الغرفة لا يشعر بالنقص لأن إجاباته صحيحة شكلياً. 

ودراسة حديثة من جامعة أونتاريو الكندية شملت 854 عاملاً في الصحة النفسية والمكتبات أثبتت أن هذا النوع من الأداء، إظهار مشاعر لا يشعر بها الإنسان فعلاً، يُضاعف القلق والغضب لدى من يمارسه باستمرار، حتى لو بدا للآخرين متماسكاً وسعيداً. الجسد يدفع ثمن الغرفة الصينية حتى وإن لم يشعر العقل بذلك.

وهذا بالضبط ما يحدث لمن يعيش حياته بمطابقة الرموز، يبدو لنفسه طبيعياً وواثقاً حتى تأتي تلك اللحظة النادرة من الصمت الحقيقي فيتساءل إن كان يشعر فعلاً بما يقوله.

ما يسكن حياة كثيرين ليس غياب المشاعر، بل غياب القدرة على التمييز بين المشاعر الحقيقية والردود المحفوظة التي تشبهها تماماً من الخارج، حتى يصعب على المرء نفسه أن يفرّق بين ما يشعر به وما تعلّم أن يقوله.

ربما دخلت غرفتك الصينية في أول مرة دافعت فيها عن فكرة لم تخترها أنت، أو في أول مرة قلت «أنا بخير» وأنت لست بخير، أو في أول مرة مارست دور الأبوة أو الصداقة بكتاب قواعد ورثته دون أن تسأل نفسك إن كان يناسبك. 

والسؤال الحقيقي ليس إن كنت قد دخلتها، بل:

متى ستلاحظ أنك لا تزال بداخلها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق